زمن "آلو يا همبكة" الجميل (2/2)

04 مارس 2021
+ الخط -

يكمل الأستاذ محمود السعدني مقاله قائلاً: 
"ثم حدث انقلاب جديد في السينما المصرية، عندما تحكم في سوق الإنتاج حفنة من المصريين الفهلوية، ولكنهم كانوا مصريين وكانوا خيرا من الخواجات السابقين، ولعل أبرز مثل على هؤلاء هو رمسيس نجيب.. لقد بدأت السينما تبحث عن قصة.. ودخل السوق لأول مرة عدد من كتاب القصة المصريين.. إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي وغراب ونجيب محفوظ.. واستطاع صلاح أبو سيف أن يهبر نتفا من كمال سليم.. وأن يقدمها على أنها الفن الاشتراكي الواقعي المنبعج في سبيل الحنجوري المتشكنح بالشنكبور!

ومع ذلك فقد انبهر الناس بهذه النتف التي قدمها صلاح أبو سيف لأنها كانت كالوردة الدبلانة في صحراء كلها قبور! وهو من نفس نوع الانبهار الذي حدث للناس عندما شاهدوا فيلم طاقية الإخفاء، ثم عودة طاقية الإخفاء، مع أنهما في غاية الهيافة، والسبب أنهما قدما شيئا بدائيا في صناعة السينما وهو الحيل السينمائية.. فكانت كالفاكهة وسط حقل الجرجير من الأفلام التي لا تستخدم أي شيء إلا رجلا يتكلم أو امرأة تغني، وكأنها صندوق الدنيا والمتفرجين شلة من الأطفال!

ولكن هذه النقلة الجديدة سرعان ما انتكست لأن قصص المؤلفين الكبار شوهت أثناء العمل السينمائي على يد المؤلفاتية السينمائيين وأيضا لأن المنتج اعتمد على الجزء البراق الهايف من القصة ومزق الأجزاء الأخرى لأن الجمهور عاوز كده!!

والجمهور مما يزعمون برئ!

ولذلك ماتت هذه الفترة بسرعة في الوقت الذي كان ينتظر منها الكثير، ودخل القطاع العام على أنقاض هذه الفترة، ولكن ليلتقط خيط التفاهة ويمضي به إلى بعيد.. وأنتح القطاع العام في عهد صلاح أبو سيف أفلام من أجل حنفي وزوج في إجازة! وابتدع بدعة أفلام حرف ب، وأفلام حرف أ، مع أنها كلها أفلام حرف ي لا تزيد! واستخدم القطاع العام كل العقول القديمة، وكل المؤلفاتية القدامى.. وكل الحوارجية الذين تعلموا الحوار في سهرات الليل، وكل المخرجين الذين أجادوا مهنة إخراج المتفرجين من الصالات! وكل المنتجين الذين أنتجوا من قبل ارحم دموعي وارحم عيني وارحم شعوري وارحم عذابي، إلى آخر كل المروعات!

ولذلك عاد القطاع الخاص مرة أخرى ولكن إلى عصر الحرب العالمية الثانية.. وهبر السوق أنواع من أمثال كمال صلاح الدين وعدلي المولد.. وأصبحت الأفلام حشد لمحمد عوض وفؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي وشريفة فاضل وشريفة ماهر وثلاثي أضواء المسرح وثلاثي أضواء السيما إلى آخر قائمة كل المضحكين في مصر.. وأصبح الاعتماد ليس على القصص ولكن على المسلسلات، وشنطة حمزة وطرطوشي وأشجع رجل في العالم.. المهم تذاع المسلسلة ثم يشمر المخرج ويدخل الاستديو ويتوكل على الذي لا ينام! وآلو يا همبكة ونعم يا أمم إلى آخر هذا الهرش مخ المنقطع النظير!

وعندما عاد القطاع العام يريد أن ينقذ السينما المصرية بأفلام ذات مستوى.. كان الأمر قد خرج من يده.. فالموزع هرب من القاهرة والسوق الداخلي لم يعد يحقق تكاليف الفيلم، والمنتج الخاص ينفق ملاليم ويدفع عربونات ويشتري القصة بمئة جنيه، ويعتمد على سينمات الدرجة الثالثة، وعلى دور العرض في الريف.. ويكسب الكثير!! وباظت السنيما المصرية.. وهاجر الممثلون إلى بيروت ليس سعيا وراء الفن طبعا، ولكن سعيا وراء الفلوس.. وأغرب شيء أنه كلما فتح أحدنا فمه مهاجما هذه الهجرة المشبوهة صاحوا جميعا.. اننا نحصل للبلد على عملة صعبة.. وتسأل عن هذه العملة الصعبة فيجيبك كل منهم لقد حولت ألف ليرة إلى مصر.. وألف ليرة يعني مائة جنيه.. وكأننا بلد شحاتة واقفة تنتظر فيض الكريم!!

هل سينفع هذا الكلام ببصلة مع ورثة مرض الحنين إلى الزمن الجميل؟ بالطبع لا، لكن ذلك لا يمنع أنني حظيت بشرف المحاولة وأنني سأكرر المحاولة

ما هو الحل يا سادة يا كرام في أزمة السينما المصرية التي بلغت الحلقوم كما كان يقول صعاليك الحب عليهم رحمة الرحمن الرحيم؟

الحل هو أن يتفرغ القطاع العام لإنتاج أفلام عظيمة ذات مستوى ولتكن عشرة أفلام كل عام، وأن يفتح الباب من جديد أمام القطاع الخاص لينتج إذا أراد أفلاما رديئة أو أفلاما منحطة حسب الظروف والأحوال.. وأن نسمح بالتعاون الفني الكامل بيننا وبين بيروت وبين كل بلد تريد أن تجرب حظها في الإنتاج.. وأن نعرض على من يريد من أبناء الدول الشقيقة استديوهاتنا وخبرتنا بالإيجار.. على أن تكون مهمة القطاع العام هي تقديم القصة العظيمة والفنان العظيم.. ودفع الوجوه الجديدة إلى الصدارة وإحاطتها بالرعاية والتكريم.

ولو استطاع القطاع العام أن يقدم المثل خلال عامين فسيحدث الأثر المطلوب في الحياة الفنية، وسيجبر تجار التفاهات على أن ينتجوا الأعظم والأحسن أو يعتزلوا السوق، وعلى القطاع العام أيضا أن يهتم بالفيلم التسجيلي والفيلم التعليمي فهما حجر الزاوية في أي صالة سينما ناجحة وهي الدرس الأول الذي يجب أن يتلقاه كل مشتغل بهذا الفن، وعن هذا الطريق أيضا سنكشف هؤلاء الذين يبكون الآن على القطاع الخاص، وعلى عدم ترك المجال في السينما أمام أرباب الصناعة والفاهمين لأسرار السوق!! أولا لأنهم لن يستطيعوا الاستمرار في الإنتاج لسببين، السبب الأول أن فاقد الشيء لا يعطيه، وهؤلاء المنتجون والفنانون أبناء عصر مضى، وهم مثل أهل الكهف، فلوسهم مزيفة وطعامهم خبيث، ودنياهم تهدمت من زمن بعيد.

والسبب الثاني أن هؤلاء المنتجين ليسوا أصحاب رؤوس أموال، ولكنهم أصحاب حيلة، وعلى القطاع العام أن يكف عن تمويل القطاع الخاص، وعلى القطاع الخاص أن يعتمد على نفسه، وستكون النتيجة هي الاختفاء من السوق، أو إنتاج آلو يا همبكة.. وعندئذ فلنترك أمرهم للجمهور، وهم يقولون ان الجمهور عايز كده، ونحن نقول إن الجمهور تغير، والعقليات تغيرت، والظروف تغيرت، والدنيا تغيرت، وكل شيء تغير ويتغير إلا هؤلاء السادة.. المحترمين! وهم سادة باعتبار أنهم أصبحوا بعد عمليات النصب على عقول المتفرجين أنظف من الصيني بعد غسيله بعد أن كانوا سكر سنترفيش.

ويا بتوع السينما.. يا من وصلتم بنا إلى هذا الدرك الأسفل من الحضيض.. الله نسأله أن ينتقم لنا منكم بحق هذا الشهر الفضيل!".

لعلك تتفق معي أن هذا المقال يغري بالكثير من التعليقات التي قد لا يتسع لها المقام، ولذلك سأوجز تعليقاتي في نقط سريعة: برغم تقديري لأستاذنا محمود السعدني، فقد كُتب المقال بصورة متعجلة أدت إلى نشر معلومات خاطئة بُنيت عليها تحليلات خاطئة، ففيلم (لاشين) مثلا كان من إنتاج ستديو مصر، وبرغم ذلك لم يسلم من عسف الرقابة، وبالتالي لم يكن صحيحا أن ستديو مصر قرر الدخول في الإنتاج لكي يسحب البساط من أفلام كهذه، وعلاقة الفن المصري بالرقابة علاقة معقدة وتسبق السينما بسنوات، وقد سبق أن أشرت إلى جانب من هذه العلاقة المريرة في سلسلة حلقات نشرتها على هذه المدونة بعنوان (صفحات من تاريخ تهمة الإساءة إلى سمعة مصر).

ـ ما تلمسه من تحامل في المقال على الأستاذ صلاح أبو سيف وأفلامه، لم يكن رأياً منفرداً للسعدني، بل كان يشاركه فيه العديد من الكتاب الذين كان يغالي بعضهم في تمجيد كمال سليم للانتقاص من تلميذه صلاح أبو سيف الذي لم يكن يقصر في الاعتراف بأستاذية كمال سليم، مع أن أفلام صلاح أبو سيف أفضل وأقوى فنياً، وقد عرض فيلم (العزيمة) بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية وليس قبلها، وتوفي كمال سليم بعد ست سنوات، بعد أن قدم أفلاما تشبه الأفلام التي انتقدها السعدني والتي أصبحنا نستمتع بها الآن، مثل فيلم (أحلام الشباب) لفريد الأطرش) وفيلم (ليلة الجمعة) لأنور وجدي، ولست متأكدا الآن ما إذا كان قد تغير رأي السعدني في صلاح أبو سيف بعد مرور الزمان، خصوصاً بعد أن عاشت أفلامه التي انتقص من شأنها والتي كان من بينها أفلام مثل: بداية ونهاية ـ الفتوة ـ القاهرة 30 ـ شباب امرأة ـ بين السماء والأرض ـ الأسطى حسن ـ لا أنام ـ أنا حرة ـ لا وقت للحب، ومن المؤكد أن صلاح أبو سيف لم يتأثر بمثل هذه الآراء التي هاجمته، وواصل تقديم تجاربه التي أصاب في بعضها وأخطأ في بعضها الآخر، وأضاف بعد ذلك إلى قائمته من الأفلام الجميلة أفلاماً مثل: الزوجة الثانية ـ البداية ـ المواطن مصري ـ القضية 68 وفيلمه الأحب إلى قلبي (السقا مات).

ما يشغلني أكثر هو أن الأدوات التي يستخدمها الكثيرون الآن في هجاء فن هذا الزمن، هي نفس الأدوات القديمة المتكلسة

 

ـ صحيح أن كثير مما قاله السعدني من نقد لأفلام السينما المصرية هو نقد في محله، وكان ينطلق من غيرة على الفن المصري ورغبة في تطويره، لكنك لا تملك إلا أن تتذكر التعبير التراثي البديع (المعاصرة حجاب) وأنت ترى كيف أهدر السعدني في أحكامه القاسية جهود فنانين متميزين مثل فطين عبد الوهاب وعاطف سالم وكمال الشيخ ويوسف شاهين وعباس كامل وأحمد بدرخان وعلي الزرقاني وأبو السعود الإبياري ونيازي مصطفى وأنور وجدي وغيرهم من الكتاب والمخرجين وصناع السينما، لكن ما أرغب أن أتوقف عنده أكثر هو النزعة الأخلاقية في محاكمة السينما المصرية، والتي ستندهش حين تراها مستمرة على مدار السنين، وستجدها حتى في عدد من مقالات ناقد كبير مثل سامي السلاموني، والأمثلة أكثر من أن تذكر لمن يرجع إلى الأعمال الكاملة التي جمعت مقالاته.

ـ هل يعني هذا أن السينما المصرية كانت منزهة من كثير من العيوب التي ذكرها السعدني وغيره من النقاد والكتاب الكبار؟ بالعكس، هل كان يجب أن يتوقعوا قدوم الأسوأ ليرضوا بالسيء؟ بالطبع لا، ولا يمكن أن أغفل أن السعدني نفسه قام بتقديم نقد متطور ومدهش في تبصره حين كتب كتابه (المضحكون) وتنبأ بدقة بالمسار الذي سيمضي فيه مشوار عدد من نجوم الكوميديا، ربما لأنه كان يكتب في مجال المسرح الذي كان أقرب إليه ومنه من السينما، وما يشغلني الآن هو الإشارة إلى التناقض بين صورة زمن الفن الجميل التي تروج الآن بين الملايين، وبين صورة ذلك الزمن الفني كما كتبها واحد من أبرز كتاب ذلك الزمن في واحدة من أنجح وأهم مجلات ذلك الزمن، وستجد أمثلة مشابهة لتلك الصورة في كتابات الكثير من كتاب ذلك الزمن، راجع مثلا مقالات الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور في هجاء ما نعتبره الآن عدداً من أهم وأجمل أفلام الزمن الجميل.

ما يشغلني أكثر هو أن الأدوات التي يستخدمها الكثيرون الآن في هجاء فن هذا الزمن، هي نفس الأدوات القديمة المتكلسة: الإدانة الأخلاقية ـ الهجاء الجماعي ـ غياب الاحتفاء بالتنوع في الأذواق الفنية المختلفة من خلال الترويج لنغمة الارتقاء بالذوق العام التي تفترض وجود ذوق قومي يجب دائما الارتقاء إليه ـ الترويج لحلول خرافية تظن أن تدخل الدولة في الإنتاج سيقوم بالضرورة بإصلاح حال السينما، مع أن السينما المصرية أنتجت في ظل غياب الدولة عن الإنتاج أفلاما لا تقل جمالا وتميزا عن بعض الأفلام التي أنتجت في ظل تدخل الدولة، وقد شهد السعدني أن كثيرا مما أنتجته الدولة لم يكن جيدا وكان رديئا، وبالمناسبة لم يكن صلاح أبو سيف هو السبب في ذلك، بل حدث ذلك حتى حين ترك رئاسة المؤسسة العامة للسينما، وقد رأينا ما الذي حدث حين عادت الدولة لتتدخل في الإنتاج في عهد فاروق حسني لفترة محدودة، فلم تحدث النهضة المأمولة للسينما، وللأسف لم يتحقق ما طالب به الكثير من السينمائيين الذين لم يطالبوا الدولة بالإنتاج المباشر، بل طالبوها بالاقتداء بتجارب دولية كثيرة وتقديم الدعم اللازم لإنتاج أفلام يتحمل مبدعوها مسئوليتها الفنية، ولا يخضعون فيها لوصاية أجهزة أمنية أو سيادية لو عرضنا عليها الآن سيناريو فيلم مثل (الزوجة الثانية) أو (الأرض) أو (الكيت كات) أو (الإرهاب والكباب) أو (شيء من الخوف) لمنعتها رقابياً واتهمت صناعها بالإساءة إلى سمعة مصر.

هل سينفع هذا الكلام ببصلة مع ورثة مرض الحنين إلى الزمن الجميل؟ بالطبع لا، لكن ذلك لا يمنع أنني حظيت بشرف المحاولة وأنني سأكرر المحاولة.