أيها السوريون ابنوا بيوتكم بأيديكم

 أيها السوريون ابنوا بيوتكم بأيديكم

24 سبتمبر 2020
+ الخط -

في أحد الأفلام الوثائقية التي تروي حكايات عن مخيمات خلفها الصراع المسلح في جمهورية الكونغو، والتي كانت تخضع لسلطة إدارية من مجموعة من المنظمات الإنسانية المحلية والدولية لسنوات عديدة، وبعد هدوء المعارك وتحقق شروط جيدة تضمن عودة المهجرين إلى قراهم ومدنهم، يظهر هذا الفلم كيف أن بعض القائمين على هذه المخيمات يضغطون على سكانه لمنع مغادرتهم بطريقة تصل لحد استخدام العنف، ويصور كيف أن المنظمات تلجأ لهذه الأساليب لاستمرار عملها وضمان حصولها على التمويل من المانحين الدوليين، ما يضمن استمرار مصالحهم الفردية.

خلف الصراع الدامي في سورية، دمار عشرات الآلاف من المنازل وما يزيد عن نصف البنية التحتية، إضافة لتطبيق سياسات ممنهجة لتجريف ملايين من السكان الأصليين وتحويلهم لنازحين داخليين ولاجئين في كارثة إنسانية تعتبر الأكبر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية والأضخم في القرن الواحد والعشرين.

لم تفلح الكيانات السياسية والمنظمات الإنسانية السورية التي تصدرت المشهد حتى اليوم لأسباب متعددة، في إيجاد حلول مبتكرة مستدامة تعزز حقوق هؤلاء السكان في بقائهم في مناطقهم، وتخفف من معاناتهم الإنسانية، وتبعدهم عن أسواق التجاذبات السياسية ومصالح الدول.

بدء مسلسل تهجير السوريين نحو دول الجوار كتركيا ولبنان والأردن والعراق منذ  أكثر من ثماني سنوات، ومع تزايد الاهتمام الدولي بالأزمة الإنسانية السورية، بدء الدعم المالي يصل للكيانات التي انبثقت عن الثورة السورية، كما قامت حكومات الجوار وخصوصا في الأردن وتركيا وبالتعاون مع منظمات دولية، ببناء مخيمات كبيرة منظمة، لتبدأ بإغلاق الكثير تدريجياً بدءاً من عام 2015، وإعادة سكانها لمناطق مختلفة من سورية، هذه السياسات تمت تحت ذرائع شتى في جوهرها تحمل أهدافاً سياسية.

ومع حلول كل شتاء يخرج القائمون على المنظمات الإنسانية السورية على وسائل الاعلام مطالبين العالم بزيادة الدعم المالي للتصدي لأزمة البرد، ومع بداية كل صيف يخرجون مطالبين بزيادة الدعم للتصدي لحر الصيف ومشاكله.

في حال حصول حل سياسي اليوم سوف يحتاج السوريون المهجرون من مناطقهم إلى مالا يقل عن عشر سنوات للتمكن من العودة للسكن في مناطقهم السابقة، كل هذا في حال وجود إرادة سياسية دولية وتمويل جدي لإعادة الإعمار

يؤكد غالبيتهم، والذين أصبح لهم صلات وعلاقات على مستوى دولي لا يستهان بها، في جميع اجتماعاتهم الخاصة والعامة أنهم لا يملكون مفاتيح للحل وأن لديهم سقف للمطالب، غالبيتها يتمحور حول تأمين خيمة بلاستيكية أو قماشية، لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، ولا تشكل حاضنة تؤمن أماناً نسبياً لأطفال طالما ألفوا طعم الحرب، حتى بات جيل سوري كامل لا يعرف معنى سقف البيت ولم يعش طعم السلام.

العمارة البيئية

طالما عرفت سورية بتقنيات العمارة البيئية، والتي شكلت هوية لكل منطقة جغرافية، فالسويداء تعرف بأم الحجار السود، نتيجة استخدام أبنائها تاريخياً الصخور البركانية السوداء المتواجدة بكثرة فيها في بناء مساكنهم، كما اشتهر الريف الشرقي لحلب ومحافظة الرقة، بعمارة القباب التي تستخدم الطين والأتربة المحلية إضافة للقش المنتج من زراعات القمح والشعير.

نعيش اليوم  على  يوميات فيروس كورونا ونتائجه على مختلف الصعد العلمية، كما تفرض التحديات المناخية التي يعيشها كوكبنا آليات تفكير جديدة في كل ما يعيشه الانسان المعاصر، وسورية رغم كل ما تعيشه من مآسٍ جزء من هذا الكوكب يتحتم عليها التفاعل والتأثر والتأثير مع ما يدور حولها من تطورات تكنولوجية واجتماعية، هذه التحديات العالمية أدت وستؤدي لظهور تكنولوجيا بناء حديثة تعتمد على العمارة البيئية واستخدام مواد بناء عضوية ونباتية يتم انتاجها وتطويرها من البيئات المحلية.

في أحدث المؤتمرات الدولية المتخصصة بمواد البناء العضوية والذي استضافته مؤخرا مدرسة الهندسة العليا للأشغال العامة في مدينة ليون الفرنسية (من أشهر الكليات الفرنسية والأوروبية التي تخرج المهندسين)، والذي يعرض دورياً آخر الأبحاث العلمية في تكنولوجيا العمارة البيئية، قدم محاضران من كوستاريكا أكثر بلدان أمريكا الوسطى فقراً، خلاصة أبحاثهم حول استخدام قشور الأرز مع الطين وتحويلها لطوب يستخدم في البناء، كما قدمت تجارب أخرى من الصين ومن موريتانيا وإفريقيا ودول أوروبا الغنية، تجمع نتائج الأبحاث كلها على إمكانية استخدام هذه التقنيات، وجدواها الاقتصادية والفنية، وملاءمتها  العالية لعمارة المجتمعات الفقيرة والغنية، كما أنها تفتح المجال واسعاً لآفاق جديدة في فنون العمارة الصديقة للبيئة.

التخطيط الحضري

خلف بناء المخيمات على الشريط الحدودي لدول الجوار السوري حالة عزلة عن الجوار، هذا الواقع قلل من تفاعل السكان مع محيطهم وتفاعلهم معه، ما يخلف زيادة في مشاكلهم الاجتماعية والنفسية.

لذلك يتوجب إعادة النظر في سياسات التخطيط هذه المخيمات المنظمة منها والعشوائية، والاستعانة بخبراء التخطيط الحضري، للعمل على استراتيجيات جديدة تحقق ربط هذه المخيمات بالمراكز الحضرية، لدمج سكان مع بعضهم، في محاولة لإعادة الحياة لسياقها شبه الطبيعي، وخصوصا بعد تحولها لتجمعات دائمة لا يعرف متى يتم إغلاقها، فالكثير من المخيمات بنيت على عجل وتحولت لمدن وأحياء كما حصل مع الفلسطينيين في مخيم اليرموك والذي بدء بمخيم بني على عجل ثم أصبح من أبرز أحياء العاصمة دمشق، ليأتي النظام السوري ليدمره ويهجر أهله مجدداً.

المنظمات الإنسانية لاعب أساسي

تحولت المنظمات الإنسانية والمجالس المحلية لسلطة بديلة عن سلطة نظام الأسد في المناطق الخارجة عن سلطته، يقع على عاتقهم التخفيف من آثار الصراع السياسي والعسكري، وخلق رؤية جديدة لمستقبل السوريين.

في حال حصول حل سياسي اليوم سوف يحتاج السوريون المهجرون من مناطقهم إلى ما لا يقل عن عشر سنوات للتمكن من العودة للسكن في مناطقهم السابقة، كل هذا في حال وجود إرادة سياسية دولية وتمويل جدي لإعادة الإعمار، إضافة لوجود الكفاءات الحقيقية التي ستخطط لبناء وطن جديد.

لذلك يتحتم البدء بتعليم الناس تقنيات بناء المساكن الرخيص، ليقوموا ببناء منازلهم بأنفسهم سواء في مناطق نزوحهم أو في حال عودتهم لمناطقهم الأصلية، هذه التقنيات ستؤمن مساكن لهم على المدى المتوسط وستحميهم لأن يكونوا أوراقاً في لعبة التجاذبات السياسية الدولية، خصوصاً أن تجارب إعادة الاعمار التي لا تخرج من صلب مشروع وطني، سوف تبقى بعيدة عن احتياجات المجتمع وعن بناء مشروع وطني حقيقي.

كل ذلك لن يتم دون وجود إرادات منفتحة ووطنية في الكيانات المدنية الحالية بدءاً من القاعدة وصولاً للهرم وبالعكس.

على هذه المنظمات التوصل لصيغ تنسيق، وتشكيل مجالس استشارية تحمل روئ وطنية واستراتيجية مستقبلية، وتعتمد على آخر ما توصل له العصر من تقنيات، والاستفادة من الخيرات السورية الحقيقية التي تم تغيبيها، إلى جانب تفعيل دور المجتمع بشكل حقيقي في البناء وليس الإبقاء على حالة العطالة والاعتماد على المساعدات الغذائية.

حلول تنجر على كامل المنطقة

ما يزال اليمن يرزح تحت حرب ضروس خلفت دمارا واسعا غير مسبوق في البنية التحتية، وفي لبنان دفع انفجار ميناء بيروت والذي كان نقطة تجارة دولية بدأت نشاطها قبل آلالاف السنين شرق المتوسط، بشكل متسارع لتعرية  فساد الطبقة الحاكمة بمختلف ألوانها، وكشف حجم الدمار الواسع والممنهج الذي أصاب قلب مؤسسات الدولة.

أما السودان السلة الغذائية للمنطقة العربية الذي يعاني منذ أيام من فيضانات تسببت بدمار آلالاف المنازل في الأرياف الزراعية التي تغفو على أطراف النيل العظيم.

وفي العراق المتربع على بحر من النفط، لم تفلح كل الجهود الدولية ومحاولات إعادة إعماره وبناء مؤسسات حقيقية خالية من فساد الطبقة السياسية الحاكمة.

جزء هام من بلاد العرب يرزح تحت ظروف تشبه الحالة السورية، و إن اختلفت أشكالها وشدتها، والمستقبل مفتوح على كل الاحتمالات في منطقة تقبع على صفيح ساخن، لذلك فالحلول المقترحة تنجر عليها، وعلى كل البلدان التي تعاني من أزمات وصراعات وكوارث في كرتنا الأرضية.

دلالات