الحركة النقابية بمناجم قفصة خلال فترة الاستعمار

عن كتاب "الحركة النقابية بمناجم قفصة خلال الفترة الاستعمارية"

22 يونيو 2022
+ الخط -

تحت عنوان "الحركة النقابية في مناجم قفصة خلال الفترة الاستعمارية"، صدر كتاب حفيظ الطبابي، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة منوبة، وقد أصدره المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية (المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر حاليا)، سنة 2005.

الكتاب من الحجم المتوسط، ويحتوي 378 صفحة. ولم يكن اختيارنا تقديم هذا الكتاب اعتباطيا، بل وقع الاختيار عليه لأهميته التوثيقية والتاريخية لأحداث جد هامة في تاريخ الحركة النقابية التونسية بشكل عام، وبمناجم قفصة في العهد الاستعماري بشكل خاص.

وهناك دوافع أخرى مثل مرور الذكرى 85 لأحداث المظيلة والمتلوي 4 و5 مارس/آذار 1937 حتى لا يتم نسيانها من الذاكرة الجماعية وترسيخها لدى جيل الناشئة الجديد ولكل الأجيال القادمة، باعتبار أن النشاط النقابي في تونس له جذور عميقة وامتدادات تاريخية انطلاقا من تجربة محمد علي الحامي في العشرينيات من القرن الماضي، وصولا إلى تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل على يد النقابي الشهيد فرحات حشاد في الأربعينيات.

ويكمن دور الأستاذ حفيظ الطبابي في حماية التاريخ النقابي بالبلاد التونسية بصفة عامة، وبجهة قفصة بصفة خاصة، حيث اشتغل على تاريخ الحركة النقابية بمنطقة قفصة من خلال الإعداد لشهادة التعمق في البحث بعنوان "الحركة النقابية بمناجم قفصة 1936 - 1956" تحت إشراف الأستاذ علي المحجوبي، ما سمح بإضفاء الطابع الأكاديمي على نضالات النقابيين بعديد المناطق المنجمية بجهة قفصة على وجه الخصوص.

ويبدو أن الأستاذ حفيظ الطبابي تطرق إلى دراسة الحركة النقابية بالبلاد التونسية كغيره من المؤرخين والباحثين التونسيين، مثل عبد السلام بن حميدة ومحمد لطفي الشايبي وغيرهما، متمسكا بأسس البحث العلمي والأكاديمي، فكان حريصا على مزيد البحث في التاريخ النقابي بجهة قفصة وغيرها من مناطق الجنوب التونسي اعتمادا على المصادر والوثائق الأرشيفية المختلفة (الأرشيف الوطني التونسي، أرشيف الحماية الفرنسية بتونس، أرشيف شركة فسفاط قفصة، الأرشيف الفرنسي ...).

ولئن بدا الأستاذ حفيظ الطبابي في كتاب "الحركة النقابية بمناجم قفصة خلال الفترة الاستعمارية 1936 - 1956" على مسافة كافية من الموضوع المدروس والتشبث التام بقواعد البحث التاريخي، ولكن الاشتغال حول هذه المسألة بالذات تحكمه دوافع لا تخلو من الذاتية في الذاتية المرتبطة بموطنه الأصلي مدينة قفصة، فهو من مواليد مدينة الرديف، إحدى المناطق المنجمية خلال الفترة الاستعمارية، غير أن هذا الأمر لم يمنعه من حسن التعامل مع الذاكرة الجماعية والتاريخ الوطني بعيدا عن كل توظيف أو تزييف من جوانب أخرى.

وبالعودة إلى الكتاب، نتبين أن الأستاذ حفيظ الطبابي أتى على جوانب عديدة من مراحل النضال العمالي والنقابي والتي جزأها إلى ثمانية فصول، حيث تطرق في الفصل الأول إلى الحديث عن موضوع مصادرة أراضي العروش وتأسيس الشركات المنجميّة ونشأة البروليتاريا المنجمية المتركبة من ثلاثة أصول: العمّال الأوروبيون، العمال المغاربة والعمال التونسيون، ثم تدرج إلى جنسيات مختلفة.

وأما الفصل الثاني من الكتاب، فقد خصصه للحديث عن أوضاع عمال مناجم قفصة قبل انبعاث الحركة العمالية المنظمة، أثر التصنيع في وسط ريفي، حراك اليد العاملة من بدو رحل إلى العمل المنجمي، الأجور، الأصناف المهنية، السكن وظروف الحياة، ثم بيّن في الفصل الموالي العلاقات بين مختلف المجموعات العمالية نحو تشكل وعي عمالي ومحاولة التنظيم النقابي في العشرينيات، مخالفات إضراب ربيع 1919 وإضراب 1920 وإجهاض أول محاولة للتنظيم النقابي، بذور الحركة النقابية الأولى محمد علي الحامي ومحاولة اقتحام مناجم جهة قفصة، تحول الحامي صحبة رفيقة محمد الخياري إلى صفاقس، ثم إلى جهة قفصة، وتحديدا المناجم يوم 15 ديسمبر/ كانون الأول 1924 والتحامه بعمال المناجم والسكك الحديدية، وأما الفصل الرابع فقد تطرق من خلاله الأستاذ حفيظ الطبابي إلى الحديث عن  تجربة بلقاسم القناوي في منعطف الثلاثينيات ودخول النقابات مناجم قفصة، مركزا على العمل النقابي والظرفية السياسية.

يبقى كتاب "الحركة النقابية بمناجم قفصة خلال الفترة الاستعمارية" للدكتور حفيظ الطبابي أحد أبرز الأعمال الأكاديمية والعلمية التي تطرقت إلى سرد تاريخ الحركة النقابية بجهة قفصة وأثرت بذلك الكتابات التاريخية الأخرى

ثم أسهب المؤلف من خلال الفصل الخامس من الكتاب في سرد أحداث مارس/ آذار 1937 وشرح المستجدات التي حصلت قبل وبعد أحداث 4 و5 مارس 1937 بالمتلوي والمظيلة وسقوط العديد من الشهداء والضحايا، دور جامعة عموم العملة التونسية والنشاط النقابي بمناجم جهة قفصة، النقابات المحلية والعلاقة بين الجامعة والحزب الدستوري الجديد، كما تطرق في الفصل السادس إلى الحديث عن الحركة النقابية بالمناجم أثناء الحرب العالمية (1939 - 1949)، ومركزا على أهم النضالات النقابية من ظهور النقابات المستقلة إلى تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل، الإضراب الشهير (1949)، الذي دام طيلة شهرين. وأما الفصل السابع قبل الأخير فقد تطرق فيه الدكتور حفيظ الطبابي إلى الحديث عن تطور الحركة النقابية بالمناجم بين 1946 و1956.

كما تحدث الكاتب في الفصل الأخير من الكتاب عن تنوع أشكال التضامن والتأطير من خلال الرابطة الدموية من خلال الحديث عن القبيلة والعرش، الطرق الصوفية، الإيديولوجيا النقابية، منتهيا بوزن المنظمات النقابية بالمراكز المنجمية، كما احتوى الكتاب على خاتمة عامة وقائمة المصادر والمراجع التي اعتمدها الكاتب وكذلك عددا من الملاحق التي ساهمت في إثراء المادة العلمية للكتاب.

وبمناسبة مرور الذكرى 85 لأحداث 4 و5 مارس 1937 سنولي اهتماما بالفصل الرابع من هذا الكتاب الذي تطرق من خلاله الأستاذ حفيظ الطبابي إلى سرد تفاصيل هذه الحادثة بكل دقة.

وبالعودة إلى الفصل الرابع نتبين أن الأستاذ حفيظ الطبابي ركز في هذا الفصل على ما يلي:

تداعيات أحداث مارس 1937: استهل المؤلف قبل الخوض في سرد تفاصيل أحداث 4 و5 مارس 1937 التي تمثلت على المستوى الداخلي بتدهور الظروف المعاشية للعمال التونسيين خاصة عمال مناجم قفصة نتيجة الارتفاع المشط في أسعار المواد الأساسية وضعف الأجور وكثرة ساعات العمل.

كما تطرق إلى الظرفية الخارجية التي تمثلت في صعود حكومة الجبهة الشعبية بفرنسا إلى السلطة، وهذه الحكومة لم تكن سياستها متصلبة في المستعمرات خاصة أثناء تعيينها مقيما عاما "أرمان قيون" عرف سياسة التحرر والاعتدال تجاه الحركة الوطنية.

وساهمت هذه الظرفية، كما أكد الكاتب، في تطور مطالب الحركة النقابية بمناجم قفصة التي تمكنت من الضغط على الأعراف وكانت مطالبها متمثلة في تخفيض ساعات العمل (40 ساعة في الأسبوع)، الراحة الأسبوعية، عطل خالصة الأجر، تنوير الأحياء العمالية، معالجة العمل وعائلاتهم، تحسين شروط السلامة والصحة وتحسين الظروف المادية والمعنوية للعمال. وواجهت الشركة مطالب العمال بعد التفاوض مع الوفد العمالي بالرفض القطعي. ولمواجهة موقف الشركة، توترت الأجواء في المراكز المنجمية بمنطقة قفصة ووقع تنظيم اجتماعات عامة بالمراكز المنجمية التي توجت في النهاية، حسب ما أكده الأستاذ حفيظ الطبابي، بإقرار إضراب عام مفتوح يوم 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 1937 الذي دام 14 يوما، ومثل ذلك انتصارا للحركة النقابية بمناجم قفصة في أول اختبار لها.

وحدة عمال مناجم جهة قفصة وتضامنهم تتجلى في أروع صورها: تطرق الأستاذ حفيظ الطبابي في الفصل الخامس من كتابه الحركة النقابية بمناجم قفصة إلى تفاصيل اندلاع الإضراب العام بمراكز الحوض المنجمي مبينا وحدة عمال المناجم وتضامنهم لمواجهة الشركة وقوات السلطة الاستعمارية من الجندرمة وقوات الأمن بقيادة الكولونيل مورو والكومندان نسيفات.

انطلق الإضراب، حسب ما أكده الأستاذ حفيظ الطبابي، يوم 2 مارس 1937 الساعة الثانية صباحا بالمناجم الأربعة بجهة قفصة. وكان إضرابا عاما شاملا نفذه العمال. وكان الاستيلاء على مخزن الأسلحة ذريعة استخدمتها السلطة الاستعمارية للقضاء على تحرك العمال وإفشاله.

وتجلت وحدة عمال مناجم قفصة وتآزرهم في أروع صورها خلال اندلاع أحداث المظيلة والمتلوي في بداية شهر مارس سنة 1937، حيث لم يقف تنوعهم الثقافي والإثني (توانسة، مغاربة، طرابلسية، ...)، أو إقامتهم في أحياء مستقلة بعضها عن بعض حاجزا بينهم للمطالبة بحقهم في الكرامة والمساواة مع العمال الأوروبيين.

وركز الطبابي في خاتمة الفصل الخامس من كتاب "الحركة النقابية بمناجم قفصة خلال الفترة الاستعمارية" على تقاطع الرؤى الإصلاحية والثورية والوطنية في سرد واقع النضال العمالي بمناجم قفصة خلال ملحمة 4 و5 مارس 1937 بالمظيلة والمتلوي.

ماذا بقي من أحداث المظيلة والمتلوي؟: الوقائع والمآثر.

لقد خط تاريخ الحركة العمالية منذ بداياته بدماء الشهداء. وكان سجل العمال حافلا بمآثرهم، وكذلك الشأن بالنسبة لعمال مناجم قفصة أولئك الذين تشكلت وحدتهم من خلال صيرورة زمنية، ثم وقع الارتقاء عبرها بالمجموعات العمالية من واقع التشرذم إلى واقع الوحدة المهنية والقطاعية، وهي وحدة تشكلت خلال الاجتماعات العامة أثناء صياغة المطالب وتعززت عند خوض الإضرابات، أبرزها إضراب مارس 1937 بمناجم جهة قفصة.

ويبقى كتاب "الحركة النقابية بمناجم قفصة خلال الفترة الاستعمارية" للدكتور حفيظ الطبابي أحد أبرز الأعمال الأكاديمية والعلمية التي تطرقت إلى سرد تاريخ الحركة النقابية بجهة قفصة، وأثرت بذلك الكتابات التاريخية الأخرى التي أنجزها الكثير من المؤرخين التونسيين، مثل عبد السلام بن حميدة ومحمد لطفي الشايبي وغيرهما.