أغاني الشتاء الحزينة

أغاني الشتاء الحزينة

26 يناير 2022
+ الخط -

في بلاد لا تعرف لغتها، ولا تكاد تعرف أحداً من أهلها، تسير وحيداً في واحد من المساءات الباردة، لا صوت يُسمع في الأفق، اللهم إلا مرور السيارات المسرعة الواحدة تلو الأخرى، يمر المارة بقربي ولا أشعر بهم، كلٌّ منهم مستغرق في تلك الشاشة الصغيرة، وأنا مثلهم أحاول أن أتنفس في هذه الكلمات، أصوغ من خلالها بعض ما تبعثر من داخلي، وأكمل في طريقي ألتحف آمالي وأرقب خيباتي الساقطة الواحدة تلو الأخرى.

لقد غنّت فيروز لليالي الشتاء الحزينة، وطلبت منها أن لا تنساها، الحُزن ليس من هذا الفصل مجرداً، بل لأنه موسم التقوقع، ففيه يعود غالب الناس إلى منازلهم مبكراً، الاقتراب من بعضنا البعض، والبحث عن الدفء، ولو كنا وحيدين في الشارع. حزن ليالي الشتاء يرافقني منذ سنوات طويلة، لم أعد أعرف كيف أخرج من قتامة هذه الحالة، أتقمص دوراً مبهماً، وأحاول السير برفقة النسيم البارد، لم يقبلني هو الآخر، قال لي بصوتٍ ساخر: وحدتك من شكل مختلف، ابحث عن ذاتك في مساء آخر، ولا تذرف دموعك ها هنا، لك وجودان، فلا ترهق خيالك بالبحث عن أجوبة لا وجود لها.

ربما يظل سؤال العدالة في الدنيا أمراً مشيناً، فالإيمان بالقدر يجب أن يكون أرسخ من هذه الهواجس، لذلك أحوله إلى سؤال آخر حول السقوط العفوي، اللاإرادي.

تخطر على بالي فكرة غريبة، ماذا لو صنعت آلة تقرأ الأفكار، وما يضمره العقل وتخرجه على شكل نصوص مقروءة

لماذا أسقط عفوياً من كل حساباتٍ ممكنة، أسقط من أي دائرة وأمام أي ظرف كان، وهل يمكنني طرح هذا السؤال أيضاً، أم أنني أمارس هرطقة اجتماعية تستحق الإقصاء كرةً أخرى، هل يُعقل أن أكون مواطناً من الدرجة الثالثة في كل دائرةٍ تُحيط بي، لا أعرف لم ينال الآخرون فرصاً لا تُحصى، وينالون على الأمور التي لا يقومون بها المال أو الثناء أو المكانة، وفي المقابل أظل عند هؤلاء - أنفسهم بكل أسف -، في الموضع الأول، مع أنني غادرته منذ زمنٍ بعيد.

لم تكن فكرة الغربة بعيدةً عني، فأنا الذي بنيت مودة مع الغرباء، فمنذ الصغر أنسج علاقاتٍ مع أبطال التاريخ وقصص الملاحم العظيم، ثم وطدت علاقتي مع غرباء غريبي الأطوار، يقاسمونني الغرابة ذاتها، من أبطال رواية "مئة من العزلة"، إلى من يكافح للخروج من سيطرة "الأخ الأكبر"... ولكنني شعرت هنا بتناقض جديد، فقد كان لي في وطني رفاهية المحيط، أن تلتقي بأحد ما في وقتٍ ما، ليست رفاهية جديرة بالتذكر ها هنا، ولكنها حالة المأساوية التي أنظر فيها إلى محيطي الآن، هو الإفلاس ربما، وأن تظل في المربع ذاته، تتكرر عليك الأيام مرة تلو المرة وأنت كما أنت، لتحول سيرورة تكررها أغنية قميئة لا تحبها ولكنك مجبر على الاستماع لها كل يوم.. وإلى الأبد.

تخطر على بالي فكرة غريبة، ماذا لو صنعت آلة تقرأ الأفكار، وما يضمره العقل وتخرجه على شكل نصوص مقروءة، لن أقول صورةً لنبتعد قليلاً عن الابتذال، على هيئة نصوص ربما، خواطر مثلاً، أو قل كتاباً، كيف ستكون هذه الكتب وماذا ستتضمن، هل سيكون كتابي لافتاً، مليئاً بالأفكار أم أنه سيكون غثاً فارغاً من كل جديد؟ لقد استغرق رسول حمزتوف شطراً كبيراً من كتابه "بلدي" وهو يتحدث عن الصورة التي سيخرج فيها كتابه، وكيف سيكتبه، ويمر على عادات وتقاليد شعبه الداغستاني العنيد. كيف سيكون كتابي، أحمد الله أن هذه الآلة لم تخترع بعد.

أمشي في الشوارع وكأنني وحيد، أحمل أكياساً ثقيلة في كل يد، وأنظر إلى آخر الشارع، في كل منزلٍ حكاية، وفي كل زاوية قصة، هل هناك قصص ها هنا تشبه قصتي.. هل يبحث غيري عن نفسه، عادت إليّ نسمات الشتاء، وقالت لي ما زلت تحدث نفسك أيها المأفون.. اذهب إلى عيالك وأكمل حديثك في ليلة أخرى، فليالي الشتاء لن تنساك أبداً، وإياك أن تنساها كذاك.