أبو الفلاح يكتب عن دولاب الدولة المصرية (7)

أبو الفلاح يكتب عن دولاب الدولة المصرية (7)

11 نوفمبر 2021
+ الخط -

لم يكتف نوبار باشا بأسئلته الحائرة الغاضبة عن أسباب تعامل الخديوي ورجاله مع الفلاحين المصريين بتلك الطريقة القاسية التي لا تليق إلا بالغزاة والمحتلين، بل قرر أن يكون أكثر إيجابية، فحاول أن يوصل إلى إمبراطور فرنسا مذكرة تعترض على أفكار دي ليسبس التي تزعم أن التخلي عن طريقة السُّخرة ستجعل العمل في قناة السويس مستحيلا، لأن الفلاح في رأي دي ليسيبس بطبعه كسول وليس لديه من الطموحات سوى القليل، فإذا توافرت لديه احتياجاته اليومية البسيطة سينصرف عن العمل حتى لو عرضت عليه الذهب والمال وأنه ليس راغب حتى في تحسين أحواله، وهي أفكار أصبحنا نعلم أنها لا تخص دي ليسبس وحده بل يشترك فيها كل من حكموا مصر سواء كانوا من الغزاة المحتلين أو من أبناء البلد المحتلين، لكن نوبار لم يكن يعتقد بصحتها، ولذلك حاول أن يوصل ـ دون جدوى ـ لإمبراطور فرنسا أن دي ليسبس سيجد في مصر عمالاً بالقدر الذي يحتاجه لحفر القناة، إذا تعهد بدفع أجور عادلة لهم، وطمأنهم بصفة خاصة على أنه لن يتم انتزاع مستحقاتهم المالية منهم بطريقة أو بأخرى.

حين مرت الأيام وتولى نوبار وزارة الأشغال العمومية، جاءته الفرصة العملية لاختبار أفكاره النظرية المتعاطفة مع المصريين، خصوصاً حين أمر الخديوي بانتزاع آلاف الرجال من حياتهم العادية، وتم جلبهم للعمل في عمليات رصف الطرق، في نفس الوقت الذي كانوا فيه مطالبين من الدولة بدفع الضرائب عن محصولاتهم التي هجروها رغما عنهم وضاعت بسبب نقص الأيدي التي ترعاها، يقول نوبار: "كنت أفكر في كل هذه الأمور المؤلمة عندما رأيت شيخاً جاء على رأس الأهالي الذين جلبوا معه من بلدته يقترب مني ويقول "لا تغضب. إننا نعرف أنك لا تحب السخرة وأنه إليك يجب أن نرجع الفضل في أنه لم يعد علينا بعد ذلك الذهاب إلى الصحراء للعمل في قناة السويس، لكن بالنسبة للسكك الحديدية فلتتركنا نعمل، لأنه بعملنا هذا نعمل أيضا من أجل استقلالنا".
يعلق نوبار على ما سمعه من ذلك الفلاح العجوز قائلاً: "نظرت إليه وأنا مندهش تماما...

إذن لم يكن خاملا إلى هذه الدرجة هذا الشعب الذي كانوا يصورونه على أنه جاهل لدرجة أنه لم يكن يعبأ بمصالحه، على العكس كان هذا الشعب متيقظا يحكم علينا وكانت له وجهة نظر في كل واحد منا. إذن كان هناك رأي عام. بالتأكيد نعم، لكن مصر مثلها مثل كل البلاد التي يكون الحكم فيها مطلقا لا يتم الإفصاح داخلها عن الأفكار بصوت عال. ماذا كان شيخنا هذا يريد القول بهذه الكلمات؟ إن الاستقلال بالنسبة للفرد المصري كان معناه حرية الحركة في الذهاب والإياب، وألا يكون تحت الملاحظة المستمرة للسلطة وألا يتم القبض عليه وانتزاعه من عمله وزراعته حتى لا يتسبب ذلك في سلب ثمرة عمله منه... لكن كيف ربط هذا الرجل بين فكرة الأمان وتطوير السكك الحديدية، بالنسبة لي بالتأكيد كان الربط واضحا، إذ أن التقدم على المستوى المادي يؤدي بالتأكيد إلى التقدم على المستوى الشخصي".

لم ينس نوبار باشا كل هذه التفاصيل حين جلس ليكتب مذكراته التي جاءت بمثابة كشف حساب عن تجربته في دولاب الدولة المصرية بعد أن رحل الخديوي إسماعيل عن قمة السلطة

لكن الخديوي إسماعيل ومساعديه في إدارة دولاب الدولة المصرية، لم يشاركوا نوبار والفلاح العجوز في هذه الآراء، لأن الخديوي لم يكن مشغولاً بالاستقلال والعدالة، فهو كما يقول عنه نوبار الذي عرفه عن قرب: "لم يكن يرى سوى العائدات التي يمكن أن تأتي من المصريين ولم يكن يعبأ بكيفية قدومها، لقد كان اسماعيل المفتش يقول إن مصر عبارة عن جوال دقيق حتى إذا فرغ يمكن بضرب الجوال استخلاص المزيد منه دايما، كان الجوال يضرب منذ فترة غير قصيرة حيث إنه كما قلت من أجل الحصول على المال كان المديرون يجبرون الشيوخ على الاقتراض، حتى توليته لأبناء العائلات المصرية على حساب ابناء العائلات التركية كان وراءه فلسفة أنهم يعرفون كيف يأتون بالأموال من الناس بشكل أفضل"، ويضيف نوبار قائلا: "لم يكن اسماعيل كسلانا كانت رأسه دائما في حالة توهج، لكنه كان يركز كل نشاطه وطاقته وإرادته في مسألة المصالح التي أصبح سجينا لها وكانت تمسه هو شخصيا، أما بالنسبة لما هو دون ذلك فكان يترك الأمور تمضي إلى مصيرها، لم يكن لديه شيء اسمه التمهل وكان هذا سببا في إغراق البلاد في الديون، اندفع في مغامرات عسكرية في الحبشة وحدثت هناك إبادات للجيش المصري".

في ظل أفكار نوبار وتصوراته عن طريقة الإدارة المثلى للتعامل مع المصريين، لم يكن غريباً أن تصل علاقة نوبار باشا بالخديوي إسماعيل إلى طريق مسدود، ولذلك تم إعفاؤه من الخدمة في عام 1875، لكن الخديوي إسماعيل أوصى بحسن معاملته، فلم يتم التعامل معه بشكل سيء مثلما يحدث مع من يتركون السلطة "ويلبسون الجلابية" على حد التعبير المعاصر، ولذلك حين ذهب نوبار لزيارة الصعيد، لاحظ أن كل المسئولين الذين التقى بهم كانوا يعاملونه بوصفه مرشحاً للعودة إلى السلطة، ولذلك كانوا يرسمون له صورة وردية للأوضاع تختلف عن الواقع المظلم الذي كان يراه بنفسه، فحين وصل إلى مغاغة بالمنيا مثلاً، كان مسئولو الإدارة يقومون بتسجيل أسماء المختارين لأداء الخدمة العسكرية، فرأى أمامه حوالي ألفي رجل محبوسين منذ عدة أيام في شونة كبيرة للغلال، حيث تم تقييدهم بالسلاسل بعضهم مع بعض وسيقوا مثل العبيد الرومان المحاربين، ورأى جمعاً من النساء يصحن وينُحن ويتبعن جمع الرجال بالدموع والصراخ. يقول نوبار: "واحدة منهن ما زلت أراها أمام عيني إلى هذه اللحظة التي أكتب فيها، كانت طويلة ونحيفة ووجهها شاحب وأنفها أفطس كما لو كانت إحدى ساحرات رواية ماكبث، تجلس رافعة ذراعيها إلى السماء تدعو على عمر باشا مفتش الصعيد وتلعنه بكل لعنات السماء، شعرت ببرودة تسري في جسدي وانتابني شعور غريب ووجدتني أقول لنفسي إن نهاية هؤلاء الناس ستكون سيئة".

وفي موضع آخر من مذكراته يحكي نوبار المزيد من التفاصيل عن طريقة تعامل إدارة الخديوي إسماعيل مع المواطنين قائلاً: " في الأقصر جاء القاضي لزيارتي. كان هؤلاء الناس جميعا يعرفونني بالاسم. لأنهم كانوا يعرفون جهودي لصالحهم، فكل شيء كان يعرف وكل شيء يقال، إن هؤلاء الأطفال المساكين كانوا مثل الأطفال يعرفون من يحبهم ويربت على أكتافهم، تحدث القاضي معي بلهجة حزينة كلها أسى على مصير أهالي الصعيد الذين يساقون بأعداد كبيرة هم وجمالهم للعمل في زراعات الوالي بمصر الوسطى أو في إقليم أرمنت حاملين معهم طعامهم وطعام ركابهم وعملهم الذي كان يستمر لمدة شهور، وبعد أن ينتهوا ويعودوا قهرا يمثلون قهرا أمام كثير من القضاة وهو واحد منهم ليعلنوا أنهم أطعموا هم وجمالهم وأنهم نالوا أجورهم وأجور جمالهم، وقال لي "إن الخطأ هو أنهم يُدفعون إلى ارتكاب الخطيئة بحملهم على الاعتراف بنيل حقوق نعرف جميعا أنهم لم تعط، وإن الرجال ما إن يتحرروا من الحرس الذين يراقبونهم حتى يعلنوا أن ما قالوه ليس صحيحا وكله خطأ"، وقال القاضي إنهم يجبروننا على الكذب أمام الله".

لم ينس نوبار باشا كل هذه التفاصيل حين جلس ليكتب مذكراته التي جاءت بمثابة كشف حساب عن تجربته في دولاب الدولة المصرية بعد أن رحل الخديوي إسماعيل عن قمة السلطة، متوقفاً بصورة خاصة عند مشهد السيدة شاحبة الوجه التي أصبحت بالنسبة له رمزاً لمعاناة ملايين المصريين الذين وصف مشاعره تجاه حياتهم البائسة بقوله: "لقد مر الآن أكثر من خمسة عشر عاما منذ أن رأيت هذه السيدة وهي تلعن عمر باشا والوالي اسماعيل، أكثر من خمسة عشر عاما منذ أن سمعت القاضي في الأقصر يشكو من أنهم يجعلونه يكذب على الله، ونفس الإحساس بالحزن وضيق القلب الذي شعرت به حينذاك أشعر به الآن وأنا أكتب هذه السطور، يا إلهي متى ينزل إذن حكمك العادل لهؤلاء المساكين؟ لقد جاءت أسرع مما كنت أظن.. إن اسماعيل الآن ليس في مصر بل لقد تبين لي بعد رحيله أنه لولا أخذ كل هذه الجيوش من الرجال الذين انتزعوا من أعمالهم واراضيهم ليجبروا على العمل في أملاكه وضياعه التي حصل على معظمها بعد نزع ملكيتها من أهلها، لتمكنت مصر من التغلب على الصعوبات المالية والاقتصادية التي تسبب فيها لمجرد إرضاء رغباته ومزاجه، لولا كل هذا لكانت مصر ما زالت تحتفظ بنفسها لنفسها".

لكن نوبار باشا يحرص على أن يختم مذكراته بنظرة متفائلة مليئة بالأمل والثقة في مستقبل مصر حين يتحرر شعبها من الاحتلال ويمتلك حق تقرير مصيره مؤكداً على اعتقاده "أن الإصلاح سيتم، ستضرب العدالة والحرية والاستقلال بجذورها في أرض مصر، إن الفكرة التي ظلت كامنة بداخلي كانت فكرة أكبر بكثير، لقد بدت لي مصر غنية تمتد من البحر المتوسط إلى بحيرة إفريقيا الوسطى مستقلة حقيقة تقرر مصائرها بنفسها، مهما كانت علاقاتها وارتباطاتها بالإمبراطورية وعندما يرتوي شعبها من العدالة سوف تتخلص وإلى الأبد من قهر العبودية التي تئن تحت وطأتها منذ آلاف الأعوام ومن أجل بلوغ هذه النتائج كنت أتبع هذه الرغبة والحاجة إلى العدالة التي كانت تؤرقني وما زالت إلى الآن تؤرقني ومستعد لتحمل أي شيء والتضحية بكل شيء المال والثروة وحتى أضحي بنفسي".

لكن مصر بعد كل هذه السنين لم ترتوِ بعد من العدالة، لأن الكثير من أبنائها سواءً كانوا حكاماً أم محكومين، لا يشاركون نوبار باشا في تشخيصه للداء العضال الذي أصاب مصر، ولا يرون أولوية الارتواء من العدالة، ويفضلون الدخول في معارك هلامية تعلو فيها الشعارات الطنانة، دون أن يجدوا مشكلة في استبدال العبودية تحت حكم الضباط الغزاة، بالعبودية تحت حكم الضباط أولاد البلد، في حين لا يملك المظلومون سوى الدعاء على الظلمة والأمل ـ والعمل أحياناً ـ في يوم معلوم تترد فيه المظالم وترتوي مصر من العدالة.