وقفة مع أحمد المغربي

13 أكتوبر 2019
الصورة
(أحمد المغربي)
+ الخط -

تقف هذه الزاوية مع مبدع عربي في أسئلة سريعة حول انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته مع قرّائه. "لا تريد الرأسمالية المتوحّشة فرداً واعياً وقوياً. إنها تحاول التخفّف من البشر بالحروب والأمراض"، يقول الكاتب والمخرج الأردني.


■ ما الذي يشغلك هذه الأيام؟

- حقيقةً، ليسَ تمحّكاً بالقضايا الكبرى، لكن لا يستطيع الإنسان العربي عموماً، وساكنو بلاد الشام على وجه الخصوص، الفكاك من الانشغال بهموم هي من اختصاص مجلس الأمن الدولي! لكنها صارت بالنسبة إلينا بمثابة خبزنا اليومي، فنحن نكاد نرى الحروب من شبابيك بيوتنا. وإن كنا في عَمّان في منأى نسبياً عن ذلك بشكل مباشر، لكن ما يحدث في الجوار ينعكس علينا ولا نستطيع الانفصال عن محيطنا القريب جداً، فما خاضته المنطقة العربية في العقد الأخير كان كابوساً عبثياً جعلنا مرهقين ومشغولين به على الدوام، وبمتابعة تطوّراته... أرهقتنا الحروب والأحلام الفاشلة ومعاناة الرازحين تحتها، وأتمنّى أن تنتهي هذه التراجيديا.


■ ما هو آخر عمل صدر لك وما هو عملك القادم؟

- آخر عملٍ لي هو مسلسل "العاشق" الذي كان من تأليفي، وقد عُرض في رمضان الفائت، وهو مسلسلٌ تاريخي عن سيرة المتصوّف الشهير الحسين بن منصور الحلاج، والذي أدّى شخصيتَه الفنان السوري غسان مسعود، وقد بثّته عدد من الفضائيات العربية. أمّا العمل القادم، فهناك مشروع مسرحي أعمل على تجهيزه منذ فترة، وأيضاً هناك مشروع تلفزيوني جارٍ التحضير له أرجو أن أُوفَّق في إنجازهما.


■ هل أنت راضٍ عن إنتاجك ولماذا؟

- في عملنا ليس رضاي هو ما يُشكّل فارقاً، وإن كان أساسياً على نحو ما، لكن رضا المشاهدين ومن تابع ما قمنا بتقديمه هو المفصلي والمهم في هذه الحالة، فالأثر الإيجابي عند المشاهد ومن تابع العمل هو ما يبعث الرضا في نفس المشتغل في الفن. وضمن هذا المقياس، فإنني أظن أن مسلسل "الحلاج" قد أحرز بعض الاهتمام وأثار نوعاً من الجدل، ولا أريد أن أضيف أكثر، فأبدو كمن يدلّل على بضاعته!

لكن في ما يتعلّق برضاي الشخصي، أظن أن الرضا لا يستقيم مع الحاجة إلى التطوّر والبحث والتجاوز في الفن، فالرضا بطبيعته يبعث على الاطمئنان والاسترخاء، وبالتالي الجمود، وهذا منافٍ لضروريات العمل في الفن. لذلك أميل للنقد الذاتي وعدم الرضا، فدائماً هناك ما هو أفضل وعليك مقاربته ومحاولة هضمه ودراسته لرفع سوية عملك والتطوّر فيه.


■ لو قُيّض لك البدء من جديد، أي مسار كنت ستختار؟

- لا أرغب أو أقوى على البدء من جديد. أيّاً كان المسار المقترح، شكراً عريضةٌ سأردّ بها على صاحب هذه المعجزة الكبيرة إن حدثت.


■ ما هو التغيير الذي تنتظره أو تريده في العالم؟

- بالتأكيد لن يحدث تغيير كبير أو مأمول في هذا العالم، على الأقل في المنظور القريب، طالما أن معظم الناس ينتظرون التغيير ولا أحد يعمل أو يسعى إليه. ما أطمح لأن يتغيّر هي تلك المنظومة العالمية الجائرة، والتي يزداد فتكها بالأفراد والجماعات يوماً بعد يوم. العالم توحّش، والعديد من القضايا العادلة يدير لها ظهره، حتى قيم العدالة والمساواة والحرية باتت تنحسر حتى في الغرب. الدولة الوطنية، بالمعنى التقليدي، تراجعت وتفكّكت لصالح الشركات العابرة للحدود، وجرى إغراق الدول النامية بالفساد والمديونية، وأصبحت الصناديق الدولية هي من تتحكّم في هذه الدولة أو تلك، مستهدفةً الغذاء والدواء والصحة والتعليم.

الرأسمالية المتوحّشة لا تريد فرداً واعياً قوياً يفكر ويتفاعل، بل تريد أدوات جاهلة مُعتلّة. كل البرامج التي تشرف عليها تلك المؤسسات المُقرضة تسعى إلى فرض سيادتها بهدف صناعة المواطن العالمي الأكثر جهلاً ومرضاً وجوعاً. يريدوننا آلاتٍ أو أدوات إذا أحسنّا الظن بهم، وإذا أردنا الغلو بالتأويل فربما قد ضاق ذرع الأسياد بقوافل الفقراء وأصحاب الفاقة، يريدون الفتك بالمزيد والمزيد من البشر... يريدون التخفّف منهم بالأمراض الفتّاكة والحروب.


■ شخصية من الماضي تودّ لقاءها، ولماذا هي بالذات؟

- ربما طمحت إلى ملاقاة شخصيات من الخيال أكثر من شخصيات الماضي، دون كيشوت مثلاً شخصية لافتة، لكن لا أدري إن كنت سأقدّره حق قدره. لو كان دون كيشوت جار شقتي في العمارة التي أسكنها، أظنه سيكون مُزعجاً، وربما استخدم السطح بكثرة لمقارعة طواحين الساتلايت! على كل حال، هو شخصية فذّه تَوهّم أنه فارس في زمن ولّت فيه الفروسية، صورة قاسية، وأظن أن هذه الشخصية من الخيال هي أكبر هجاء ساخر ومحكَم في وجه هذا العالم الذي بات لا يتحمّل الفروسية والنُبل.

لكن اسمح لي أن أضيف أمراً في ما يتعلّق بشخصيات الماضي، أظنّ أننا كعرب قد نُكبنا مراراً بسبب هذه النوستالجيا إلى الماضي وشخصياته، لذلك أجدني متحفّظاً تجاه هذا الأمر. أحبّذ رفع غلالة الحنين تلك عن شخصيات الماضي ومحاولة مقاربتها بموضوعية ودون مبالغة وأسطرة، وربما هي فوبيا الماضوية أو عبادة الماضي... لا أدري.


■ صديق يخطر على بالك أو كتاب تعود إليه دائماً؟

- الصديق الذي يخطر على بالي هو نفسُه لم يتغيّر منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ مقاعد الدراسة، "منذ الكرسي والطاولة، منذ الماء في مكانه"، كما يقول الشاعر قاسم حداد. إنه صديق عزيز عليَّ هو فايز السعود. أمّا الكتاب الذي أعود إليه، فهناك عدد منها: "جاك الممتثل للقدر"، وأيضاً "المراقبة والمعاقبة"، و"خفة الكائن التي لا تحتمل"، و"أحد عشر كوكباً".


■ ماذا تقرأ الآن؟

- أقرأ رواية لـ بول أوستر بعنوان "صانست بارك"، وأيضاً أعيد قراءة كتاب آخر له بعنوان "ثلاثية نيويورك" كنت قد قرأته منذ سنوات طويلة.


■ ماذا تسمع الآن، وهل تقترح علينا تجربة غنائية أو موسيقية يمكننا أن نشاركك سماعها؟

- أتابع الجديد في عالم الموسيقى البديلة بقدر معرفتي واستطاعتي، وأظن أن هناك الكثير من الفرق الموسيقية العربية لشبّان بدأوا بتمويل ذاتي استطاعت أن تترك أثراً جيداً وانتشاراً لافتاً، أذكر منها "مسار إجباري" و"عمدان النور" و"شرموفر" وغيرها الكثير من الفرق التي تقدّم موسيقى جيدة.

بعيداً عن هذا، تبقى تجربة زياد الرحباني ذات أثر عميق واستثنائي على تفضيلاتي الموسيقية، وعموماً تجربته مع فيروز في الألبومات الأخيرة هي الأقرب إلى قلبي. أمّا بخصوص ما أود مشاركتكم به، فهي أغنية "سيرة الأراغوز" لفرقة "عمدان النور"، وهي من أكثر ما أحببت الاستماع إليه في الفترة الأخيرة.


بطاقة

أحمد المغربي كاتب سيناريو ومخرج من مواليد دمشق عام 1975، حاصل على شهادة البكالوريوس في الإخراج والتمثيل المسرحي من "جامعة اليرموك" في الأردن عام 1999. كتب العديد من الأعمال التلفزيونية؛ من بينها: مسلسلا "العاشق: صراع الجواري" (2019)، و"طوق الإسفلت" (2014)، وفيلم "وجوه محرّمة" (2018). كتب وأعدّ وأخرج عدداً من الأعمال المسرحية؛ من بينها: "سيرة ذاتية" (الصورة)، و"No Good"، و"الشجرة المقدّسة".

دلالات

المساهمون