ياسين عبد الجبّار... طبيب جزائري في مخيّمات الروهينغا من أجل الإنسانية

30 مايو 2019
الصورة
خلال عمله في مخيم للروهينغا (العربي الجديد)
+ الخط -

أراد الطبيب الجزائريّ الشاب ياسين عبد الجبّار أن يمارس مهنته كطبيب بما تحمله من إنسانية. توجه نحو مخيّمات اللّاجئين الروهينغا في بنغلادش متحدياً مخاطر كثيرة رصدتها "العربي الجديد" في هذا التقرير.

أكثر ما يشدّني في الطبيب الجزائري ياسين عبد الجبّار (1990) أنّه لا يكتفي بالالتزام بالعيادة حيث يستقبل مرضاه مثلما يفعل قطاع واسع من ممارسي مهنة الطب الجزائريّين البالغ عددهم نحو 80 ألفاً، بحسب وثيقة لوزارة الصحة والسكّان وإصلاح المستشفيات في عام 2015، بل يربط ممارسة الطب الذي درسه في أكثر من جامعة جزائريّة، بممارسة نشاطات خيريّة وإنسانيّة تستفيد منها الطبقات الهشّة من جهة، وممارسة نشاط نقابي يستفيد منه زملاؤه من جهة ثانية.

في مطلع العام الجاري، شدّ ياسين عبد الجبّار الرحال إلى أقصى الجنوب الجزائري ضمن قافلة إنسانيّة، وعالج العشرات من الأطفال والنساء والمسنّين، في ظلّ نقص الاهتمام الصحّي بهذه المناطق، التي تبعد عن الجزائر العاصمة 3000 كيلومتراً. لم يكتفِ بذلك، بل رصد الأمراض المنتشرة فيها والسلوك العلاجي لسكّانها ومدى إمكانية وصول العدوى إلى مناطق أخرى في البلاد، حتّى تستفيد من تلك المعطيات الجهات المعنيّة بالصحة العمومية فيها.

يقول لـ "العربي الجديد" إنّ مهنة الطب ارتبطت تاريخيّاً بالنبل. "من أنبل ممّن يعيد الحياة إلى الناس؟ لا يمكننا أن ندرك ذلك إلّا إذا قسناه عكسيّاً على القاتل، الذي يسلب منهم الحياة". من هنا، يرى ياسين عبد الجبّار أنّ اكتفاء الطبيب بفعل العلاج المجرّد من أي أعمال خيريّة وإنسانيّة وتطوعيّة مرافقة، تجعل تأثيره محصوراً. ويسأل: "لقد أصبحنا بفعل الفتوحات العلميّة والتكنولوجيّة الحديثة نستطيع أن نستعين بروبوتات في عمليّات جراحيّة دقيقة. فما الفرق بينها وبين الطبيب القابع في عيادته"؟

نحو مخيّمات الأحزان

يقول الطبيب الجزائريّ لـ "العربي الجديد": "تجنّبت أن أشاهد الصور والفيديوهات التي كانت تبثّها تلفزيونات العالم ومواقع التواصل الاجتماعيّ، حين بدأت مجازر جيش حكومة ميانمار بحقّ مسلمي الروهينغا في عام 2017، لأنّني توقّعت من خلال قراءاتي أن تكون موجعة. ثم قرّرت في لحظة ما أن أشاهد بعضها، فأحسست بتأنيب ضمير كبير ورحت أسأل نفسي: هل يحقّ لي أن أحتفظ بصفة طبيب، إذا لم أسخّرها في خدمة هؤلاء؟".

ظلّ ذلك السؤال يُطارد الطبيب على مدار سنتين، إلى أن اتصل به الناشط محمد كريم درّاجي، الذي يرأس الجمعيّة الإنسانيّة الفرنسيّة "نحبّكم"، سائلاً إياه السفر إلى مخيّمات الروهينغا في بنغلادش، تحت مظلّة الجمعية، فلم يتردّد وأبدى موافقته. يقول: "لم أشأ أن أفوّت فرصة تحرّرني من الإحساس بالذنب حيال بشر أعطاهم العالم ظهره، على الرغم من أنّ شعوبه وحكوماته ومنظّماته أجمعوا على أنّهم مظلومون، وقد صنّفتهم الأمم المتحدة في صدارة الأقلّيات المعرّضة للاضطهاد".

يتحدّث ياسن عبد الجبّار عن اللحظات التّي قرّر فيها السّفر. "تعمّدت أن أخفي سفري إلى مخيّمات الروهينغا عن محيطي الصغير، حتّى لا يُثبّطوا عزيمتي بتخوّفاتهم، فقد رسخت في الأذهان صور القتل والاغتصاب والدمار التي تابعها الجميع في الجزائر من زاوية إنسانيّة ومن زاوية أنّ الضحايا مسلمون. أمّا مخاوفي الشخصيّة، فقد تغلّبت عليها بالتأكيد. الطبيب الحقيقيّ يمتصّ خوف الآخرين ولا يمارسه هو".



لم أشأ أن أفوّت فرصة تحرّرني من الإحساس بالذنب حيال بشر أعطاهم العالم ظهره (العربي الجديد)


طريق الخوف

اشترى ياسين تذكرة سفر من الجزائر العاصمة إلى الدوحة، بصفته سائحاً، ومنها إلى العاصمة البنغالية دكّا، ليجد نفسه في قبضة رجال الأمن، الذين لم يقتنعوا بأن يختار جزائريّ بنغلادش وجهة سياحيّة له في شهر الصيام. "جمعت كل قواي ومواهبي لأجل إقناعهم ببراءة رحلتي، حتّى لا يعيدوني في الطائرة نفسها، فأخسر حلم الوصول إلى من هم في حاجة إليّ على الحدود مع ميانمار، من غير الكشف عن وجهتي الحقيقيّة لأنّهم كانوا يمنعون وصول المتطوعين إلى مخيّمات اللاجئين لدواعٍ أمنيّة كما يقولون".

قبل رجال الأمن البنغال أن يسمحوا لي بالدخول، يقول عبد الجبّار، فأفرحني ذلك كثيراً. ووجدت ناشطاً روهينغيّاً في انتظاري، فمكثت عنده يومين في العاصمة دكّا، ثمّ سافرنا جوّاً إلى الجنوب الشرقيّ، حيث التقينا بناشطي الجمعيّة الفرنسيّة التي اشترت مائة طنّ من المساعدات الغذائيّة والطبيّة، وأجرت اتصالات معقّدة مع مجموعة من الجهات لتوصلنا إلى مخيّم كوتيبالونغ، الذّي يُعد من أكبر المخيّمات في العالم، ويضمّ قرابة مليون لاجئ روهينغي، هو أصلاً عدد هذه الأقلّيّة المقهورة".

خلال تواجده في المدينة الجنوبيّة سمع الطبيب الجزائريّ أنّ الجيش البنغاليّ لا يتساهل مع القوافل الإنسانيّة. فهو يُصادر مؤنها ويحتجز أفرادها، إذ لا يتعامل مع غير القوافل التابعة لإحدى منظّمات الأمم المتّحدة. "كان علينا أن نسلك طريقاً غير معتمد، لا تكمن خطورته في كونه غابيّاً ووعراً فقط، بل أيضاً في كونه مقصوداً من لصوص يتولون السطو على القوافل الإنسانيّة والتجاريّة، وهؤلاء لا يتوانون عن قتل من يُقاومهم". يضيف: "لم أفكّر في إمكانيّة أن أموت، وأنا أخوض ذلك الطريق، بل في الوصول لإنقاذ البشر من الموت". يتدارك: "هذا لا يعني أنّني لم أخف، لكنّ إيماني بمسعاي النبيل كان أقوى".



مقبرة الأحياء

وصلت القافلة إلى المخيّم، فلعب الناشط الروهينغي، الذي كان وجهاً معروفاً لدى الجيش البنغاليّ، دوراً حاسماً في دخولها إلى المخيّم، الذي يصفه الطبيب الجزائريّ بـ "المقبرة الكبيرة التّي تضمّ الأحياء"، لشدّة اكتظاظه وكثرة مظاهر البؤس والحاجة فيه.

لم تكن المؤن كافية إلّا لألفي عائلة. ولم تكن جهود الطبيب الجزائري، الذّي أدهشته ندرة الأطبّاء والمسعفين في المخيّم، كافية لكلّ المقيمين فيه، "فوقعت في صراع مع الزمن. من جهة، كان لا بدّ أن أمنح لكلِّ مريض الوقت الكافي، ومن جهة أخرى كان لا بدّ أن أربح الوقت لأعالج أكبر عدد من المرضى".

ما صعّب مهمّة ياسين عبد الجبّار أنّه كان يتلقّى توسلات المرضى بأن يعاينهم، إذ يوجد منهم من انتظر العلاج شهوراً، حتّى تمكّن المرض منه، ومنهم تمّت معاينته، لكنّه لم يحظ بالدواء، "فكنت ألجأ في كثير من الأحيان إلى العلاج النفسيّ أكثر من العلاج الجسديّ، ممّا وطّد العلاقة الإنسانيّة والعاطفيّة بيني وبينهم".


حالات موجعة

شبّه محدّث "العربي الجديد" مخيّم اللّاجئين الروهينغا بمحشر السيّارات المعطوبة، إذ من النّادر أن نجد فيه أسرة كاملة الأفراد. بعضها لم يبق منها إلّا فرد أو إثنان. وإذا حدث أن كان الناجون أطفالاً صغاراً، فهم يعانون مشاكل نفسيّة وقد رؤوا عائلاتهم تُغتصب ثمّ تُحرق من قبل جيش حكومة ميانمار.

تغلب الملامح الباكية على وجوه من في المخيّم على الملامح الضحوكة أو المبتسمة، بحسب الطبيب الجزائري المتطوّع. ويميل اللّاجئ إلى سرد ما وقع له لكلِّ من يصادفه، كنوع من التطهير النفسي. يقول: "جعلت الفتاة التي خسرت أخاها تراني أخاً. والعجوز التي خسرت ابنها تراني ولدها. والابن الذي خسر أباه يراني والدَه".

يقول الطبيب الجزائريّ الشاب لـ "العربي الجديد" إنّه ينوي أن يكتب مشاهداته ومعايناته وتأمّلاته خلال هذه الرّحلة، في كتاب يعمل على ترجمته إلى أكثر من لغة، حتّى يُساهم في لفت انتباه الضّمائر الحيّة في المجتمع الدولي إلى مآسي مسلمي أقليّة الرّوهينغا، التّي لم تنتهِ بوصولهم إلى المخيّمات خلف حدود النار.



وبحسب التقرير العالمي الصادر عن "هيومن رايتس ووتش"، فقد فرّ أكثر من 14 ألفاً و500 من الروهينغا إلى بنغلادش بين يناير/ كانون الثاني ونوفمبر/ تشرين الثاني عام 2018، هرباً من الاضطهاد والعنف المستمرين في ميانمار، لينضموا إلى نحو مليون آخرين فروا في عام 2017 والسنوات السابقة في مخيمات مؤقتة ومكتظة.

وتعتبر الأوضاع سيئة بالنسبة لنحو 600 ألف من الروهينغا الذين ما زالوا في ولاية راخين. وأفاد لاجئون وصلوا إلى بنغلادش في عام 2018 عن استمرار انتهاكات قوات الأمن في ميانمار، بما فيها عمليات القتل وحرق المباني المتعمّد والإخفاء القسري والابتزاز والقيود الشديدة على الحركة ونقص الغذاء والرعاية الصحية.