وفاة شابة فلسطينية بظروف غامضة تتحول لقضية رأي عام

31 اغسطس 2019
الصورة
الشابة الفلسطينية إسراء غريب (تويتر)
بعد أكثر من أسبوع على وفاتها، وتحديدا في 22 أغسطس/آب الجاري، تفجرت قضية الشابة الفلسطينية إسراء غريب (21 عاما) من بلدة بيت ساحور بمحافظة بيت لحم جنوب الضفة الغربية، التي فارقت الحياة في إحدى المستشفيات هناك، بعد ظهور معلومات تشير إلى أن وفاتها لم تكن طبيعية، ما دفع نشطاء وصحافيين وقانونيين وجمعيات نسوية إلى تدشين هاشتاغ عبر منصات التواصل الاجتماعي #كلنا_إسراء_غريب، للمطالبة بكشف حقيقة ما جرى للفتاة العشرينية.

ولاقى الهاشتاغ تفاعلاً غير مسبوق وضم آلاف التغريدات، وبات قضية رأي عام، ليس فقط على الصعيد الفلسطيني، بل جرى تداوله في عدة دول عربية، ووصل إلى حد دعوة بعض المؤسسات الحقوقية العالمية للسلطة الفلسطينية إلى إعلان الأسباب الحقيقة وراء وفاة إسراء، ومعاقبة الجناة.

وكاد الخبر المقتضب، الذي أصدرته الشرطة الفلسطينية يوم 22 أغسطس/آب الجاري، حول وفاة فتاة من بيت ساحور، يمر مرور الكرام، لولا بعض المنشورات على صفحات "فيسبوك" المحلية، التي بدأت تشكك بالرواية الواردة في الخبر، وتتحدث عن عملية "قتل". لكن ما فجر القضية هو تداول بعض النشطاء لمقطع فيديو يقال "إن ممرضة في المستشفى الذي كانت فيه إسراء قد سجلته، يُسمع فيه صوتها وهي تصرخ، وعلق البعض عليه بأن الصراخ ناجم عن تعرض إسراء لاعتداء جسدي مباشر من أقاربها، ما أفضى لموتها لاحقا".


ويطالب نشطاء ورواد التواصل الاجتماعي الجهات المختصة في فلسطين بكشف الملابسات كاملة، نظرًا لكثرة ما يُشاع وعدم وجود رواية رسمية تكشف ملابسات الحادثة، وتساءل الكثيرون حول السبب الذي يمنع الأجهزة المختصة من إيضاح الحقيقة عن القضية التي باتت قضية رأي عام في فلسطين ودول عربية.

ودفعت هذه التطورات رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية، للتدخل والتعليق على القضية، في تصريحات على صفحته في موقع "فيسبوك" قائلا: "#إسراء_غريب أصبحت قضية مجتمع، نستشعر نبض الشارع تجاه هذه القضية، مع التزامنا الكامل بأحكام القانون الفلسطيني وسرية التحقيقات وعدم الاستعجال في إطلاق الأحكام المسبقة احتراماً لروح الفقيدة ولمشاعر ذويها، إلا أنه صار لزاماً علينا تعزيز منظومة التشريعات الحامية للمرأة الفلسطينية، حامية مشروعنا الوطني، التي هي أمنا وأختنا وشريكتنا في النضال والبناء، ونحن منها ولولاها ما كنّا مجتمعاً".

وتابع: "مع إيماننا العميق بأنه لا يحق لأي شخص أخذ القانون بيده، سوف نتخذ كل إجراء قانوني لازم لإيقاع أقصى العقوبة على كل من تورط في قتل أي إنسان ونحن بانتظار نتائج التحقيق في قضية إسراء".



وذكرت النيابة العامة الفلسطينية، في بيان أمس الجمعة، أن "قضية إسراء غريب ما زالت قيد التحقيق، وأنها باشرت بإجراء الكشف الظاهري على الجثمان، وصدر قرار بإحالتها للطب الشرعي لإجراء الصفة التشريحية عليه وفق الأصول، كما باشرت بسماع إفادات الشهود وجمع الأدلة والبينات الأولية"، داعية "المواطنين لعدم نشر أو تداول أي معلومات أو تفاصيل أو أسماء أشخاص حول القضية عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، حفاظا على سير إجراءات التحقيق".

وفي اتصال لـ"العربي الجديد"، قال الناطق باسم جهاز الشرطة الفلسطينية العقيد لؤي ارزيقات، إن "ملف القضية لا تتابعه الشرطة".


وبعد وفاة إسراء، انتشرت روايتان لقصتها، عبر مواقع التواصل الاجتماعي وعبر وسائل الإعلام، الأولى تقول "إن الوفاة طبيعية إثر اضطرابات عقلية كما جاء في بيان لعائلتها، والثانية تقول إن أقاربها قتلوها بعد تعذيبها، حفاظا على شرف العائلة".

العائلة قالت إن "الفقيدة كانت تعاني من حالة نفسية واضطرابات عقلية، أدت إلى سقوطها بفناء منزلها يوم الجمعة 9-8-2019، على إثره نقلت إلى مستشفى الجمعية العربية في بيت لحم، حيث تبين بوجود كسر في العمود الفقري، ما استدعى نقلها إلى مستشفى بيت جالا الحكومي، لكن تم الاتفاق على خروجها من المستشفى واستكمال العلاج في المنزل، وهناك وافتها المنية إثر تعرضها لجلطة، وتم نقل جثمانها إلى معهد الطب العدلي في بلدة أبو ديس جنوب شرق القدس لتشريح الجثة، وبانتظار نتائج التقرير الطبي".

بعض الأقارب ذهبوا إلى أبعد من هذا، بالقول إن إسراء كانت تعاني من "مسّ جن" وهناك "شيوخ" تدخلوا لعلاجها وإخراج "الجن" من جسدها.

هذه الرواية نفتها مديرة مركز الإرشاد النفسي والاجتماعي للمرأة الفلسطينية، خولة الأزرق، وأكدت في حديث إذاعي، أن إسراء لم تكن تعاني من أية اضطرابات عقلية، فقد كانت تعمل في صالون تجميل، وتربطها علاقات طيبة بمحيطها، وأن خروجها مع شاب تقدم لخطبتها كان سببا في تعرضها للعنف من ذويها.

وهذه المعلومة أكدها أصدقاء الفتاة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بقولهم "إن شابا تقدم لخطبتها، حيث خرجت معه برفقة شقيقتها وبعلم والدتها إلى أحد المطاعم، وقاموا بالتقاط فيديو قصير نشرته عبر حسابها على (انستغرام)، الأمر الذي أثار إحدى قريباتها، فقامت بإخبار والدها وأشقائها، الذين أوسعوا إسراء ضربا".

من جهته، طالب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، في بيان الجمعة، السلطة الفلسطينية بفتح تحقيق جدي وفوري لكشف ملابسات وفاة إسراء، وما يثار حول مقتلها على خلفية ما يسمى "قضايا الشرف"، والعمل على التصدي للمفاهيم المغلوطة الرامية إلى "لوم الضحية" نفسها وإنقاذ "القاتل" من العقاب.

ونقل المرصد عن إحدى صديقات إسراء قولها: "قد تكون إسراء فارقت الحياة أثناء محاولتها الهرب من العنف الذي تعرضت له حين قفزت من منزلها، لكن ثمة من أوقف قلبها بالاعتداء والتحريض عليها منذ فترة طويلة".

وفي مارس/ آذار 2018، قررت الحكومة الفلسطينية إلغاء المادة 308 من قانون العقوبات الساري في الضفة الغربية، التي تعفي مرتكب جريمة الاغتصاب من العقوبة في حال زواجه من الضحية، وتعديل المادة 99 منه التي باتت تحرم مرتكب "جريمة الشرف" من الاستفادة من العقوبات المخففة.