أنا والكلابش وحرامي الأنبوبة (5/5)

21 يناير 2021
+ الخط -

(9)

خدمني محمود العتّال من حيث لا يدري، حين انزوى وتعامل معي بوصفي "جَرَبَة"، لأن الانفعالات التي أثارها موقفه بداخلي، استبدت بي واعتملت في صدري، فلم أجد سبيلاً لتنفيسها سوى أن أرفع فجأة عقيرتي بالغناء:  
"يا امّه مويل الهوى يا امّه مويليّا
طعن الخناجر ولا حكم الخسيس فيّا
سألت شيخ الطريقة دوا الجراح اللي بيّا
نظر لي نظرة محبة وقال دوايا في إيدّيا"

زاد ارتباك محمود العتّال حين وجدني أدخل في الغناء من مقامٍ عالٍ ودون أدنى تمهيد، فزاد نأيه عني، حتى صار معظم جسده خارج الدكة التي نجلس عليها، ولولا زنقته معي في الكلابش لكان قد أخذ ذيله في أسنانه وجرى مبتعداً عني، كما جرى عبد الله البطريق من قبله.

قد يبدو لك الآن اختيار هذه الأغنية صائباً ومناسباً لمقتضى الحال الذي كنت عليه، لكنني في الواقع لم اخترها بعد طول أو قُصر تفكير، بل وجدت نفسي فجأة أغنيها بانفعال شديد، ربما لأنني كنت حديث التشبع بها، فقد داومت قبل التحقيق بأسابيع على حضور بروفات مسرحية (الملك هو الملك) للكاتب سعد الله ونوس والمخرج مراد منير، والتي كان سيعيد الفنان صلاح السعدني ـ أستاذي وصديقي وأبي الذي لم تلده ستّي ـ تقديمها على مسرح قصر النيل لأيام قبل تصويرها تلفزيونياً، حيث فاتت فرصة تصويرها حين تم تقديمها في الثمانينات لأول مرة، وقد كان أكثر ما يبهرني في ذلك العمل البديع أداء الممثلين المتوهج والأغاني التي كتبها للمسرحية عمنا أحمد فؤاد نجم ولحنها المبدع السكندري المظلوم حمدي رؤوف وغناها محمد منير بعظمة جعلتني لا أستسيغ غناء الشيخ إمام وتلحينه لنفس الكلمات، وهو رأي كان يغضب مني دراويش الشيخ إمام، مع أنه لم يغضب مني نجم الذي كان الزمان قد أنعم علي بصداقته حين بدأ الكتابة معنا في (الدستور) قبل ذلك التحقيق اللعين بعامين.

وضعت في تلك الكلمات البديعة وذلك اللحن الجميل كل همي وحزني وقرفي، وقررت زيادة في التنفيس عن كربي أن أتقمص طريقة منير في غنائها، فبدا ما أفعله جنوناً مطبقاً لكل من حولي، ولو كنت تشاركهم رأيهم الآن، أظنك ستغيره حين تعرف أن تلك الهبّة الغنائية المفاجئة كانت سبباً في إنقاذي مما أنا مقبل عليه من بهدلة، أو ربما أنني أقنعت نفسي بذلك لكي أحييها على اختيار ذلك الشكل اللاسع من الانفجار، مع أنني في الحقيقة لم أكن أملك وسيلة أخرى لفشّ غلّي وحزني قبل أن يطبق على نَفَسي.

يعني ما الذي كان بوسعي أن أفعله وقتها؟ هل كان ينبغي أن أقف على الدكة وأصرخ مطالباً وسائل الإعلام المحلية والدولية ومنظمات حقوق الإنسان بالتضامن معي ورفع الظلم عني، لأنني لا أستحق أن أعامل بقسوة ومهانة، لمجرد أنني قمت بعرض كتاب يطرح أسئلة مشروعة عن الملابسات التي ارتبطت بمقتل شخصية عسكرية رفيعة كانت على خلاف مع رئيس الدولة قبل أكثر من عشرين عاماً؟ هل كان يجب أن أُسلِم نفسي لغليانها وغضبها حتى أطقّ وأطبّ ساكتاً فأجبر رئيس النيابة على إسعافي إلى المستشفى؟ أم كان يجب أن أقترب من محمود العتّال وأحرضه على التفكير معي في طريقة نهرب بها من المبنى لنهيم على وجهينا في شوارع القاهرة ونؤسس تشكيلاً عصابياً مسلحاً يليق بوضعنا كهاربين من وجه العدالة؟ لو كان محمود لصاً عتيداً لحرضته على استخدام مهارته في فك الكلابش، ليتاح لنا أن نستغل غفلة أمين الشرطة عنا ونهرب؟ لكن محمود كان أكثر خيبة وارتباكاً مني.

حاول رئيس النيابة أن يرمي لي طُعماً، أقوم من خلاله بإعلان عدم مسئوليتي الكاملة عن ما نشر في التحقيق الصحفي، وأطلب محاسبتي فقط على ما جاء في الجزء الذي احتوى عرضاً لكتاب محمود فوزي

لا والله، الكذب خيبة، كان لدى محمود العتّال تصور لمستقبله أكثر تماسكاً مني، فقد أقسم بالله العظيم ثلاثة لو أخرجه الله من أزمته بأعجوبة، أو ابتلاه بكذا شهر في السجن، أنه سيعود إلى بني سويف ثانية ولن يغادرها حتى يلقى الله، أما أنا فلم أكن أعرف ما الذي كان سيحدث لي لو قرر رئيس النيابة حبسي على ذمة التحقيق أو إحالتي إلى النيابة العسكرية، وهل سيكون في انتظاري بعدها قضايا وبلاغات أخرى، ستظهر فجأة من أدراج الأجهزة الأمنية لي ولزملائي؟

وما الذي سيحدث حينها لفرص العمل التي جاءتني وكان يفترض بها أن تحل أزمة وجودي تحت سقف وبين أربع حيطان؟ وهل سأجد من يعبّرني أو يبكي على حالي لو تم سجني عاماً أو عامين أو ثلاثة؟ خاصة أن أغلب الصحف والمجلات التي كانت تعجّ بالكارهين لنجاح تجربتنا في (الدستور) قد تواطأت مع الحكومة، ولم تقم بالتضامن معنا كما كان ينبغي أو كما كنا نتصور؟ هذا إذا افترضنا جدلاً أن تضامنها معنا كان سيفرق ببصلة مع رئيس النيابة المتعجرف الذي لا أدري هل حظي باقي زملائي بمثله أم أنه كان من حظي أنا ونصيبي؟

أسئلة كثيرة مربكة ومقبضة، أنقذني منها قرار رفع الصوت بالغناء، لنتضح لي وجاهة اقتراح محمد منير وكوثر مصطفى وكمال الطويل الذي يدعوك في لحظات الأسى والحزن إلى أن "تعلّي صوتك بالغنا"، مع أنني لم أكن من محبي تلك الأغنية ولا الفيلم الذي عرضت فيه، صحيح أن رأيي كان سيتغير لو استفز غنائي رئيس النيابة فقرر حبسي فوراً بتهمة إهانة عضو هيئة قضائية، وهي تهمة لم يكن سيجد مشكلة في إقناع أمين الشرطة أو سكرتير النيابة في الشهادة لإثباتها، إما بالقول إنني كنت أشير إليه بإصبعي الوسطى وأنا أغني "طعن الخناجر ولا حكم الخسيس فيا"، أو لأنني سخنت وأنا أغني وقررت أن أبطحه بروسيّة أو أصوّب نحوه شلّوتاً أو بونيّة، كان يمكن للتفكير في احتمال كهذا أن يوقفني عن الغناء، لكنني كنت قد انفصلت تماماً عن كل ما حولي وانطلقت في الغناء: 
"يا مصر وانتي الحبيبة
وانتي اغترابي وشقايا 
وانتي الجراح الرهيبة
وانتي اللي عندك دوايا
علمني حبك حقيقة
سهلة وبسيطة وعفيّة 
شرط المحبة الجسارة
شرع القلوب الوفيّة".

حين أنهيت أول وصلة وأخذت التقاط أنفاسي وأدير النظر حولي، وجدت رئيس النيابة على رأس الذين وقفوا للفرجة عليّ من مواقع مختلفة، وقد كان بعضهم مذهولين مما يرونه ويسمعونه، وبعضهم مشفقين على الجدع الذي لَسَع وهِربِت منّه، وبعضهم مترقبين لما يمكن أن يحدث لي، وأذكر أنني لم ألحظ بين الوجوه المتطلعة وجوهاً ساخرة، ربما بفعل وقع المفاجأة، أو ربما لأن حرقتي في الغناء أعجبتهم، وهو ما شجعني على معاودة الغناء وأنا أنظر هذه المرة في وجه رئيس النيابة ربما لأؤكد له أنني مستبيَع وجئت بآخري، ولم يعد يهمني ما الذي سيفعله بي، قبل أن آخذ بالي أن ما ارتسم على وجهه لم يكن نظرات ذهول أو ترقب أو وعيد، بل نظرات إشفاق لم أفهمها أو أتأكد منها، إلا بعد قليل حين انسحب هو عائداً إلى مكتبه، وجاءني أمين الشرطة ليقوم بفك الكلابش من يدي، فأكتشف أن محمود العتال كان قد تم تقييده من قبل إلى حديد الشباك بشكل لم يكن يسمح له بالجلوس، وأنه ارتاح بعض الشيء حين تم تقييده معي وأتيح له أن يجلس على الدكة، ليصوب نحوي وأنا أسير مع أمين الشرطة إلى مكتب رئيس النيابة نظرات امتزج فيها الشعور بالحنق لأنني كنت سبباً في إعادته للبهدلة، والشعور بالارتياح لأنه سيتخلص من صحبتي المزعجة.

(10)

لماذا تغيرت معاملة رئيس النيابة لي في المرة الثانية؟ ولماذا تبدلت فظاظته إلى حياد لم أكن أتمنى أكثر منه؟ حتى الآن، لا أدري. هل أفزعه انطلاقي المفاجئ في الغناء فتصور أنني مقبل على المزيد من اللسعان الذي سيجلب له فضيحة لا يحتاج إليها؟

لكن ما الذي يخيفه في ذلك إذا كان قد تعمد منذ البداية معاملتي بشكل غير قانوني وغير إنساني؟ ألا يفترض أن يكون في ذلك مدعاة لانبساطه لأنه سيرضي رؤساءه عنه؟ ربما لو كنا في زمن الموبايلات أم كاميرات لكان قد صوّر وصلتي الغنائية وأرسلها إلى من يهمه الأمر تأكيداً على تنكيله بي؟

في الدقائق التي ذهب فيها سكرتير النيابة إلى الحمام، ساد المكتب صمت ثقيل وحذر، غالبت رغبتي الطفولية في قطعه بقول أي شيء يذيب جبال الجليد التي تفصلني عن رئيس النيابة

هل ارتبك حين اعتبر ما قمت به فعل مقاومة يمكن أن يتطور بشكل ما فيسبب له صداعاً هو في غنى عنه؟ لكن ما الذي كان بوسعي أن أفعله غير أن أرفع عقيرتي بالغناء، خاصة أن رفعها بالسباب واللعنات سيعقد موقفي القانوني وهو ما سيسعده أكثر؟

هل قرر تغيير طريقته في التعامل معي لأنه كان متعاطفاً معي منذ البداية ورافضاً لما تلقاه من تعليمات، لكنه لم يكن يملك رفضها، لكنه حين استمع إلى كلمات أحمد فؤاد نجم، أيقظت "مؤمن آل فرعون" الذي بداخله، فقرر أن يفك قيودي ويحسن إليّ بما يستطيع قانوناً؟

هل صادف أنه اتصل بأحد أقاربه أو معارفه وحكى له ما قام به على سبيل التفاخر أو الإخبار، فلامه وعاتبه ذلك القريب الطيب الذي ربما تصادف أنه كان قارئاً يحب ما أكتبه، أو ربما سبق له أن قام بمراسلتي لأنشر له رسالته في صفحة البريد التي كنت أحررها؟

هل كان ما قام به من الأصل اجتهاداً شخصياً وراءه قرفه مني ومن عبد الله البطريق ودخلتنا الغلط عليه في المكتب؟ ولذلك قرر أن "يفوق عليّ"، وحين فاق وراقت دماغه قرر إنجاز التحقيق معي ليستأنف مهام يومه؟ ولماذا لا يكون قد تذكر بعد أن سكت عنه الغضب أنني قادم من طرف الدكتور إبراهيم علي صالح الذي ستجمعه به أروقة النيابات يوماً ما، والذي سيزعل منه حين يبلغه بما فعله بموكل يخصه ومحامٍ قادم من مكتبه، حتى لو كان فيهما العِبَر، لم يكن يصح أن يعاملهما بذلك الشكل المهين؟ ومن يدري ربما كان الدكتور إبراهيم قد استفزه ما عرفه من عبد الله البطريق فقرر أن يتصل برؤساء رئيس النيابة محتجاً على ما جرى وواعداً بالتصعيد؟ مؤجلاً تصفية حساباته معي إلى فرصة أخرى، حين تجمعنا صحيفة جديدة، سيكون من حقه أن يرمح بقلمه في صفحاتها كما يشاء؟

هل حدث تطور ما خلال سير إحدى القضايا التي كانت تُنظر في نفس الوقت، كتلك القضية التي كان يتم التحقيق فيها مع إبراهيم عيسى، أو تلك القضية التي كان يتم التحقيق فيها مع جمال فهمي مدير التحرير، فدفع مسئولاً ما إلى الاعتقاد بأن ذلك التصعيد لن يكون في مصلحة الدولة التي تعود مسئولوها على التشدق بعبارة "لم يُقصف في عهد مبارك قلم ولم تُغلق صحيفة"، وإذا كانت الدولة يمكن أن تبرر للصحافة الأجنبية ولمنظمات حقوق الإنسان والجهات المانحة أن إغلاقها للصحيفة كان وراءه مخالفتها الإدارية لقوانين الرقابة، فكيف ستبرر لهم ذلك التنكيل القضائي الذي وصل إلى حد كلبشة صحفي وصاحب رأي مع حرامي أنبوبة، بغض النظر أن الأخير لم يكن أصلاً حرامي أنابيب؟

لم يكن من المناسب أن أستغرق في التفكير في تلك الأسئلة الأقل جدوى، وأترك التركيز في الأسئلة المرتبطة بصلب القضية والتي انهال بها علي رئيس النيابة بملامح جادة وأداء هادئ، والتي لم أكن سأبرع في الإجابة عليها لولا "الكورس" المكثف السابق الذي كنت قد حصلت عليه من قبل خلال التحقيق معي في نيابة أمن الدولة العليا، حيث تقمصت روح وكيل النيابة الذي كان يسأل ويجيب على نفسه، وابتعدت عن كل ما له علاقة بالعنترية والبطولة من قريب أو من بعيد، وتحدثت بواقعية وانضباط عن انتفاء أي مسئولية جنائية عني وعن زميلي سمير عمر وعن إدارة تحرير الصحيفة، فلو كان ما كتبناه مخالفاً للقانون، لما سمحت به الرقابة على المطبوعات التي تُعرض عليها صحيفتنا كل أسبوع، ولا يمكن أن تجد طريقها إلى المطبعة لولا حصولها على ترخيص من الرقابة تصدره بعد قراءة كل ما ينشر بها، وهو ما أربك رئيس النيابة الذي لم يكن يتوقع إجابة كهذه، خصوصاً حين طالبت بضم رئيس الرقابة والمسئولين فيها إلى القضية للإدلاء بشهادتهم فيها، مقرراً أن أذهب إلى أبعد مدى في هذا المجال وأضحي بالرقيب المولع بالنيفة لو لزم الأمر، لأن علاقاته مع رابطة آكلي النيفة من أمثاله قد تنجيه لكن صمتي لن ينجيني.

حاول رئيس النيابة أن يرمي لي طُعماً، أقوم من خلاله بإعلان عدم مسئوليتي الكاملة عن ما نشر في التحقيق الصحفي، وأطلب محاسبتي فقط على ما جاء في الجزء الذي احتوى عرضاً لكتاب محمود فوزي، وأقول إنني لم أطلع على ما جاء في النصف الأول من التحقيق، لكنني استفدت من النصيحة الوحيدة التي عليها القيمة والتي تلقيتها من الدكتور إبراهيم علي صالح، حين قال لي إن ذلك لن يكون في صالحي في المدى البعيد، لأن النيابة ستستخدم أقوالي فيما بعد لتحريض زميلي على القول بإنه ليس مسئولاً عن كل ما جاء في التحقيق، لأنني أنا الذي قمت بصياغته، بوصفي سكرتير تحرير الصحيفة والمسئول عن الديسك أو إعادة الصياغة، وهو ما سيورطني أكثر.

 لذلك كان علي أن أعلن بهدوء مسئوليتي التضامنية عن كل ما جاء في التحقيق الصحفي، وأؤكد على عدم مخالفته للقانون، وأضيف تذكيراً بأن من قام بتقديم البلاغ لا يمتلك صفة تجعله أهلاً لذلك، فهو ليس من أقارب الرئيس السابق أنور السادات الذي لم يتهمه التحقيق أصلاً بقتل المشير أحمد بدوي، بل طرح أسئلة عن ملابسات ما حدث ودعا الجهات المختصة لتقديم إجابات عنها، وهو نفس ما قام به الكاتب محمود فوزي في كتابه الذي لم تعترض وزارة الدفاع عليه رسمياً ولم تطلب سحبه من الأسواق كما حدث لكتب أخرى تجاوزت الخطوط الحمراء وقدمت معلومات مغلوطة تضر بالأمن القومي، مؤكداً على ضرورة استدعاء الكاتب محمود فوزي للشهادة في القضية، وخاتماً حديثي بإعلان الثقة في نزاهة القضاء المصري وشموخه وتاريخه المشرف في مساندة حرية الصحافة، مستعيناً ببعض ما درسته في مادة (التشريعات الصحفية) التي درّسنا فيها الدكتور عمر سالم بعضاً من أحكام محكمة النقض في هذا المجال وقد كانت كلها أحكاماً مشرّفة حقاً وصدقاً.

استقبل رئيس النيابة كل ما قلته بهدوء ودون تحفز، بل وبدا لي بعد قليل أن أسئلته تقوم بتأكيد و "بروَزة" ما سبق أن قلته عن دور الرقابة على المطبوعات، سائلاً عن تفاصيل اطلاعها على الصحيفة، وعن خصوصية الصحف التي تصدر بترخيص من قبرص واختلافها عن الصحف التي تمتلك ترخيصاً مصرياً، فأدركت أنه يساعد على تأمين المخرج الذي قررت أن أسلكه، وتضاعفت رغبتي في فهم ما دفعه إلى ذلك التغيير الجميل والمريب، لكنني خفت من أن تقع تساؤلاتي في نطاق كفر النعمة، أو أن تكون قراءة خاطئة للأحداث تتعامى عن خازوق قادم، لذلك قررت إغلاق باب التساؤلات بالضبّة والمفتاح، وشحذ كل حواسي لتكون جاهزة لأسئلة رئيس النيابة، خاصة أنه بعد أن انتهى من الأسئلة العامة، أخذ يناقشني في كل جوانب التحقيق باستفاضة أرهقتني عصبياً وأرهقت سكرتير النيابة بدنياً، ليضطر لطلب دخول الحمام لعله يحصل بذلك على راحة من عناء ملاحقة أسئلة رئيسه وإجاباتي.

في الدقائق التي ذهب فيها سكرتير النيابة إلى الحمام، ساد المكتب صمت ثقيل وحذر، غالبت رغبتي الطفولية في قطعه بقول أي شيء يذيب جبال الجليد التي تفصلني عن رئيس النيابة، والتي كان سمكها يزيد كلما أطلق الرجل زفرة حادة أو خبط على سطح المكتب بعصبية، لأكتفي بالنظر إلى بلاط المكتب القميء، هارباً إلى نقوشه الرديئة من أفكاري ومخاوفي، ومستعيذاً بالله من الشيطان الذي كان يوسوس لي بالانطلاق في نوبة جديدة من الغناء، لعلها تساهم في تحسين حالتي أكثر، كما فعلت النوبة السابقة التي لا أدري لماذا كان شيطاني متأكداً من مسئوليتها عما جرى من تغيير مدهش في تعامل رئيس النيابة معي، وهو تغيير بدت ملامحه أكثر حين عاد سكرتير النيابة من فك زنقته، وواصل كتابة إجاباتي على تساؤلات رئيس النيابة التي لم تتطرق برغم استفاضتها وتشعبها إلى أسباب عملي بالصحافة برغم عدم حصولي على عضوية نقابة الصحفيين، وهو ما يمكن أن يعتبره لو أراد انتحالاً مني لمهنة الصحافة يستوجب المساءلة والإدانة.

منعني إيماني بالحكمة الشعبية الراسخة التي تدعونا إلى التريث قبل الفرحة "ما تزغردوش إلا لما تتنصفوا"، إلى إخماد شرارات التفاؤل التي بعثتها طريقة إدارة رئيس النيابة للتحقيق، مؤجلاً أي تقييم إيجابي للموقف حتى سمعت تلك العبارة الساحرة المبهجة التي تؤمر بإخلاء المتهم الذي هو أنا من سراي النيابة دون أن يقترن ذلك بأي من البعابيص القانونية كالكفالة الباهظة وما شابهها، وهو ما جاهدت نفسي لكي أتعامل معه بهدوء وانضباط، مع أنه كان يستدعي وصلة جديدة من الغناء المصحوب بالرقص، لأقف في ثبات حسدت نفسي عليه، وأمد يدي إلى رئيس النيابة مصافحاً دون أن أنطق بكلمة، باخلاً على سكرتير النيابة بمصافحة مثيلة، وخارجاً من المكتب وأنا أغالب الإحساس بدوار مبعثه الخوف من سماع صيحة تباغتني من الخلف قائلة: "استنى عندك.. كلبشوه تاني".

(11)

 حين خرجت إلى الطرقة المواجهة لمكتب رئيس النيابة لم أر أثراً لمحمود العتال، ولم يطاوعني ضميري على الرحيل قبل أن أسأل عن مصيره، متمنياً ألا أسمع عنه خبراً سيئاً، فبشّرني أمين الشرطة بأن الحظ الحسن لم يكن من نصيبي وحدي، بل عمّ بحمد الله رفيقي في الكلابش، الذي قرر وكيل نيابة السيدة زينب الإفراج عنه من سراي النيابة، بعد أن رقّ لحاله بتاع الأنابيب، فقرر سحب البلاغ الذي كان قد قدمه فيه، وهو ما جعل وكيل النيابة يتعامل مع اتهامات البلطجة وحمل السلاح الأبيض بوصفها مبالغات لا تستحق الاستمرار في سجنه، خاصة أن محمود كان قد انهار بعد قليل من دخوله إلى التحقيق، ليتضح أنه لم يأكل لقمة من امبارح، فطلب له وكيل النيابة ابن الحلال سندوتشات وشاياً بالحليب، واستمع إلى قصته بتأثر وتعاطف، وقرر الإفراج الفوري عنه، ولا أدري هل أثرت تلك المعاملة الإنسانية التي لم يكن يحلم بها على قراره بالرجوع إلى بني سويف، أم أنه أخذها جرياً من مجمع المحاكم إلى محطة الجيزة، ليترك القاهرة بلا رجعة.

للحظات، راودني خاطر أن أطلب من أمين الشرطة السماح لي بالدخول إلى مكتب وكيل النيابة لشكره على ما قام به، وسؤاله عن عنوان محمود العتال المثبت في أوراق القضية، لعلي أقرر ذات يوم زيارته والاطمئنان عليه، وأمحو ما استقر في ذهنه عن جنوني وخطورتي، ويبدو أن أمين الشرطة بخبرته العريضة قرأ ذلك الخاطر على وجهي، فبادر بالتربيت على كتفي وهو يطلب مني سرعة مغادرة المكان قبل أن يرجع رئيس النيابة في كلامه، قائلاً لي إنها المرة الأولى التي شاهده يضع فيها الكلابش لـ "حد بتاع سياسة"، فصححت له قائلاً إنني "بتاع صحافة مش سياسة"، فنظر إلي مستغرباً ولم يجد ما يرد به غير هزة من رأسه تأخذني على قد عقلي، أعقبها بمد يده مشيراً إلى حيث كان يقف عبد الله البطريق مترقباً وعلى وجهه ضحكة انتصار عريضة، ويقول لي: "طيب يالله اتكل على الله وخد في طريقك صبي المحامي اللي جاب لك الفقر".

حين وصلت إلى حيث يكمن عبد الله البطريق رمى الرجل نفسه في حضني منهالاً علي بالتبريكات والتهاني، معبراً عن قلقه لأن التحقيق طال أكثر من اللازم، ومع ذلك فقد ظل لابداً في موقعه يراقب الأحداث، وعازماً على أن يبلغ الدكتور إبراهيم بأي تطورات سلبية لا سمح الله، فشكرته على صبره ووقته الثمين، وطلبت منه أن يبلغ الدكتور إبراهيم تحياتي، مع أنني لم أكن متأكداً من وجود أي دور له في التغيير الذي حدث لرئيس النيابة، ولذلك رفضت بتهذيب طلب عبد الله البطريق بأن أذهب معه إلى أقرب كشك سجائر لنتصل بالدكتور إبراهيم ونبلغه بما حدث، وقلت له إن طاقتي تكفي بالكاد للمرواح، وأنني سأذهب إليه بنفسي في يوم تالٍ لأشكره على تلطفه بإرسال أنبغ مساعديه لحضور التحقيقات معي، فتعامل عبد الله البطريق مع ما قلته بجدية، وعاد لاحتضاني وتهنئتي، ثم أخذ يثب على الدرج مسرعاً لتبشير رئيسه بنتيجة التحقيق، ولا أستبعد أن يكون قد حدثه عن دفاعه البليغ والشجاع عني بشكل جعل رئيس النيابة يغير رأيه ويقرر الإفراج عني من سراي النيابة دون كفالة ولا دياولو.

ذهبت بعدها إلى النيابات والمحاكم في قضايا نشر متفرقة، دون أن يوضع الكلابش في يدي، لكنني كنت في كل مرة أدخل فيها إلى سراي نيابة أو أروقة محكمة، وبرغم تغير طريقة المعاملة وتحسنها، أتذكر محمود العتال والكلابش الذي جمعنا بعض الوقت، وأتساءل عما فعله الزمان به، وأندم لأنني لم أحرص على معرفة عنوانه، ومع أنني كنت في كل مرة أفكر في رفع عقيرتي بالغناء، ولو من باب التجريب واختبار إلى أي مدى سيفيدني تغير الظروف والأحوال، إلا أنني طبعاً لم أكن أغني.