الشيخ العيِّل

01 نوفمبر 2020
+ الخط -

أهل البلاد كلهم اهتزوا لمقتله المفاجئ، وشعروا أنهم فقدوا واحداً من أبنائهم. كان قد تحول في وقت قياسي إلى مفخرة لكل مواطن، وبات دليلاً للعالم كله أن هذا الشعب لن يفقد أبداً عبقريته وقدرته على اجتراح المعجزات.

لا أحد يذكر الآن من الذي أطلق عليه لقب "الطفل المعجزة"، ربما لأنه لم يكن يستحق لقباً غيره، ولم يكن غيره يستحق لقباً كهذا. 

معجزته ببساطة كانت أنه نطق قبل الأوان، قبل الأوان بكثير. ليس إلى درجة الكلام في المهد طبعاً، وإلا لكان الأمر قد أخذ أبعاداً أخرى ولتسبب في بلبلة دينية لا تحتاجها البلاد التي لا يهدأ فيها أوار الفتن الطائفية. على العكس تماماً، فقد فرح به الوعّاظ من الديانتين كثيراً، وعملوا به أحلى شغل، معتبرين أن كونه تكلم وعمره ستة أشهر فقط يشكل دليلاً حاسماً على قدرة الله التي لم يعد الناس يستحضرونها كثيراً.

عندما ظهر للمرة الأولى على الإطلاق في أشهر برامج التوك شو، وهو ينظر إلى كل ما تضعه المذيعة نصب عينيه ثم ينطق باسمه: "موزة.. قلم.. كتاب.. منديل..قميص..كوبّاية ميّة"، ظنه الكثيرون طفلاً "مقروضاً" مسخوطاً يخفي أهله عمره الحقيقي ويدَّعون أن نطقه بأسماء الأشياء معجزة، لكن فريق مُعِدّي البرنامج كانوا بارعين حقاً عندما عرضوا على الهواء مباشرة شهادة ميلاده بحضور مندوب من السجل المدني يشتهر بالورع والتقوى، واستقدموا أشهر طبيب أطفال في البلاد ليكشف عليه ويؤكد أنه يا دوبك تجاوز الستة أشهر، وأبوه انفعل وأخرج على الهواء مصحفاً من جيبه وحلف عليه "يا رب ما يوعى يخرج من الاستوديو معانا لو كنا بنكدب"، والمذيعة نهرته وقالت: "بعد الشر..يا أخي مصدقينك والله"، قبل أن تعتذر للمشاهدين لأنّ ضغط المكالمات على الهواء أدى إلى تعطل خطوط التليفون الخاصة بالبرنامج، ثم قرأت بتأثر "إيميلاً" من مشاهد لم يكن رجلاً بما فيه الكفاية لذكر اسمه على الإيميل الذي ادعى فيه أن البرنامج يمارس على المشاهدين خدعة بصرية دنيئة، وأن الطفل المعجزة ليس أكثر من دمية غالية الثمن تباع في أسواق أوروبا، والمذيعة اضطرت من فرط حماسها لأن تطلب من والدي الطفل أن يُخَلِّعاه بلبوصاً على الهواء، وجلس الملايين ينتظرون أن يقوم الطفل المعجزة بعمل "بيبي" على الهواء لتخرس الأفواه التي باتت من فرط يأسها تستكثر على هذه البلاد حتى المعجزات الطبيعية، وهو ما تأخر قليلاً، لكنه تحقق في نهاية المطاف؛ وكان للناس ما أرادوه من طمأنينة.

في خلال أيام معدودات تحولت العطفة الضيقة التي شهدت مولده من بقعة تعيسة الحظ عطنة الرائحة إلى أشهر منطقة في البلاد بأسرها

في ظرف أيام كان الطفل المعجزة قد تحول إلى هوس وطني، بيته صار مزاراً تقصده كل اللواتي تأخر خلفهن ليتباركن به، ويستحلف المرضى أباه أن يتركوه يضع يده على مواضع أمراضهم التي داخوا بها على الدكاترة، وفجأة لم يعد الناس يذكرون اسمه الذي سرعان ما تحول في وجدانهم الجمعي من "الطفل المعجزة" إلى "الشيخ العَيِّل"، وهو الاسم الذي سرى سريان النار في المخازن الحكومية قبل موسم الجرد، وكان سبباً في أن يفتح الله على والديه ببركة الهدايا والعطيات والهبات والنفحات من الطامعين والطامحين والمقهورين أو حتى المحبين لله في الله دون أن يطلبوا شيئاً سوى نَيْل البركة ولو من بعيد لبعيد، وفي خلال أيام معدودات تحولت العطفة الضيقة التي شهدت مولده من بقعة تعيسة الحظ عطنة الرائحة إلى أشهر منطقة في البلاد بأسرها، لا تنقطع عنها السيارات الفاخرة، لتمتد بركات الطفل الأسطوري إلى شباب الحتة العاطلين الذين تحولوا من تلقاء أنفسهم إلى مرشدين مدفوعي الأجر لعِلية القوم والمراسلين الأجانب ومذيعي الفضائيات ومن ثَمَّ لأفواج السياح الذين جاءوا على سيرته التي طبقت الآفاق.

وعندما جاءت الحكومة متأخرة كعادتها إلى العطفة ممثلة في محافظ العاصمة وأعضاء الحزب الحاكم عن الدائرة ولفيف من القيادات التنفيذية والشعبية، كان الشيخ العيِّل قد أتم شهره التاسع، وأبوه الذي لم يكن قد شاهد مسؤولاً حكومياً طيلة حياته وحياة الذين خلفوه، وطّى على أقدام القادمين يبوسها ويستحلفهم بالله ألا يأخذوا منه ابنه، بعد أن سرت شائعة فورية أن الحكومة قررت أن تؤمم ابنه وتستخدمه في زيادة موارد الدولة، والحرس المرافق للسادة الزائرين غُلُب لإقناع الأب أن ينتصب واقفاً حرصاً على مظهر البلاد أمام كاميرات المحطات الأجنبية، والأب لم يستجب إلا بعد أن أقسم له المحافظ بشرفه إنه جاء مُكلّفاً من حاكم البلاد لتهنئته واصطحاب ابنه في مساء اليوم نفسه إلى قصر الحاكم لكي يعلن عن صرف معاش استثنائي له سيستلمه الطفل بنفسه من جلالة الحاكم في احتفال ضخم سيذاع على الهواء مباشرة في كافة القنوات التي ستنضم إلى فترة إرسال موحد لنقل الأحداث، والأب الذي كان قد وقف يا دوبك على حيله، عاد من جديد ليوطّي على قدمَي المحافظ بائساً و"بايساً"، لأن من لا يشكر سيد الناس لا يشكر خالق الناس.

وبعد أن انفض الجمع الصاخب ليتركوا للأبوين تهيئة طفلهما للقاء التاريخي الذي سيحل بعد ساعات، حاول الأب أن يتلمّ على روحه ويدرك حجم ما ناله من السعد والوعد، في حين بدأت الأم تمارس طقوس الرقية الشرعية اليومية لابنها لعل الله يحفظه من عيون الجارات والخالات وكل بنات الحلال والحرام اللواتي لا تلتصق الصلاة على النبي بألسنتهن على الدوام، وفجأة أطلت صورة الحاكم في التلفاز الجديد الضخم الذي أكل نصف الصالة، ليأخذ الأب ابنه بفرحة تلقائية ويقرّبه إلى الشاشة لكي يدربه على نطق اسم سيادته، لكن الأب تجمد أمام الشاشة عندما هتف الشيخ العيل من تلقاء نفسه: "ظالم.. فاسد.. حرامي.. متخلف".

ظن الأب أن شيئاً ما أصاب ابنه وتداخل مع جهاز الإرسال الرباني الذي وضعه الله في مخه وأوصله بلسانه، فجرب إطفاء التلفزيون ثم تشغيله ثانية، لينطلق ابنه هاتفاً من جديد فور رؤيته لطلعة الحاكم "ظالم.. فاسد.. حرامي.. متخلف"، وما هي إلا دقائق حتى كان الأب يلطم بكل قوته على خدود الأم بعد أن جابت خدوده دماً من كثرة اللطم على حظه الأغبر الذي لا يملك له دفعاً ولا صرفاً، والذي سيسلبه بعد ساعات فلذة كبده ومصدر رزقه ونبع هَناه الذي كان يأمل أن يتدفق إلى الأبد.

في صباح اليوم التالي، وبينما كانت نشرات الأخبار تنقل مقاطع من خطاب حاكم البلاد الذي ألقاه مساء الأمس معلناً الحزن القومي على الرحيل القدري المفاجئ لطفل البلاد المعجزة الذي حبا الله به أرض الوطن، كان الشيخ العيل يجلس مختبئاً في جُرن بيت أقاربه في الجنوب الجواني وهو يردد بصوت جهوري يغطي على صوت حاكم البلاد: "ظالم.. فاسد.. حرامي.. متخلف".