إن سألوك عن مصر

إن سألوك عن مصر

02 اغسطس 2021
+ الخط -

أما بعد: فإن سألوك عن مصر وكيف بات حالها بين الأمم في زمانها، فقل لهم: هي ولا حول ولا قوة إلا بالله، البلاد التي يذهب فيها رئيسها لافتتاح معبر يسهل المرور فيغلقون من أجله المرور وتضيق من زيارته الصدور ويُضرب بينه وبين الناس حجاب لدواعي الأمن، فلا يعرف كيف يعيشون، ولا مم يشكون، ويعود إلى قصره سعيدا بما رآه، ويعود الناس إلى بيوتهم كارهين ساخطين.

إن سألوك عن مصر فقل لهم: هي البلاد التي يجمع فيها رئيسها من حوله وزراءه وكبراءه ليسألهم عما يشغل الناس، فيقفون أمامه منحنين متقافزين، لا يقولون له إلا ما يحب أن يسمعه، لا ما يجب أن يسمعه، يسأل حاكمها وزراءه عن القمح، فيترقب سؤاله أبناء شعبه الذين يقلقهم ما يقرؤونه ويسمعونه عن أزمة القمح العالمية التي كشفت لهم كيف أصبح أمنهم في خطر محدق، فلا يجدون أمامهم وزير الزراعة لكي يسمعوا ويسمع حاكمهم منه الجواب، بل يتولى الإجابة بدلا منه وزير فشل في توصيل المياه إلى البيوت وتوفير المساكن للشباب، وبات لدى الناس موضع تساؤل بعد أن أوقف رئيس البلاد بيع جزيرة في قلب النيل لشركة تابعة له، فهللت أبواق النظام لما قام به الرئيس، وظن الناس من فرط ما سمعوه من تهليل وتزمير، أنها بداية حميدة لفتح ملفات الأراضي التي بيعت في عهد هذا الوزير، ونهاية طال انتظارها للتزاوج المقيت بين السلطة ورأس المال، ثم إذا بهم يرون ذلك الوزير يقف أمام حاكمهم معززا مكرما، يفتي في كل الأمور، ويهرف بما لا يعرف، بل ويمتلك الجرأة لأن يقول لحاكم البلاد " ما نقدرش نزرع القمح يا افندم لإن ربنا إدانا ميزة نسبية إننا نزرع حاجات تانية بداله، فحرام نفقد الميزة التي إداها لنا ربنا عشان نزرع القمح"، فيهز الحاكم رأسه موافقا، دون أن يقول له وهو يمتلك الحق في أن يقول ما يشاء "صه يا هذا، بأي حق تتحدث في ملف ليس من اختصاصك، ولماذا تدخل رب العزة في شأن كهذا ونحن دولة تدعي أنها تحارب الذين يقحمون الدين في شئون السياسة، ولماذا أصبح الناس في عهدك يشكون من البنية الأساسية التي أفاخر بها، ولماذا أصلا أسمح لك بالتحدث في ملف ليس لك به شأن؟".

أما وإن سألوك: أما من فرج قريب لمصر، فقل لهم: فرجها لا يصنعه إلا أهلها، وفجرها الذي ظنه الناس مستحيلا من كثر ما رأوه من فُجر، قادم إن أراد أهلها إليه سبيلا

إن سألوك عن مصر فقل لهم هي البلاد التي يرضى حكامها عنها دائما وأبدا، دون أن يواجهوا أنفسهم بأي تقصير أو يقروا بأي خطأ، ويرفعون على الدوام شعار كله تمام، وإن فرح الناس بأن لدى حكامها رغبة في التساؤل عن أمر من أمورها يقض مضاجعهم، لا تدوم فرحتهم دقائق، قبل أن يروا حكامها مقتنعين بأن عيبها في ناسها، إذا شحّ القمح فليست المشكلة أن الدولة فشلت في زراعته وتأمينه ولو حتى من خلال التعاون مع بلاد شقيقة وصديقة قابلة لزراعته، بل المشكلة أن الناس يتكاثرون ويتناسلون ويتوالدون، كأنه لا يتكاثر شعب في الدنيا غيرهم. وإذا انقطعت الكهرباء في عز الصيف الجهنمي فما ذاك إلا لأن بينهم من رفض أن يعيش عيشة أهله، وقرر أن يشتري تكييفا بالتقسيط الذي لا يعلم كيف سيسدده، دون أن يتحدث أحد عن القصور والسرايات والبنايات التي يعيش أهلها في التكييف المركزي دون ضابط ولا رابط.

إن سألوك عن مصر فقل لهم هي البلاد التي تفتتح الدولة فيها مرفقا ثقافيا عظيما مثل متحف الفن الإسلامي، يندر أن تجد له مثيلا في العالم، حتى أنك من فرحتك به تفحم أسئلة تثور في صدرك عن سر افتتاحه متأخرا بعد كل هذه السنين، لكن فرحتك تلك تموت عندما تدرك أن حكام البلاد أفسدوا حياة الناس خارج المتحف، وجعلوهم يسيرون كالثيران في السواقي من أجل أن ينقضي يومهم على خير، فصارت زيارة المتاحف فقط للناس الرايقة الفاضية، والناس الرايقة الفاضية يجدون غيتهم في ملاعب الجولف لا في متاحف الفنون، لذلك ربما كان حاكم البلاد وحاشيته هم أول وآخر المستمتعين بذلك المتحف نادر المثال.

إن سألوك عن مصر فقل لهم هي البلاد التي لازال حكامها وإعلامها الرسمي يعتقد أن افتتاح رئيسها لكوبري جديد أو مرفق متميز، أمر يستحق أن تلهج الألسنة له بالثناء، ويشعر الناس بالامتنان والفخر، دون أن يدركوا أن افتتاح ذلك المرفق لم يكن أصلا بحاجة إلى زيارة رئيس البلاد، وإنما لزيارة رئيس الحي الذي يقع فيه المرفق، وأن الناس سيكونون سعداء حقا لو شهدوا رئيس البلاد يفتتح مرفقا علميا رفيعا طال تعثره، أو يدشن مفاعلا نوويا يرون رئيسهم يسأل عنه كأنه لازال يشك في جدواه، أو يعلن مشروعا قوميا لإصلاح التعليم الذي بات سر تخلف بلادهم، أو يعلن استجابته لأحلامهم في إصلاح دستوري حقيقي يختم به مشواره، ويكفر به عن سيئات حكمه، وينهي حكم مصر بهذه الطريقة العتيقة البالية التي لا تستحق أن تحكم بها أبدا.

أما وإن سألوك: أما من فرج قريب لمصر، فقل لهم: فرجها لا يصنعه إلا أهلها، وفجرها الذي ظنه الناس مستحيلا من كثر ما رأوه من فُجر، قادم إن أراد أهلها إليه سبيلا، وإن استبدلوا اليأس بالأمل، والسخط بالمقاومة، وإن آمنوا أن انتظار البلاء هو السبيل إلى وقوعه، وأن الذي لا تعرفه هو دائما خير من الذي عرفته وجبت آخره، وأن العمر واحد والرب واحد، وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

وإن سألوك: ألا تنتهي هذه المقالة أبدا، فقل لهم سلام عليكم، آديها انتهت.

....

نشرت هذه السطور في صحيفة (المصري اليوم) بتاريخ 17 أغسطس 2010، ولم يتغير شيء منذ وقت كتابتها سوى أنها أصبحت غير قابلة للنشر في أي صحيفة في مصر اليوم.