رباعية الأستاذ حليم (3)

رباعية الأستاذ حليم (3)

08 سبتمبر 2021
+ الخط -

(3)

خرجت إلى الطريق متوكئاً على العصا بعد ملازمتي البيت سبعة أشهر، إثر أن صدمتني سيارة وأنا أسير إلى جوار الحائط كعادتي، وجدتها تندفع نحوي بسرعة الصاروخ منطلقا من قاعدته، وأحدثت الصدمة كسرا بركبتي اليمنى نتج عنه جلطة بأوعية الساق الدموية بسبب سوء التشخيص والعلاج والإهمال الضارب أطنابه في التأمين الصحي، وأصبحت مثل المناطق التي تعرضت للكوارث، تنقلت بين عيادات مشاهير أساتذة جراحات العظام ومشاهير أساتذة الأوعية الدموية لإصلاح ما أفسده التأمين الصحي، والكشف بمئة جنيه، والمستعجل بضعف القيمة، وتذكرة العلاج يتكلف صرفها من الصيدلية أكثر من مئتي جنيه، وهي أدوية لا يصرفها التأمين الصحي، منها دواء ثمن العلبة منه 72 جنيهاً وتكفي أسبوعين، قال عنه طبيب الأوعية الدموية إنه أساسي جداً ولا غنى عنه ولا بديل لتفادي مخاطر الجلطة ويستمر تعاطيه لمدة عامين مع تحليل شهري للدم مصحوبا بأشعة على الأوعية الدموية اسمها "دوبلر".

أقول خرجت إلى الطريق متوكئاً على العصا، قاصدا منطقة المعاشات والتأمينات لصرف معاشي الشهري بعد أن كان يصرفه لي ابني المحاسب بتوكيل مني، وصوت زوجتي يلاحقني على باب البيت ينبّه عليّ بأن أستقل تاكسي أجرة من على أول الطريق، ويذكرني بألا أنسى أن أحضر معي مخزون الشهر من اللحوم الحمراء، كيلوين ودجاجتين مذبوحتين، ولواحقهما وتوابعهما من خضروات وطماطم والذي منه، لتعمُر بهما ثلاجة البيت الخاوية منذ أسبوعين إلا من زجاجات الماء المثلج ونصف بطيخة وبقايا من الجبن القريش.

كبركان انفجر تدفقت الكلمات على لساني، قلت عبر سماعة التليفون: أين كنت يا حكومة وأين كان بصاصينك، إلى أن تربّح الحبّاك من أعمال وظيفته 91 مليون جنيه وعلى مدى عشرين عاما

تحاملت على العصا مرغماً لأوفر أجرة التاكسي، وعيني على مصائد الطريق من حفر وبالوعات ومركبات، وكلما وقع بصري على سيارة واقفة حسبتها تندفع نحوي، وكلما وقع بصري على سيارة متحركة تجمدت في مكاني إلى جوار الحائط محتميا بعمود إنارة أو جذع شجرة، والمسافة التي كنت أقطعها من بيتي إلى بيت المال سيرا على الأقدام في ربع ساعة قطعتها في ساعتين، وأمام شباك الصراف ألقيت بجسمي المنهمك على حافة الشباك لأخفف الحمل على ركبتي المجهدة، وإذ قدمت للصراف بطاقتي العائلية المتهالكة، أخذ يعد لي معاشي: عشرة، عشرين، ثلاثين، حتى توقف عند رقم يقترب من الخمسمائة، بزيادة قدرها أربعين جنيها من معاش الشهر المنصرم، قال إنها زيادة 10% قررتها حكومة الجنزوري بالنسبة للمرتبات والمعاشات، ابتهجت بالزيادة، ورأيت فيها عوضا عن بعض الحق الذي قضت به المحكمة الدستورية لأصحاب المعاشات، وعصفت به آمال عثمان وزيرة التأمينات والمعاشات، والعلة والسبب هو استمرارها أكثر من عشرين عاما وزيرة أكسبتها زهوا وغرورا واستعلاء وتسلطا، وكان طه حسين يقول "إن سلطان الوزراء هو إلى الخدمة أدنى منه إلى التسلط، ومن طاعة الشعب أدنى منه إلى الاستعلاء"، وقد خرجت الوزيرة في التعديل الوزاري الأخير تصحبها لعنة وغضب أصحاب المعاشات الغلابة، ومنذ أن خرجت من الوزارة تقيم في شقتها الفاخرة في أحد الأحياء الراقية في لندن، وكانت قد اشترت هذه الشقة في لندن قبل سنوات قليلة، ومرجعنا في ذلك عدد مجلة (أكتوبر) رقم 1085 بتاريخ 10/8/1997، ومن كانت على هذه الدرجة من الثراء والفخفخة والمنجهة والبغددة والرفاهية، هل تفكر في أصحاب المعاشات الغلابة وهل تعيد إليهم حقا قضت به أعلى محكمة في البلاد؟!

وضعت معاشي في جيبي، ونزلت إلى السوق متوكئا على العصا أشتري وأشتري، وكان آخر ما اشتريت جريدة الصباح المفضلة (الأهرام) التي اعتدت على شرائها وقراءتها أبا عن جد، ولما كان اليوم هو يوم الأربعاء، اشتريت أيضا جريدة الدستور التي لا تفوتني كل أربعاء، وانتحيت ناحية من الطريق وعددت ما بقي من معاشه الشهري فإذا به يكفي بالكاد لشراء الدواء الذي قال عنه أستاذ الأوعية الدموية إنه أساسي ولا غنى عنه، ولا بديل لتجاوز مخاطر الجلطة، وثمن أدوية السكر والقلب وارتفاع ضغط الدم، وهي أمراض ثلاثة ابتليت بها زوجتي بسبب معاناتها في تدبير المعاش وتربية الأبناء تربية صالحة، ويشاركها في هذه الأمراض ثلث عدد المصريين، وسداد فاتورتي الاستهلاك الشهري للإنارة والمياه، وأنبوبة بوتاجاز، والفول المدمس في الصباح، وكوب الزبادي أو الجبن القريش في المساء، لكنه لا يكفي للوفاء بأجرة المسكن وثمن الخبز اليومي وجريدة الصباح والتحليل الشهري للدم مصحوبا بأشعة دوبلر على أوعية الساق الدموية.
وتذكرت أننا في شهر يوليو مود سداد فاتورة التليفون بكل ما تحمله من مفاجآت غير سارة، ووجدتني كمن يلعب الكوتشينة وقد نقصت منه أوراق كثيرة، وأصبحت الأوراق التي في يدي في حاجة إلى قواعد جديدة لا أعرفها، أرهقني التفكير وعاود الألم ركبتي من فرط ما مشيت وما حملت، ألقيت بجسمي على مقعد في أقرب مقهى على الطريق، وتصفحت جريدة الصباح، وإذ وقع بصري في صفحتها الأولى على حكم محكمة أمن الدولة بمعاقبة عبد الوهاب الحبّاك الرئيس السابق للشركة القابضة للصناعات الهندسية بالسجن عشر سنوات، لأنه تربح من أعمال وظيفته 91 مليون جنيه على مدى عشرين عاما، وجدتني أتجه إلى تليفون المقهى وأدرت قرصة على رقم 122، وهو الرقم الذي لا تعي ذاكرتي سواه رقما إلا رقم تليفون بيتي، وسمعت على الطرف الآخر صوتا أجشّ يقول: إيوه، هنا شرطة النجدة.

وكبركان انفجر تدفقت الكلمات على لساني، قلت عبر سماعة التليفون: أين كنت يا حكومة وأين كان بصاصينك، إلى أن تربّح الحبّاك من أعمال وظيفته 91 مليون جنيه وعلى مدى عشرين عاما، وكررتها ثلاث مرات، فسمعت على الطرف الآخر لجلجة صوتية، وتحولت اللجلجة الصوتية إلى كلمات وهي: والله صحيح أين كانت، وأضاف: يا عزيزي كلنا لصوص، وقبل أن يغلق سماعة التليفون سألت: ماذا كان سيكون عليه الحال لو لم تبُح مطلقة الحباك بسره في قعدة مع صديقة لها في نادي خمس نجوم، والتقط السر أحد رجال الرقابة الإدارية كان يجلس مع أسرته إلى طاولة مجاورة، فوقع الحباك في الفخ من داخل بيته لا من خارجه، قال وهو يقهقه بصوت عال: كان سيكون وزيرا للاقتصاد في التعديل الوزاري الأخير، وطسّ سماعة التليفون.

وكأنني ألقيت بحمل ثقيل من فوق كاهلي، عدت إلى مقعدي في المقهى، وناديت على الجرسون وأعطيته جنيها ليرد لي الباقي، فطلب ربع جنيه زيادة على الجنيه، ولما استغربت أن يكون ثمن مشروب القهوة في مقهى درجة ثالثة جنيه وربع جنيه قال: إن المرتبات والمعاشات زادت. حملت أكياس المشتروات وناديت على تاكسي أجرة أوصلني إلى باب العمارة التي أقيم بها، ولما أعطيت قائد السيارة الأجرة المعتادة من هذا المشوار القصير، طلب جنيها زيادة وأضاف أن المرتبات والمعاشات زيدت وزادت!!

...

نكمل غدا بإذن الله.