"لليوم الثاني على التوالي"... تحضيرات الغضب

21 فبراير 2021
+ الخط -

"لليوم الثاني على التوالي".. هكذا استُهلت التغطيات الإخبارية لما يحدث في مصر يوم 26 يناير 2011. (على التوالي) هذا ما شعرنا أنه تجب المحافظة عليه، فما حدث بالأمس لا يصح أن ينتهي حتى يؤتي ثماره، خاصة بعدما وصلنا خبر استشهاد شاب في السويس، في هذا اليوم شعرت كأن ميادين الأمس ألقت بذور انتفاضة امتلأ بها برّ مصر، فمئات، بل يمكنك القول آلاف من الشباب يتحركون بدون ترتيب ولا تنظيم مسبق يبحثون عن مظاهرة أو ينطلقون في مظاهرة حتى لو كانت أعدادهم قليلة!

كانت آثار الأمس قد بدأت تتكشف، مجموعات من المتظاهرين استمرت في كر وفر واشتباكات مع قوات الأمن، من التحرير إلى ميدان عبد المنعم رياض وأمام نقابة الصحافيين وفي مدينة نصر والمهندسين والدقي وغيرها، لم تكسرهم ضربة الشرطة للميدان ولا إنهاك يوم 25 الطويل القاسي، حتى أنني أثناء وجودنا بمنطقة الدقي لتنفيذ بعض "المظاهرات الوهمية" التي اتفقنا عليها، فوجئت بـ"فتى المدرعة" الذي أسقط الجندي من فوق المدرعة بالأمس، يبحث، رغم إصابته، عن مظاهرة!

مجموعة شباب الإخوان

هذا اليوم كان بداية التئام مجموعتنا التي عرفت لاحقا بـ"مجموعة شباب الإخوان"، والتي بدأت تتشارك التفكير والتحرك وفق ما يمليه الواجب الوطني، بغض النظر عن الترتيبات الرسمية للجماعة.

كانت الجماعة قد اكتفت بالاتفاق على مظاهرات جمعة الغضب مع القوى السياسية، لكن ثمة مجموعات من شباب الجماعة كان تقييمها للموقف مختلفا وإدراكها لأهمية القيام بدور في المحافظة على حيوية الشارع وتوسيع نطاق المشاركة تحضيرا للجمعة، فبادر أغلبهم بالدعوة إلى أو المشاركة في مظاهرات صباح الأربعاء، ثم توافقنا على أهمية اللقاء والتفكير والعمل معا.

شارك في تحركات واجتماعات يومي الأربعاء والخميس عدد كبير، ليست فقط مجموعتنا التي كان البعض يسميها "الثقب الأسود"، بل من دوائر مختلفة داخل الإخوان كانت تثق بأفراد هذه المجموعة، التي تميزت بوعي سياسي وقدرة على التواصل فيما بينها وانفتاح على الحركات الشبابية الأخرى، وبنى أغلبهم خبرة معتبرة في العمل العام من خلال دورهم بالحركة الطلابية، وكانوا قبيل الثورة كوادر قيادية بقطاعات مختلفة بالجماعة، إضافة لتوزعهم الجغرافي على مناطق متعددة، ما وسّع دائرة تفاعلهم وتأثيرهم.. وقد أحصيت أكثر من 35 صديقا التقيتهم مباشرة، وكان لكل منهم دوائره، تعاونوا بشكل فريد خلال هذه الأيام وما بعدها، يحزنني أنني لا أستطيع ذكر أسمائهم جميعا هنا.

كان هذا القرار تهديد خطير لكل ما نتحدث حوله. فرغم حالة الغضب الذي تعبأت به أنحاء مصر، لكن يجب أن تكون هناك كتلة منظمة تأخذ زمام المبادرة وتحفز الناس على المشاركة وكسر حاجز الخوف..

كانت خلاصة نقاشنا خلال هذا اليوم: ضرورة المحافظة على ديمومة الحركة في الشارع خلال الأربعاء والخميس، لإنهاك قوات الأمن، وتكرار تجربة ناهيا في مظاهرات الأحياء الشعبية؛ وتقليل الخسائر قدر الإمكان، بإنهاء المظاهرات قبل وصول قوات الأمن واستخدام تكتيك المظاهرات الوهمية، وذلك (بالإعلان عن نقاط تظاهر من دون حدوث تجمعات فعلية)، وقد راقبت بنفسي عدة مرات قوات الأمن تمشط شوارع التحرير ومصدق في الدقي وأحمد عرابي وجامعة الدول العربية في المهندسين بحثا عن متظاهرين، ولا تجد.

اتفقنا على تنظيم مظاهرة في منطقة الطالبية بالهرم مساء الخميس، ولترتيب ذلك، التقيت صديقين من إخوان العمرانية، الملاصقة للطالبية، (أحمد الشوربجي وأحمد بهاء)، وأخبرتهما بأمر المظاهرة وأن هذا ليس تكليفا تنظيميا لكننا نحتاج مشاركة أكبر عدد ممكن من الشباب، وتواصل أحمد نزيلي مع مسؤول شعبة الطالبية ثم اجتمعنا مع مجموعة من الأصدقاء بالطالبية (م. س.) ووليد الحداد وعلي خفاجي، الذي رتب مع مسؤولي المنطقة دعم المظاهرة وتأمينها.

في الجمعية الوطنية للتغيير

عصر الخميس 27 يناير، حضرت اجتماع الجمعية الوطنية للتغيير بحزب الجبهة، نيابة عن د. محمد البلتاجي الذي كان سيمثل الإخوان لكنه لم يتمكن من الحضور لارتباطه باجتماع آخر. شارك في اجتماع الجمعية د. عبد الجليل مصطفى ود. أحمد دراج ود. أسامة الغزالي حرب، وأ. سكينة فؤاد وصلاح عدلي وياسر الهواري ومحمد صلاح وغيرهم، ونوقشت عدة أمور، منها:

- البيان الذي سيتم نشره والدعوة التي ستوجّه للجماهير للمشاركة في جمعة الغضب، والتغطية الإعلامية المطلوبة، وطلبوا من ممثل حزب الوفد أن يطلب من د. السيد البدوي، رئيس الحزب وقتها ومالك قناة الحياة، أن تقوم القناة بنشر البيان والدعوة، فكان تعليقه المازح لافتا: هبلغه.. لكن أنا خايف لو قلت له يبلغ عننا!

- كيفية التواصل في ظل قطع الاتصالات، وطرحت عدة بدائل، منها تخصيص أرقام الهاتف الأرضي في مقر حزب الجبهة كخط ساخن يتم التواصل من خلاله، وتزويده بتقارير ميدانية منتظمة على مدار اليوم من الجميع، وتخصيص شقة في ميدان التحرير أو في محيطه لتكون نقطة ارتكاز واتصال في حال الوصول إلى الميدان.

- المهام المطلوبة من كل مجموعة في ترتيبات الغد وخط السير، لكني أخبرتهم أن الشباب لديهم ترتيبات أخرى لهذه التفاصيل، فاتفقوا على نقطة التجمع الرئيسية لرموز القوى السياسية، والمهام المطلوبة من الإخوان.

- وكان أكثر الأمور حظا في النقاش ما يتعلق بالدكتور البرادعي، والمكان الذي سيصلي فيه وطرق تأمينه، وكان قد عاد إلى مصر الخميس والتقى ببعض ممثلي القوى السياسية.

كنا نعرف أن الجماعة تنتهج الإصلاح وأنها لن تبادر بالدخول في صدام مباشر وحاد مع السلطة وأنها لم تكن طرفا في دعوة لثورة عليه

اتفق في النهاية على تجمع الشخصيات العامة والرموز في مسجد الاستقامة بالجيزة، على ألا يعلن ذلك حتى لا يتعرض لخطر الاستهداف! لكننا قبل أن نغادر المقر رأيت تغريدة لأحد الأشخاص عن ذلك!

بعد الاجتماع، أبلغت د. البلتاجي بما تم الاتفاق عليه، وأن لدى الشباب ترتيب مختلف وتهمنا مشاركته، وأنني سأتواصل معه مساءً. كما نسّق محمد عباس ومعاذ عبد الكريم مع شباب الحركات السياسية، واتفق معهم على أن تقوم مجموعتنا بوضع خطة لنقاط التجمع وخطوط السير وإبلاغهم بها.

مظاهرة الطالبية.. بوادر الغضب وترتيباته

كان عددنا حين بدأنا المظاهرة من أمام الجمعية الطبية بالطالبية قرابة 50 شخصا، وبدأ عبد الرحمن هريدي بالهتاف (تحيا مصر)، ونسقت خط سير المظاهرة وتأمينها مع علي خفاجي وأحمد السيد وأحمد الشوربجي، ورحنا نتنقل بين حوارٍ ضيقة وشوارع مكتظة لنحو الساعتين وسط تفاعل فاق كل توقعاتنا، حتى وصلنا إلى شارع الهرم الرئيسي عند كايرو مول، وقد جاوز عدد المتظاهرين الألفين أغلبهم من سكان المنطقة، ووصلت إلينا أخبار أن هناك تجمعات للبلطجية وسيارات أمن مركزي في طريقها إلينا.. فألقى إسلام لطفي كلمة وأعلن انتهاء المظاهرة وأن موعدنا الغد في جمعة الغضب. لكن الناس لم يقبلوا بذلك، وصاروا يهتفون من تلقاء أنفسهم "المسيرة مستمرة، المسيرة مستمرة"، وعادوا للشوارع الداخلية، وعرفنا لاحقا أنهم استمروا حتى منتصف الليل ووصلوا إلى نقطة شرطة الطالبية واشتبكوا معها.

تجمعنا مساء في منزل القصاص بمنطقة فيصل، ثم حضر محمد عباس من اجتماعه مع شباب الحركات السياسية في المقطم. وبعد مناقشة عدة سيناريوهات واحتمالات، اتفقنا على ترتيب 4 نقاط تحرك أساسية، تستفيد من زخم الأيام الماضية، وتعتمد نفس التكتيك: البدء من الحواري والشوارع الفرعية، تلافي الشوارع الرئيسية ما أمكن حتى يكبر العدد ونتجنب الاشتباك المبكر مع الشرطة:

المسار الأول: البداية من حي الطالبية، مرورا بالعمرانية من شارع الثلاثين، ثم نعبر السكة الحديد من منطقة الجيزة بعيدا عن شارع الهرم الرئيسي – كوبري عباس، وصولا للتحرير، لتجنب منطقة السفارة الإسرائيلية ومديرية أمن الجيزة.

وهذا سيكون فيه من مجموعتنا محمد القصاص وعلي خفاجي وهاني محمود وأحمد عبد الجواد أحمد السيد و(ع.خ) و(ي.أ)، وآخرون.

المسار الثاني: من إمبابة (وهذا يوجد فيه سامح البرقي، إسلام لطفي، وعبد الرحمن هريدي ومحمد عباس، وشباب الحركات السياسية الآخرون).

المسار الثالث: المعادي من شارع أحمد زكي – مرورا بدار السلام – ثم حي مصر القديمة..

المسار الرابع: شبرا.. (سنطلب من د. محمد البلتاجي أن يتولى أمره).

واتفقنا على بعض تفاصيل خطوط السير البديلة. ثم ذهب محمد عباس إلى شباب الحركات السياسية لإبلاغهم والتنسيق معهم.

أزمة قرار الجماعة بخصوص جمعة الغضب

قبل أن ننهي اجتماعنا، عرفنا أن التكليف الذي صدر لقطاع القاهرة الكبرى هو: عمل وقفات احتجاجية محدودة أمام المساجد الكبرى في المدن عقب صلاة الجمعة وتنتهي مع صلاة العصر، وبعض المناطق تم تبليغها بالانصراف الساعة 5!!

كنا نعرف أن الجماعة تنتهج الإصلاح وأنها لن تبادر بالدخول في صدام مباشر وحاد مع السلطة، وأنها لم تكن طرفا في دعوة لثورة عليه، والتزمت حدود السقف المتاح للمعارضة، لكن أن نصل إلى هذا الموقف ويبقى العقل السياسي لقيادة الجماعة غير مدرك لطبيعة الوضع!

كان هذا القرار تهديد خطير لكل ما نتحدث حوله. فرغم حالة الغضب الذي تعبأت به أنحاء مصر، لكن يجب أن تكون هناك كتلة منظمة تأخذ زمام المبادرة وتحفز الناس على المشاركة وكسر حاجز الخوف.. وأصبحت لدينا الآن مشكلة كبرى في كيفية التعامل مع توابع هذا القرار الخطيرة..

مثلا.. كنا نعتمد في خطتنا أن "مسار المعادي" سيوجد فيه صديقنا د. محمد وليد ومجموعة من شباب الألتراس تساندهم مجموعة من الإخوان من مركز الصف، وبناء على تكليف مكتب الإرشاد، ذهب إخوان الصف جنوبا لعمل وقفة أمام مركز مدينة الصف! وظللت في اتصالات مع أحد المسؤولين هناك لإقناعه بمراجعة القرار وضرورة مشاركتهم بمظاهرة "المعادي"، وأن القرار لو تم تنفيذه هكذا بكل المناطق، فستتعرض خطة اليوم بأكملها لخطر بالغ!

كنا على مدار اليومين السابقين نقوم باتصالات وتحركات كثيفة، لا يسمح ضيق الوقت وحساسية الحدث أن نراعي فيها الاحتياطات الأمنية وتجنب الحديث على الهواتف التي تراقبها أجهزة الأمن، فقد كنا على قناعة بأننا نتحرك في خطوات واضحة لقلب نظام الحكم حتى لو كانت مظاهراتنا سلمية! فإذا لم نأخذ بكل أسباب نجاحها فسنكون جميعا على حبل المشنقة في اليوم التالي.

كان الوقت قد قارب منتصف ليل الخميس، فقررنا محاولة الوصول سريعا إلى بعض قيادات الإخوان لإقناعهم بتعديل القرار، أو على الأقل تأمين مجموعات للمشاركة في المظاهرات التي ستتحرك باتجاه التحرير.

ذهب صديقان إلى د. محمد البلتاجي الذي كان ينتظر ترتيباتنا، وطلبوا منه أن يكون في مظاهرات شبرا متجها للتحرير.

وذهب (أ.س) و (أ.ع) إلى الحاج السيد نزيلي، مسؤول مكتب إداري الجيزة، وغضب حين سمع التفاصيل لأن الوقت ضيق ولن يتمكن من الوصول إلى كل مسؤولي المناطق التابعين له، وقال "اللي تعرفوا توصلوا له من مسؤولي المناطق بلغوهم"، فذهبا لمسؤولي مناطق الطالبية وفيصل وميدان الرماية ورتبا معهم. ثم اعتقل الحاج السيد نزيلي بعد مغادرتهما بساعتين.

وذهبت أنا وعبد الرحمن هريدي إلى د. عصام العريان، لكن في الطريق أخبرني إسلام أن د. عصام اتصل به وأخبره أنه يتم اعتقاله، فاتصلت بصديقي ليخبر د. البلتاجي بحركة الاعتقالات ليغادر البيت تحسبا، وحسب ما عرفت لاحقا، فقد داهمت الشرطة بيته بعد مغادرته بقليل.
ثم ذهب مصعب الجمال وعبد الرحمن هريدي وإسلام لطفي إلى د. حلمي الجزار، مسؤول مكتب إداري أكتوبر، حيث كان إخوان مدينة 6 أكتوبر سيعملون وقفة أمام مسجد الحصري، فأخبره الشباب بالتفاصيل وأن عدم الحشد في العاصمة سيسهل على الأمن قمع الحركة، حتى إن عبد الرحمن هريدي قال: يا دكتور البلد بتغلي والإخوان هيصلوا في الصحرا؟! وفي النهاية وافق د. حلمي على أن نتواصل مع مسؤولي شعبتين ومحاولة إقناعهم بالمشاركة في مظاهرات الطالبية وإمبابة.

دلالات