أنا والكلابش وحرامي الأنبوبة (3/5)

19 يناير 2021
+ الخط -

(4)

شوف يا سيدي، حين بدأت (الدستور) الصدور في نهاية عام 1995، لم يكن لناشرها عصام إسماعيل فهمي صداقات بأسماء شهيرة أو مهمة، باستثناء نقيب المحامين الأسبق والأبرز الأستاذ أحمد الخواجة الذي ولدت الصحيفة أصلاً على يديه، وظل اسمه على ترويستها بوصفه مستشارها السياسي والقانوني، وكان للرجل المخضرم دور مهم في إنقاذها من أزمات عاتية في الأسابيع الأولى من صدورها، وبعد أن انتقل "أحمد بيه" كما كنا نناديه إلى رحاب الله، بعد حوالي سنة من صدور (الدستور)، كنت أنا وإبراهيم عيسى نتندر بأن الشخص "المهم" الوحيد الذي يرتبط عصام فهمي بعلاقة وثيقة معه، كان عبد الإله عبد الحميد عضو المجلس المحلي لمحافظة القاهرة، والذي كان عصام يطلب من حين لآخر نشر أخبار قصيرة له مصحوبة بصورته، وبالطبع لم يكن عصام فهمي يعرف أنه خلال أشهر قليلة من نجاح الصحيفة الساحق، سيصبح هاتفه المحمول مقصداً لكل كبار الساسة ورجال الأمن ونجوم المجتمع.

 كان عصام فهمي مبهوراً بشخص فؤاد سراج الدين، زعيم حزب الوفد الأسطوري الذي كان برغم مرضه وتقدم سنه، لا يزال مسيطراً على مقاليد الأمور في الحزب، وكان عصام حريصاً على أن يثبت لأستاذه "فؤاد باشا" أنه بعد أن تم تهميشه في الحزب، استطاع انشاء صحيفة أهم بكثير من صحيفة (الوفد)، التي لم يكن الحزب في ذلك الوقت يفعل شيئاً عليه القيمة غير إصدارها، وفي سياق إرضاء طموحه الحزبي، فرض عصام فهمي على (الدستور) استكتاب أحد قيادات الصف الثاني في الحزب، وهو الأستاذ طلعت جاد الله، والذي كان شخصاً مهذباً أكثر من اللازم، وكان يبدو بما يرتديه من "بلاطي شتوية فضفاضة" وقمصان صيفية حريرية مشجرة شخصاً شديد الأناقة من وجهة نظر شاب بائس رثّ الملبس مثل حالاتي، لكن تلك الأناقة المفرطة لم تكن مشكلته معي، بل كانت مشكلته أنه كان يكتب مقالات تعيسة بالغة الركاكة، يغتصب فيها قواعد النحو والإملاء والمنطق، ومع ذلك فقد كفلت له علاقته الوثيقة بعصام فهمي فرصة نشر عمود رأي أسبوعي، مع "زملائه" محمد مستجاب وصافي ناز كاظم وأحمد فؤاد نجم وخيري شلبي وصلاح عيسى وأسامة أنور عكاشة وحسين أحمد أمين ولينين الرملي ومحمد عفيفي مطر وغيرهم من كبار الكتاب الذين قد لا يلحق بعضهم بموعد النشر الأسبوعي، في حين يبقى مقال طلعت جاد الله وحده ثابتاً كل أسبوع، دون أن يفهم أحد ما يكتبه، ولا لماذا يكتب أصلاً، ولذلك كنت أتلقى كل أسبوع رسائل من بعض القراء "النمكيين" الذين لا تفوتهم فائتة، يلحون في السؤال عن سر نشر مقالات ذلك الكاتب المجهول، الذي يأكل شنبه الضخم نصف مساحة صورته.

لا أظن بعد كل هذه السنين أن أحداً من الذين شاركوا في تجربة (الدستور)، استطاع أن يفهم سر إصرار عصام فهمي على النشر الأسبوعي لطلعت جاد الله، لدرجة دخوله في مشادات عنيفة مع إبراهيم عيسى، حين كان يطلب تأجيل نشر هرائه أحيانا، من أجل نشر مقالة لكاتب أجمل وأهم، وكان عصام فهمي يبرر ضرورة الإبقاء على تعاسات طلعت، مرة لأنه مقرب للغاية من فؤاد سراج الدين، ومرة لأنه مقرب للغاية من البابا شنودة، في حين قال لنا بعض من يعرف الطرفين، إن الأمر له علاقة بصداقة طلعت الوثيقة برجال أعمال مسيحيين، كان أحدهم يمتلك شركة سيارات شهيرة، وأحدهم يمتلك شركة أدوية أدخلت إلى مصر حبوب (الميلاتونين)، التي كانت في ذلك الوقت اختراعاً شبيهاً بالفياجرا، يعد الناس بالشباب الدائم والحيوية الأزلية، وأذكر أن (الدستور) نشرت بعد بدء استكتاب طلعت جاد الله، إعلانات لمنتج الميلاتونين ولسيارات رجل الأعمال، ليبدو التفسير الاقتصادي لتلك العلاقة الملغزة أكثر منطقية.

كان الرجل الجليل يحب كثيراً أن ينصح مصر المحروسة، التي كان يتعامل معها كأخته الكبيرة المسافرة إلى الخارج منذ فترة، والتي لا يجد وسيلة للتواصل معها سوى مقالاته الإنشائية

ما زاد الأمر عبثاً على عبث، أن عصام فهمي قال لإبراهيم عيسى خلال إحدى المشادات، التي اشتكى فيها إبراهيم من طول مقالات طلعت، إنه لا يهمه إذا قصصنا نصف ما يكتبه أو حتى ثلاثة أرباعه، المهم أن ننشر بعضاً مما يرسله كل أسبوع مصحوبا بصورته، وهو ما وجد فيه إبراهيم فرصة سانحة لتطفيش الرجل من الجريدة، فأوكل إلى محسوبك مهمة قصقصة مقالاته، التي وضعناها في التبويب أسفل مقالة الأستاذ أسامة أنور عكاشة، التي كانت تطول في بعض الأحيان أكثر من المتفق عليه، فكنت بالطبع أختصر من مقالة طلعت جاد الله، لأنشر مقالة أسامة أنور عكاشة كاملة، معتمداً على تصريح عصام فهمي لنا بأن نحذف من مقال طلعت ما نشاء، طالما أبقينا على نشره مصحوباً بصورة لصلعته البهية وشاربه الكث، ومع ذلك فقد أثار الأخ طلعت أزمة حادة، بعد أول مقالة له تم اختصارها، وبعد أن قال له إبراهيم عيسى إن اختصار المقالات من اختصاصي كسكرتير للتحرير، شكاني طلعت لعصام فهمي، الذي كانت قد نشأت بيني وبينه في وقت قصير علاقة إنسانية لطيفة، مرتكزها الأساسي تقديري لدمه الخفيف وحبنا المشترك لفن البذاءة الشعبية.

يعني، لا أعتقد أنني قابلت أحدا في العالم، لديه تنوع في مفردات الشتائم الشعبية المبتكرة مثله، حتى أنه فاق في ذلك عمنا أحمد فؤاد نجم وعمنا خيري شلبي، الذين كانا يحفظان كل ما جاد به الشعب المصري عبر تاريخه من شتائم، فضلا عن النكت والأشعار والمواويل والأمثال والحكايات، وكان عصام فهمي يتميز عنهما وعن غيرهما، بقدرة عجيبة على تدكيك الشتائم وتضفيرها، بحيث تتحول من كلمات يتم بها تطعيم الجمل والعبارات للتعبير عن الغضب أو السخرية، لتصبح هي الجمل والعبارات ويلحق بها كلمات أخرى شارحة أو موضحة للمعنى، وحين يصبح لدينا كسائر الشعوب، دارسون جادون لفن الشتيمة، سأضع تحت تصرف أحدهم، ما لا زلت أحتفظ به في ذاكرتي من عطاء الرجل، لكي لا يطويه النسيان، وتستفيد منه الأجيال القادمة.

حين أخبرني عصام فهمي بشكوى طلعت جاد الله من النتف المستمر لريش مقاله، حتى أنه لا يصبح أحياناً مفهوماً على الإطلاق، كنت مستعداً للرد، حيث أريته مقال طلعت الأصلي الذي كان يكتبه على ورقة فلوسكاب مسطرة، ويقوم بلزق الكلمات ببعضها البعض، بشكل تطلع منه أعين زملائنا في قسم الكمبيوتر، وطلبت من عصام فهمي أن يقرأ المقال الأصلي، ويصدر قراراً برفدي من الجريدة، إذا استطاع فهم ما يقصده طلعت من المقال، وحين ألقى عصام فهمي نظرة ناشر قديم على المقال، أصدر شخرة عريضة وقصيرة في نفس الوقت، ثم قال لي ضاحكاً إن المقال أصبح مفهوماً بعد اختصاري لثلاثة أرباعه، ثم طلب مني بمودة أن أراعي الرجل من أجل خاطره، وأن لا أغضب من شكاويه، لأنه رجل طيب وابن حلال، وسيتعود بعد قليل على اختصاراتي، وربما دفعه ذلك لأن يختصر من تلقاء نفسه، المهم أن يستمر الرجل في النشر كل أسبوع، رافضاً أن يفصح لي عن سر تمسكه به بذلك الشكل الغريب، قائلاً بلهجة يختلط فيها الجد بالهزل أن ذلك من أسرار الجرنان العليا، وما عرفته فيما بعد أن عصام فهمي قال لطلعت جاد الله، إنه لن يستطيع أن يفعل شيئاً بخصوص شكاويه، وإن عليه أن يحل مشكلته معي بنفسه، لأنني شاب طائش حديث التخرج، وما يدفعه لتحملي هو أنني "شايل الجرنان على أكتافي"، مؤكداً له أنه تمكن من إحباط مؤامرة للإطاحة بمقالاته من الصحيفة، ونجح في فرض بقاء مقاله كل أسبوع، ولن يستطيع فعل أكثر من ذلك، لأنه لا يريد الدخول في أزمات أسبوعية مع مسئولي التحرير.

حين عرف الأستاذ إبراهيم بما جرى بيني وبين عصام فهمي، وجد فيه مخرجاً سحرياً للكثير من المشاكل التي تحدث مع الكتاب والصحفيين، فدعاني ذات يوم إلى مكتبه، وقال لي بهدوء شديد إنه سيحدث منذ الآن وصاعداً، أن يدعوني لأحضر إلى مكتبه على وجه السرعة، فأجد أمامه كاتباً أو صحافياً من الذين كانوا يتعاملون مع الصحيفة من الخارج، وأنه سيقوم دون مقدمات بتعنيفي على الخطأ الذي قمت به في حق ذلك الكاتب أو الصحافي الكبير، وأنني سأكون مطالباً وقتها بالاعتذار عن ذلك الخطأ بحرارة، وأن أعد بعدم تكراره، وإلا سأتحمل أنا المسئولية عن ذلك في المستقبل، ولأننا لم نكن قد "أخذنا هذه الحتة" من العمل الصحافي في كلية الإعلام، التي كنت أول دفعتي فيها، فقد حاولت ببراءة شاب حديث التخرج أن أفهم مغزى هذا الظلم الذي وقع على رأسي من حيث لا أحتسب، فقال لي الأستاذ إبراهيم ضاحكاً إن هذه أشياء لا يدرسونها في الكليات، وأنه تعرض لها حين عمل سكرتيرا لتحرير مجلة روز اليوسف، وأن عليّ أن أقبل بها كواحدة من مستلزمات مهنة سكرتير التحرير، الذي أصبحت بعد سنين من ممارستها، أُعرِّف دوره الوظيفي لمن يسألني من طلبة كلية إعلام بأنه "الرجل الذي ينزح خراء الجرنان بأكمله دون أن يشكو همه لأحد، ودون أن يشم رئيس التحرير رائحة الخراء، ودون أن يطرطش على القراء بعضٌ منه".

حين خرج موظف متجهم ممسكاً بورقة ونادى على اسمي بصوت زاعق، اتجهت نحوه مبتسماً فنظر إلي بعدائية، وأشار إلي بقرف لكي ألحق به نحو مكتب رئيس النيابة

بعد ما قاله عصام فهمي لطلعت جاد الله عن محسوبك، قرر الرجل أن يغير طريقة تعامله معي، فأصبح يعاملني بمودة غامرة، بعد أن كان يتجاهلني كلما مر إلى جواري، بوصفه صديقاً شخصياً لرئيس مجلس الإدارة. كان طلعت يأتي كل جمعة ليقوم بتسليم "المقالة"، وكان على ما يبدو يحب أن يسمع نفسه وهو يقول للرائح والغادي في أروقة المقر الضيقة: "أنا جاي عشان أسلم المقالة"، وكانت ترتسم على وجهه وهو يقول ذلك علامات رضا أورجازمي بالغة، سرعان ما تختفي حين أنظر إليه بامتعاض وأقول له: "بس طويلة أوي المقالة يا أستاذ طلعت"، فيقول بابتسامة مطليّة بمودة يخفي خلفها رغبة في التنكيل بي: "البركة فيك بقى.. بس خليك حنين عليها الأسبوع ده".

كان من سوء حظ الرجل أن يوم الجمعة الذي يأتي فيه، هو أكثر أيام العمل ازدحاماً وإرهاقاً، لذلك كان يجدني على الدوام متجهما، أحاول الإفلات من فخ نصبه لي أحدهم، أو أحاول نصب فخ لأحد، فتفشل كل محاولاته لإقامة علاقة إنسانية بيننا، تجعلني أكثر حناناً على مقالاته، ولذلك سلم أمره للمولى، وبدأ يتعامل معي بلطف، كأنني لا أقوم أبدا بـ "جزّ" مقالاته وشدّها من شعرها وتقليم أطرافها، حتى تلائم المساحة المحددة لها، فيناولني المقالة الجديدة وقد افترّ وجهه عن ابتسامة "طويلة"، ثم يقول لي بهدوء راهب بوذي: "يا رب تكون مقالة الأسبوع اللي فات عجبتك، أصلها الحمد لله عاملة صدى كويس"، فأستلم المقالة صامتاً، وأسلم الأمر فيه للمولى، وأنصرف لحال أفخاخي، سائلاً الله ألا يوقعني يوما في ضيقة كضيقة هذا الرجل.

(5)

بعد أشهر من استقرار أوضاع طلعت جاد الله، ورضائه بالقليل الدائم بدلاً من الكثير المنقطع، سطع في سماء صفحات الرأي في الصحيفة نجم المستشار الدكتور إبراهيم على صالح نائب رئيس محكمة النقض سابقاً، وصار واحدا من ثوابت عصام فهمي التي لا يملك أحد أيا كان هزّها. كان سيادة المستشار قد خرج على المعاش منذ فترة وفتح مكتباً كبيراً للمحاماة، لكنه قرر أن يشبع رغبة قديمة لديه في كتابة الرأي، عن كل ما يجري في مصر من أحداث، وكان الرجل الجليل يحب كثيراً أن ينصح مصر المحروسة، التي كان يتعامل معها كأخته الكبيرة المسافرة إلى الخارج منذ فترة، والتي لا يجد وسيلة للتواصل معها سوى مقالاته الإنشائية المطعمة ببعض النصوص القانونية وأحكام محكمة النقض والمحكمة الدستورية العليا، وأشهد للرجل أنه جعلني أستعيد علاقتي بكلمات وتعبيرات لم أكن قد قرأتها مطبوعة، إلا في صحف النصف الأول من القرن العشرين التي كنت أطلع عليها في دار الكتب، أثناء إعداد أبحاثي الجامعية.

كان سيادة المستشار معتاداً على كتابة الأحكام التاريخية والمذكرات القضائية الملحمية، ولذلك كان من الصعب إقناعه بأن للصحيفة الورقية مساحة محددة لا يمكن تجاوزها، وأنه ربما تمكن العلم الحديث مستقبلاً، من اختراع وسيلة لتعبئة مئات الكلمات الفائضة من مساحة مقالته، في كيس يحصل عليه القارئ مع الصحيفة كل أسبوع، وحتى يحدث ذلك، ليس أمامه إلا أن يختصر مقالته، أو أقوم أنا بذلك عنه، مع مراعاة أن سيادته لا يكتب جزافاً، أو من أجل أن تنشر صورته مع المقالة، بل يكتب لكي تصل كلماته إلى مصر بانتظام، ولذلك يجب أن يكون كلامه مفهوماً، لكي لا تفهمه مصر خطئاً فـ "يتوكس" حالها أكثر مما هو موكوس، وهو ما كان يحدوني للارتحال بين سطور مقالاته بحذر، لاختصارها بشكل يجعل المقالة تخرج متماسكة، خاصة أن اللقب الملتصق بصورته سيجعل القارئ يقرأ المقالة بجدية إضافية، وقد كنا في زمن لم يكن المستشارون فيه بعد قد "رطرطوا" في جنبات الصحف وزواريق القنوات، ولعلي أزعم أن معاشرتي المنتظمة لمقالات الدكتور المستشار، جعلتني أتفوق على نفسي في فن "التقضيب" الذي تفقد فيه المقالة أكثر من ثلاثة أرباع حجمها، دون أن يظهر عليها آثار الغرز، فلا تتعب مصر في قراءتها، وتصلها نصائح سيادته في أبهى حُلّة.
لكن سيادة المستشار للأسف، لم يكن يشاركني الإعجاب بفن "التقضيب"، ولأنه كان قد بلغ من العمر عتياً، فلم يكن يتاح له المجيئ إلى مقر الصحيفة، بل كان يشكوني هاتفياً لإبراهيم عيسى، الذي كان يستدعيني خلال المكالمة، ويعنفني لأنني لا أقدر المستشار الدكتور حق قدره، ثم يهددني ـ وهو يكتم الضحك ـ بالويل والثبور إن امتدت يدي إلى مقالة سيادة المستشار القادمة باختصار أو حتى تشذيب، ثم يعطيني السماعة لأعتذر لسيادة المستشار عن هذا الخطأ غير المقصود، وأعد بعدم تكراره، لأسمع بعد ذلك "كلمتين بايخين من جَنابَه في جِنابي" عن جيلي الغرّ المنفلت، الذي لا يقدر الكلمة الصادقة حق قدرها، ولا يعرف أهمية تعريف الأجيال الجديدة بنصوص الأحكام القضائية الشامخة.

ظل ذلك المشهد يتكرر بحذافيره، كلما نشر سيادة المستشار مقالاً لدينا، دون أن يملّ ثلاثتنا من ترديد نفس الكلام في كل مرة بمنتهى الانفعال والحرارة، حتى أنني كنت أتوقع أن يتدخل الضابط المكلف بمراقبة تليفونات (الدستور) ذات مرة، ليشخر لنا ويطلب منا التوقف عن أداء هذه التمثيلية الرديئة، أو حتى التجديد في أدائها، ليبقى ذلك الحال على ما هو عليه، حتى جاء اليوم الموعود الذي وجدت فيه نفسي واقعاً تحت رحمة السيد المستشار الدكتور، الذي لم أكن أملك محامياً قديراً ومجانياً غيره، لينقذني من تهمة إفشاء أسرار عسكرية، وكنت أظن أن حالي وحال (الدستور) سيدفعه للعفو والصفح، لكن رغبته في الانتقام كانت أقوى من سعيه للعفو، كما عرفت بعد أيام، حين وصلت إلى سراي النيابة.

(6)

لم أكن أتوقع أن الدكتور إبراهيم على صالح سينتقم مني بسبب ما فعلته في مقالاته الشاسعة، ربما لأنني أحسنت الظن بتاريخه القضائي المشرق، أو لأنه جعلني أقتنع بقدرته على التجاوز حين ذهبت إليه في مكتبه في زيارة سريعة للتحضير للتحقيق، فاستقبلني بحفاوة بالغة، وطلب مني ألا أقلق أبداً لأن الموضوع "باين عليه لعب عيال"، وأننا برغم كل ما نعانيه من أزمات في ملف الحريات، لم نصل بعد إلى الدرجة التي يعاقب فيها كاتب قام بعرض كتاب تم نشره في الأسواق منذ سنوات، وأنه سيقوم بحسم القضية فور لقائه برئيس النيابة، ولأنني وجدت كلامه منطقياً فقد قررت أن أدع القلق وأواصل الحياة، وربما لذلك لم أسهر طيلة الليل أتقلب على جمر الهواجس، ولم أذهب إلى النيابة قبل موعدي بساعات كعادتي، بل وصلت إلى مجمّع محاكم الجلاء الذي تقع فيه النيابة قبل الموعد بربع ساعة، وكان لدي من الثقة في أن القضية ستخلص مثل شكّة الدبوس، ما جعلني آخذ موعداً مع صديق يعمل في صحيفة (الأهرام) لكي نلتقي فور خروجي من النيابة، يعني قل مثلاً في العاشرة صباحاً أو الحادية عشرة بالكثير، فنتسكع قليلاً في وسط البلد، ثم نتغدى في مطعم مجاور للأهرام كان يتميز بتقديم الطبيخ بشكل أقرب ما يكون إلى الأكل البيتي الذي نفتقده، وبعد أن اكتشفت ضخامة مجمع المحاكم، قررت أن أتأخر عن موعدي مع صديقي لأتسكع بين قاعات المحاكم على أمل مصادفة قصة ملهمة، وهو ما لم تكن تبخل علي به المحاكم والنيابات أبداً.

حين صعدت إلى مقر نيابة السيدة زينب الذي كان في الدور الرابع على ما أذكر، لم أجد أثراً للدكتور إبراهيم علي صالح في محيط المكان، فظننت أن زحمة المرور أعاقته عن الموعد، فوقفت أنتظره إلى جوار الباب المفضي إلى النيابة التي كانت مكونة من عدة غرف، ولاحظت أن هناك رجلاً ملفتاً في جمعه بين قصر القامة البالغ والبدانة المفرطة والصلع النسبي يتفرس في ملامحي، فظننته قارئاً قوي الملاحظة رأى صوري التي نشرت عدة مرات مع مقالاتي في (الدستور)، لكنه حين أخذ خطوتين باتجاهي ثم تراجع بعدها، رجحت أن يكون قد رأى فيّ شبهاً مع أحد أقاربه، وحين أدرك بُعد الشبه قرر أن يتركني في حالي.

وحين خرج موظف متجهم ممسكاً بورقة ونادى على اسمي بصوت زاعق، اتجهت نحوه مبتسماً فنظر إلي بعدائية، وأشار إلي بقرف لكي ألحق به نحو مكتب رئيس النيابة، وحين وصلت إلى باب المكتب، لفت انتباهي أنني لم أصل إليه لوحدي، بل كان بصحبتي ذلك الرجل الذي شخط فيه الموظف لكي يبتعد فقال له بثقة مفرطة: "أنا محامي حاضر مع المتهم من مكتب الدكتور إبراهيم علي صالح"، فنظرت إليه بذهول وريبة، ليس لأنه ذكرني بالممثل الأميركي داني دي فيتو حين لعب دور الرجل البطريق في فيلم (باتمان)، ليس لأنه كان قصيراً وبديناً مثله، فتلك خلقة ربنا ومن أنا بمنظري هذا لكي أعيب عليها؟ ولكن لأنه لم يكن يوحي بالثقة في قدراته القانونية، ربما لأنه كان يرتدي بدلة غريبة الشكل واللون والرائحة، أو لأنه رأى أن حلاقة ذقنه والاعتناء بمظهره أمر غير مستحب، فضلاً عن أنه لم يكن يحمل حقيبة من التي نراها مع وكلاء المحامين في الأفلام، بل قرر أن يضع بعض ما لديه من ملفات وأوراق في قلب صحيفة (الجمهورية).

كان لدي أسئلة كثيرة أرغب في توجيهها للمحامي المباغت عن اختياراته المختلفة في الحياة، لكنني اكتفيت بسؤال واحد عن الدكتور إبراهيم علي صالح وسر اختفائه، وقبل أن يجيب الرجل الذي كان قد قال إن اسمه عبد الله حاجة، قاطعنا رئيس النيابة شاخطاً فينا بغلظة، وطلب مني أن أجلس على المكتب لاستئناف التحقيق، فقلت له إنني لا يمكن أن أبدأ التحقيق دون حضور "المحامي بتاعي"، فصوّب نظرات محتقرة للأستاذ عبد الله وسألني: "هو الأستاذ مش مالي عينك ولا إيه؟"، فقلت له إن الأستاذ على رأسي من فوق، لكنني أفضل أن يكون معي الدكتور إبراهيم الذي يعرف تفاصيل القضية، وقبل أن أسترسل في الحديث عن أهمية الدكتور إبراهيم بالنسبة لي، قاطعني الأستاذ عبد الله البطريق بمداخلة قصيرة كشف فيها أن الدكتور إبراهيم "مش جاي عشان عنده قضية في محكمة النقض"، وحين وقفت أتهته كأنني بطلة تعيسة في مسلسل عربي تلقت ورقة الطلاق للتو، سمعت من بعيد صوت رئيس النيابة وهو ينادي على أحد ما، حين دخل إلى الغرفة اتضح أنه أمين شرطة، طالباً منه أن يضع في يدي الكلابشات ويجعلني أنتظر في الطرقة، حتى يقوم بإنجاز بعض المهام المطلوبة منه.

..

نكمل غداً بإذن الله