18 شهراً من عمل البرلمان المصري: مخالفات قانونية بالجملة

07 يوليو 2017
الصورة
أوقف عبد العال البث المباشر للجلسات (العربي الجديد)
508 مشاريع قانون، و68 اتفاقية دولية، و15 قراراً جمهورياً، تلك كانت حصيلة مجلس النواب المصري، خلال أقل من عام ونصف العام، في أعلى معدل لتمرير التشريعات في تاريخ مصر النيابي، بمعدل تشريع واحد على الأقل كل يوم، من دون احتساب أيام الإجازات، إذ ينعقد البرلمان الحالي ثلاثة أيام فقط كل أسبوعين.
وفض المجلس النيابي دور انعقاده الثاني، أمس الأول الأربعاء، ليعاود الانعقاد في الأسبوع الأول من أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، بعد أن مرر حزمة كبيرة من التشريعات خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، شملت تمديد حالة الطوارئ، وتشديد عقوبات زرع الأعضاء البشرية، ومشاريع قوانين الموازنة الجديدة (2017/ 2018)، وسط انتقادات لآلية عمله وتوسعه في مخالفة الدستور.

ووافق البرلمان على مشروع موازنته السنوية، بدءاً من أول يوليو/ تموز الحالي، وقدّر باب الأجور والتعويضات بنحو 803.5 ملايين جنيه (نحو 45 مليون دولار)، وشراء السلع والخدمات بقيمة 500 مليون (نحو 28 مليون دولار)، وشراء الأصول غير المالية بواقع 80 مليوناً، بإجمالي مليار و300 مليون جنيه (نحو 73 مليون دولار)، بزيادة بلغت 303 ملايين جنيه عن الموازنة السابقة، خُصص الجانب الأكبر منها لصالح بند الأجور (بدلات النواب).

وأقر البرلمان إلغاء الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات بحلول العام 2024، بقانون الهيئة الوطنية للانتخابات، واعتبار المفقود ميتاً بعد شهر واحد من تاريخ فقده، بقانون الأحوال الشخصية، فضلاً عن قوانين تشكيل المجلس القومي لحقوق الإنسان، وإشراك القطاع الخاص في تسويق الغاز الطبيعي، والترخيص لوزير البترول بالتعاقد مع شركات أجنبية للبحث عن البترول في مناطق الصحراء الغربية وخليج السويس.
كما وافق على اتفاق لتسيير خطوط جوية منتظمة بين مصر والمجر، وقرض ومنحة ميسرين بإجمالي 60 مليون يورو، مقدّمين من الوكالة الفرنسية للتنمية، لدعم الرعاية الصحية الأولية، ومنحة 100 ألف دينار كويتي من الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية، لتمويل مشروع المحاصيل الزيتية بمحافظة شمال سيناء.

تشريعات الرئيس
ووافق البرلمان على 341 قراراً بقانون، أصدرها رئيس الجمهورية (عبد الفتاح السيسي/ عدلي منصور) في غيابه، خلال الخمسة عشر يوماً الأولى من تاريخ انعقاده في العاشر من يناير/ كانون الثاني 2016، فيما رفض قانوناً وحيداً (الخدمة المدنية)، ووافق عليه لاحقاً، بعد إدخال تعديلات محدودة. وضمت حزمة التشريعات الرئاسية عدداً من مشاريع القوانين سيئة السمعة، من دون مناقشة مجتمعية، مثل قانون تقييد حق التظاهر، وتحصين العقود التي تكون الدولة طرفاً فيها، ومنح رئيس الجمهورية حق عزل رؤساء الأجهزة الرقابية، وجواز تسليم المتهمين الأجانب إلى بلادهم في أي من مراحل التقاضي، وقوائم الكيانات الإرهابية.

ومرر البرلمان 82 مشروع قانون، و27 اتفاقية دولية (منح/ قروض)، خلال دور انعقاده الأول، و85 مشروع قانون، و41 اتفاقية دولية حتى نهاية مايو/ أيار الماضي في دور انعقاده الثاني، علاوة على تمرير 15 قراراً رئاسياً في الدورين، ارتبطت في أغلبها بفرض ومد حالة الطوارئ في بعض مناطق شمال سيناء، لتمتد إلى كل أرجاء البلاد حتى العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.
ويُنذر مد حالة الطوارئ بتكرار سيناريو فرضها في شمال سيناء منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2014، عقب هجوم مزدوج أدى لمقتل نحو 30 جندياً، إذ يتحايل نظام السيسي على الدستور، بإعلان الطوارئ لثلاثة أشهر، ومدها لمدة مماثلة، ليفوت يوماً واحداً، ويفرض الطوارئ في إعلان جديد لستة أشهر أخرى.

قوانين الحكومة
لم يرفض مجلس النواب أي مشروع قانون مقدّم من الحكومة، على مدار ثمانية عشر شهراً كاملة، وتمثلت أبرزها في تعديلات قوانين الإجراءات الجنائية، والرياضة، والاستثمار، والضريبة على الدخل والدمغة، وتعويضات عقود المقاولين، والتوسع في اختصاصات اللجان القضائية للجيش.
ومن خلال أذرع "الاستخبارات" داخل البرلمان، مرر الأخير عدداً من التشريعات المرفوضة على المستويين المحلي والدولي، بواسطة بعض النواب، مثل قانون منح السيسي حق اختيار رؤساء الهيئات القضائية، وتقييد عمل الجمعيات الأهلية، المقدّمين من عضوي ائتلاف الغالبية "دعم مصر"، أحمد حلمي الشريف، وعبد الهادي القصبي، على الترتيب.

غلق المجال العام
واعتبرت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، مطلع يونيو/ حزيران الماضي، أن قانون الجمعيات الأهلية "زاد من تقييد مجال رصد حقوق الإنسان، والإبلاغ عن الانتهاكات من قبل المنظمات غير الحكومية"، مؤكدة أن "المدافعين عن حقوق الإنسان باتوا أكثر عرضة للانتقام من السلطات المصرية، في ظل القيود المفروضة على حرية التعبير، وحجب ما يزيد عن 21 موقعاً إخبارياً على شبكة الإنترنت".
واستهدف البرلمان، بتمرير قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام، في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، إحكام السيطرة على الصحف والمواقع الإلكترونية، بتشديد عقوبات النشر بها، ووضَع قيوداً مشددة على إنشائها ومنحها التراخيص، في مخالفة للمادة 72 من الدستور، التي ألزمت الدولة "بضمان استقلال المؤسسات الصحافية، ووسائل الإعلام، بما يكفل حيادها وتعبيرها عن كل الآراء والاتجاهات السياسية والفكرية".

اتفاقية الجزيرتين
وجاءت الموافقة على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، التي تقضي بتنازل القاهرة عن جزيرتي تيران وصنافير للرياض، في 14 يونيو/ حزيران الماضي، لتُسقط شرعية المجلس النيابي، بحسب ما رأى العديد من القوى السياسية والحزبية، بعد أن ضرب الأخير عرض الحائط بأحكام القضاء الإداري، والمحكمة الإدارية العليا، ببطلان توقيع الحكومة على الاتفاقية.
وتهرّب نواب "سعودية الجزيرتين" من التواجد في دوائرهم، خلال الفترة الماضية خوفاً من مواجهة ناخبيهم، على خلفية "قوائم العار" التي انتشرت بأسمائهم على مواقع التواصل الاجتماعي، في وقت منحت فيه السفارة السعودية في القاهرة 1800 تأشيرة حج إلى البرلمان، بواقع 3 تأشيرات لكل نائب، لتوزيعها على ذويهم ومعارفهم.
واتهم تكتل (25-30)، ممثل الأقلية في البرلمان، النظام الحاكم بـ"العصف بالحريات، وتأميم الإعلام، وسحق دولة القانون، وتجميد الدستور، وتحويله إلى مجرد ورقات"، مؤكداً أن التفريط في جزء من الأرض المصرية بالتنازل عن الجزيرتين "أحدث جرحاً غائراً، لن يبرأ بسهولة، في وجدان كل المصريين".


موازنتان غير دستوريتين

وأقر البرلمان موازنتين غير دستوريتين، عن العامين الماليين 2016/ 2017، و2017/ 2018، بعد أن اقتص النظام من المخصصات الدستورية لبنود التعليم والصحة لصالح قطاعات الأمن، وخالف مواد الدستور أرقام 18 و19 و21 و23، للعام الثاني على التوالي، بشأن تخصيص نسبة 10 في المائة من الناتج القومي الإجمالي لقطاعات الصحة، والتعليم، والتعليم العالي، والبحث العلمي.

وارتفع العجز في الموازنة المصرية الجديدة إلى 370 مليار جنيه (نحو 23 مليار دولار)، مقارنة بنحو 319 مليار جنيه في الموازنة السابقة، وقفزت فوائد الديون من 304 مليارات جنيه إلى 381 ملياراً، في حين قُدّرت خسائر الهيئات الاقتصادية بإجمالي 69 مليار جنيه، وهي الهادفة للربح في الأساس، ومن أهمها: العامة للبترول، والسكك الحديدية، واتحاد الإذاعة والتلفزيون (ماسبيرو).

إملاءات الصندوق
ويتجه النظام المصري نحو خفض الدعم المقدّم للمواطنين على رغيف الخبز، خلال الأيام القليلة المقبلة، في إطار ما يُسمى ببرنامج "الإصلاح الاقتصادي"، تمهيداً لتسلم الشريحة الثانية (المتأخرة) من قرض صندوق النقد الدولي، الذي فرض على القاهرة شروطاً متعلقة بتحرير الدعم كلياً عن الوقود والكهرباء بحلول العام 2019، ويدفع المصريون ثمنها غالياً في الوقت الراهن.
وفجّر قرار الحكومة برفع أسعار المحروقات بنسب تجاوزت 50 في المائة، رضوخاً لإملاءات صندوق النقد، حالة من الغضب لدى قطاع عريض من المواطنين، والقوى السياسية المعارضة، عشية الذكرى الرابعة لتظاهرات 30 يونيو/ حزيران 2013، وما خلّفه القرار من تداعيات على محدودي الدخل، من خلال ارتفاع أسعار كل السلع والخدمات.
ومثّل اتفاق صندوق النقد، البالغ 12 مليار دولار على ثلاث سنوات، انتهاكاً صارخاً للدستور، إذ صرفت الحكومة الشريحة الأولى منه في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بقيمة 2.75 مليار دولار، من دون عرض الاتفاق على البرلمان، على الرغم من أن المادة 127 تنص على أنه "لا يجوز للسلطة التنفيذية الاقتراض، أو الحصول على تمويل، أو الارتباط بمشروع غير مُدرج في الموازنة العامة المعتمدة، إلا بعد موافقة مجلس النواب".

مخالفات بالجملة
وتوسع مجلس النواب في مخالفة الدستور، الذي شارك بعض نوابه في وضعه، إذ أوقف رئيسه، علي عبد العال، بث الجلسات المباشر فور انتخابه، على الرغم من نص الدستور على علانية الجلسات، ورفض الاستجابة لملاحظات مجلس الدولة بشأن مخالفة لائحته الداخلية للدستور، بعدما أدرج موازنته رقماً واحداً في الموازنة العامة، لعدم إخضاعها لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات.
ولم يلتزم القطاع العريض من النواب بتقديم إقرارات الذمة المالية عند شغل عضويتهم، أو احترام نصوص الدستور بشأن التفرغ للعمل النيابي، إذ تُسيطر شريحة رجال الأعمال على مقاعد البرلمان، الذين جاؤوا من خلال شراء أصوات الناخبين، بحسب ما رصدته منظمات مجتمع مدني في الانتخابات الماضية.

تعطيل الاستجوابات
وفي سابقة نيابية، لم يناقش برلمان النظام أي استجواب ضد رئيس الحكومة، شريف إسماعيل، أو أحد وزرائه، لمساءلتهم أو محاسبتهم خلال دورين كاملين للانعقاد، في مخالفة للمادة 130 من الدستور، التي أوجبت مناقشة الاستجواب خلال 7 أيام من تاريخ تقديمه، وبحد أقصى 60 يوماً، لكن عبد العال عمد إلى تعطيل استجوابات النواب بحق وزراء التعليم والصحة والزراعة والتموين.
كما ناقش البرلمان قانون الخدمة المدنية، الذي ينظم شؤون العاملين في جهاز الدولة الإداري، بعد رفضه وإعادته من الحكومة مرة أخرى، بذات دور الانعقاد، بشكل مخالف للمادة 122 من الدستور، التي نصت على "عدم جواز تقديم كل مشروع قانون أو اقتراح بقانون رفضه المجلس، ثانية، في دور الانعقاد نفسه".
وعمد رئيس البرلمان إلى عدم تنفيذ الحكم الصادر في يوليو/ تموز 2016 من محكمة النقض (الأعلى في مصر)، التي اختصتها المادة 107 من الدستور بالفصل في صحة عضوية النواب، ببطلان عضوية النائب أحمد مرتضى منصور، وتصعيد منافسه عمرو الشوبكي بدلاً منه، بعد إعادة المحكمة لفرز أصوات جولة الإعادة عن إحدى دوائر محافظة الجيزة.

تغييب المحليات

كما خالف البرلمان المادة 241 من الدستور، صراحة، بعدما أنهى دور انعقاده الأول من دون إصدار قانون للعدالة الانتقالية، إضافة إلى أغلب التشريعات المكمّلة للدستور، ومن أهمها قانون الإدارة المحلية، الذي جُمد في الأدراج بتعليمات رئاسية، لإرجاء الانتخابات المحلية في المحافظات إلى أجل غير مسمى.
وكان المجلس النيابي قد أنهى دور انعقاده الأول بمخالفة دستورية، تمثّلت في عدم التزامه بمواعيد دور الانعقاد، وفق المادة 115 من الدستور، التي نصت على "استمرار دور الانعقاد العادي لمدة تسعة أشهر على الأقل"، في حين فض البرلمان دوره التشريعي الأول نهاية أغسطس/ آب 2016، بعد سبعة أشهر وأحد عشر يوماً فقط من انعقاده.