أبو الفلاح يكتب عن دولاب الدولة المصرية (6)

أبو الفلاح يكتب عن دولاب الدولة المصرية (6)

10 نوفمبر 2021
+ الخط -

لم يمض وقت طويل على إعلان الخديوي إسماعيل عن فكرته "النيرة" بتقسيم حديقة الأزبكية وبيعها، حتى عاجل نوبار باشا بفكرة نيرة أخرى، كان سيدفع ثمنها هذه المرة مئات الموظفين الذين كان نوبار باشا قد تبنى خلال عهد الخديوي سعيد إنصافهم بمنحهم بعضاً من الأراضي كبديل عن المبالغ المالية التي يستحقونها بعد إحالتهم إلى المعاش، وكان أغلب هؤلاء الموظفين سعداء بذلك، باستثناء بعضهم الذين حصلوا على أراضٍ لم تكن تربتها جيدة، وحين أثار إسماعيل موضوع تلك الأراضي، ظن نوبار أنه يرغب في اكتساب شعبية بإنصاف الموظفين المصريين الذين لم تعجبهم الأراضي التي حصلوا عليها، لكنه فوجئ أن إسماعيل يهدف إلى سحب الأراضي التي تم توزيعها على الموظفين وإعادتهم ثانية إلى الخدمة، والاستفادة من الأراضي بعد ذلك وبيعها بسعر أكبر.

لم يجد قرار الخديوي إسماعيل معارضة لدى كثير من الموظفين الذين كانت فرحتهم بالعودة إلى الخدمة أكبر من حزنهم على أخذ أراضيهم، وهو ما يفسره نوبار بقوله: "إن المصري بطبعه موظف، بل إن الوظيفة تمثل بالنسبة له السلطة، وكنت في ذلك الوقت أعرف عضوا في أسرة أحد العمد كان مستعدا أن يقبل بكل ترحاب أن يبادل مركزه كعمدة منتظر ويضحي بجزء من ثروته، لكي يشتغل في خدمة الحكومة ويحصل على وظيفة حتى لو كانت صغيرة لكنها ستسمح له بتوسيع نفوذه وتأثيره بشكل أوسع عما كانت عليه في قريته الصغيرة"، لكنه يروي لنا أن نقب كثير من أولئك الموظفين "طلع على شونة"، حيث قام الخديوي إسماعيل بعد عودته من القسطنطينية بالإبقاء فقط على الموظفين الذين يتمتعون برضاه، وأبعد باقي الموظفين دون تعويضات، أما الأراضي التي استعادها فقد قام بضم الأراضي سيئة التربة فقط إلى ملكية الدولة، أما الأراضي الجيدة والخصبة فقد قام بضمها إلى ممتلكاته الخاصة التي توسعت على حساب الموظفين الحالمين بالتمرمغ في تراب الميري.

يحرص نوبار حين يروي تفاصيل مثل هذه أن يقول لقارئ مذكراته إن هذه التفاصيل الصغيرة هي التي حُفِرت في ذاكرته بشكل أعمق من التفاصيل الكبيرة، وأنه أصبح يقرأ في ظلها شخصية الخديوي إسماعيل الذي يعتقد نوبار أنه وجد أن مصر صغيرة جدا عليه، لذلك أراد توسيع رقعتها لكي تتسع مصالحه وامتيازاته، فقرر تجديد أمجاد محمد علي باشا وإبراهيم باشا، وحملته أفكاره التوسعية نحو بلاد الشام التي اعتقد أنه سيتمكن من الحصول عليها بإذن رسمي من الباب العالي، وهو قرار يعلق عليه نوبار قائلاً: "بدت فكرة التوسع هذه بالنسبة لي غريبة لأن سورية ـ يقصد بلاد الشام ـ لم تكن سوى حديقة تحتاج إلى نفقات، بالإضافة إلى أن شعوبها تعد شعوبا مثيرة للشغب وتتكون من أعراق متعددة، وهي بعيدة تماما عن أن تشبه في تكوينها هذا الشعب المصري الودود السهل في إدارته".

في موضع آخر من المذكرات يتحدث نوبار عن طريقة تعامل كبار رجال الدولة المصرية مع المصريين بمنتهى الاحتقار والتعالي

لكن الشعب المصري الذي يصفه نوبار بأنه ودود وسهل الإدارة، لم يكن كذلك مع الخديوي إسماعيل الذي فرض على الشعب الكثير من الأعباء الاقتصادية، فواجه إسماعيل في بداية حكمه هبّات وانتفاضات من فلاحي الصعيد بسبب أعباء السخرة، كان أقواها انتفاضة تزعمها رجل يكتفي نوبار بالقول إن اسمه أحمد، ويصفه بأنه أشاع كونه من السلالة النبوية الشريفة، فالتف حوله الناس وعدوه من أولياء الله الصالحين، فما لبث أن ادعى بأنه حاكم مصر المنتظر، وهنا يروي نوبار كيف تعاملت السلطة مع هذه الانتفاضة بكل قسوة وعنف قائلاً: "وصلتنا الأنباء عن ظهور مهدي في قرية تابعة لشرق أطفيح واسمها جاو شرق يثير نيران الثورة في القرى المجاورة، فبدأ إرسال القوات وتمت محاصرة القرى وقصفت بالمدافع وسجن كل سكانها، ويسافر الوالي مع بدء تنفيذ أحكام الإعدام التي استمرت في أثناء وجوده لدرجة أن راغب بك الذي كان قد عين وكيلا للوالي جاء ليقابلني والغضب يتملكه ليقص علي ما يحدث واقترح علي أن نبرق سويا للوالي لنخبره بالأصداء السيئة التي انتشرت في القاهرة بسبب الأحكام التي تنفذ بمنتهى الوحشية والتي يتولى أمرها شاهين قائد القوات، وانضم شريف بناء على طلبنا للتوقيع على هذه البرقية، وفعلا توقفت المذابح وتوقف تنفيذ الأحكام، لكن هل كانت البرقية هي السبب أم لأن العدد المتبقي على قيد الحياة لم يكن يتعدى سوى قلة قليلة من هؤلاء التعساء؟ وتم إرسال جزء ممن تبقى من السكان إلى سجن إسنا ونفي الجزء الباقي وبعد أن تم استتاب الأمن وتم إخماد الثورة عاد الوالي إلى مصر".

يؤكد نوبار إن وقائع إخماد تلك الانتفاضة بوحشية ظلت حاضرة في ذهن من عاصروها بعد انتهائها بفترة، ثم يروي واقعة تكشف عن طريقة تفكير رجال السلطة في ما قاموا به من تجاوزات وانتهاكات قائلاً: "بعد عامين من هذه الأحداث كنت ذات ليلة مع الوالي في سراي الجزيرة بعد عودتنا من رحلة تفقد خلالها الوجه القبلي، وحكى لنا إن مدير إسنا أخبره بأن عجوزا تم سجنه، وكان من بين الناجين من جاو شرق تحدث معه عن المهدي المنتظر ورسالته بإيمان شديد وقال له تخيل أننا نراه كثيرا وهو يدخل إلى كوخ ويغلق الباب وراءه، ثم نلاحظ تصاعد دخان خفيف من سقف الكوخ، فإذا دخلنا الكوخ وجدناه قد اختفى بعد أن تحول إلى هذا الدخان الذي شاهدناه، وأنهى الوالي قصته هذه بقوله "لقد أمرت بتحطيم رأس هذا العجوز" وصاحبت كلمات الوالي هذه إشارة جعلت عظامنا جميعا ترتعد عند رؤيتها".

في موضع آخر من المذكرات يتحدث نوبار عن طريقة تعامل كبار رجال الدولة المصرية مع المصريين بمنتهى الاحتقار والتعالي، وهو ما يجعل قيام الوالي بتحطيم رأس ذلك العجوز أمرا عاديا، لأنه لا يرى فيه إنسانا يستحق أن يعامله بآدمية وعدالة، وهو ما لا يمكن فصله عن الطريقة التي تم التعامل بها مع الفلاحين الذين شاركوا بالقوة الجبرية والسخرة في حفر مشروع قناة السويس، والتي أثارت ضيق نوبار باشا فجعلته يتخلى عن حذره ويعبر عن مشاعره الغاضبة في خطاب أرسله إلى زوجته يحدثها عن طريقة تعامل كبار رجال الدولة المصرية مع عموم المصريين قائلاً: "يا إلهي يا لهم من رجال حتى الوجهاء منهم يجدون أنه من العدل أن نجعل الفلاحين يعملون دون أجر ودون طعام وأن يتم استعبادهم وإبعادهم عن زوجاتهم وأطفالهم لمدة خمسين يوما، كم أود أن تتم معاملة كل هؤلاء الذين يتحدثون هكذا كما يُعامل الفلاح على أيديهم"، وفي موضع آخر يروي نوبار أنه حين اعترض على بعض تصرفات دي ليسيبس في إدارة عمليات حفر قناة السويس، قال له دي ليسيبس بهدوء شديد إن مبدأه في الحياة هو "من أجل النجاح في مجال الأعمال، يجب ألا يكون لديك حياء، وأن تحيط نفسك بأشخاص أقل حياء منك"، وهو ما يعلق عليه نوبار الذي لم يكن مصرياً خالصاً لكنه أحب المصريين بصدق قائلاً: "هذا شعار ربما يكون صالحا بالنسبة للغزاة الذين استخدموا هذا الأسلوب كثيرا، لكن هل يكون الأمر صحيحا ومشروعا عندما يتعلق بمصالح العامة وأموال الآخرين".

...

نختم غداً بإذن الله.