وثائقي "بي بي سي" عن التعذيب في مصر يُثير غضب السيسي

25 فبراير 2018
الصورة
الصحافية أورلا غويرين (بي بي سي/يوتيوب)
أثار فيلم وثائقي نشرته شبكة "بي بي سي" البريطانية أخيراً، عن حملة الاعتقالات الجماعية، وعمليات الإخفاء القسري، ووقائع التعذيب، واغتصاب الفتيات، داخل السجون المصرية، غضب الرئيس عبد الفتاح السيسي، بحسب ما يبدو، إذ كلَّف الهيئة العامة للاستعلامات، التابعة للرئاسة المصرية، بوصف الشهادات الموثقة في التقرير المُذاع بأنها مجرد "أكاذيب وادعاءات".

وتحت عنوان "سحق المعارضة في مصر"، وثّقت الصحافية البريطانية، أورلا غويرين، العديد من شهادات أسر المعتقلين، والمختفين قسرياً، والشباب الذين تعرضوا للتعذيب بواسطة أجهزة الأمن، ومن بينهم محمود حسين (معتقل التيشيرت)، الذي أكد "صعقه في مناطق حساسة من جسده، وخضوعه لعمليات جراحية عدة بعد خروجه من السجن، من جراء ما تعرض له من تعذيب".

وتضمّن وثائقي "بي بي سي" شهادة لوالدة الشابة زبيدة، التي اعتقلتها السلطات المصرية في عام 2014، ومكثت في السجن سبعة أشهر من دون محاكمة، تورّم خلالها جسدها من كثرة الضرب، والتعذيب، والصعق بالكهرباء، مؤكدةً أن ابنتها أخبرتها بتعرّضها للاغتصاب أثناء احتجازها لدى الشرطة، في حين جرى إخفاؤها قسرياً مجدداً منذ عشرة أشهر.


وسارعت الهيئة العامة للاستعلامات في مصر، التي يرأسها نقيب الصحافيين الأسبق، الموالي للنظام، ضياء رشوان، إلى نفي وقائع التعذيب الموثقة في الفيلم، قائلة إنه "انطوى على تناقضات، وانحياز سلبي، وانتهاك للمعايير المهنية في مجال الصحافة والإعلام، التي يفترض أن تكون هيئة الإذاعة البريطانية أول من يلتزم بها".

وقرر رشوان، استدعاء مديرة مكتب "بي بي سي" في القاهرة، لمطالبة الأخيرة باتخاذ موقف لتصحيح ما أقدمت عليه مراسلتها من "مخالفات مهنية في الوثائقي"، بحسب البيان، الذي اتهم كاتبة التقرير بـ"فرض آرائها، وانطباعاتها الشخصية المتحيزة، من دون سند واقعي، ومخالفة القواعد المهنية المتعارف عليها دولياً".

وقالت الهيئة، في بيانها، إن كاتبة التقرير زعمت أن "كل من يعارض النظام، أو يشتبه في قيامه بهذا عن حق أو غير حق، هو في خطر"، وأن "من يتحدي الخط الرسمي قد يتعرض للاعتقال بتهمة نشره أخباراً كاذبة"، وأن "غالبية المختفين قسرياً يعذبون، قبل أن يعاودوا الظهور في الحبس بعدها بأشهر أو أسابيع، وتوجّه بحقهم تهم الإرهاب".

وأفادت الهيئة بأن تقرير هيئة الإذاعة البريطانية عن حالة "زبيدة" يلقي ظلالاً من الشك بشأن نية الكاتبة وأهدافها، وأنه ليس منها محاسبة المسؤول عن المزاعم التي تعرضت لها، بحسب التقرير، مدعيةً أنه "من المستحيل متابعة التحقيق من دون ذكر مزيد من البيانات عن الحالة"، وأنها "حاولت الاتصال بالمراسلة هاتفياً، للحصول علي هذه البيانات، ولكنها لم ترد".

وتابعت: "ورد في التقرير أن اختفاء (زبيدة) في المرة الثانية على يد الشرطة، قد جاء على لسان والدتها، التي لم تشهد الواقعة بنفسها، بل نقلت عما قالت إنهم (جيران)، من دون أن تحددهم، ولم تكلف كاتبة التقرير نفسها عناء الاستماع من هؤلاء الجيران مباشرة، للتأكد من رواية الأم، بشأن اختطاف ابنتها من أشخاص مسلحين (مقنعين) من الشرطة".

وأضافت الهيئة أن "الحديث عن أشخاص مسلحين مقنعين لا وجود له في مصر، إلا بالنسبة لقوات الشرطة الخاصة، وهو ما تقوم به القوات المماثلة في مختلف دول العالم، وليست هناك طريقة تقنية معلومة لتحديد هوية المتحدث، ووظيفته بمجرد سماع صوته، في ضوء ادعاء الأم أن أحد أقاربها قد تلقّى مكالمة من ابنتها بعد اختطافها، وسمع فيها صوت الضابط يسبها، ويغلق الهاتف".


ورفضت هيئة الاستعلامات المصرية، استناد الصحافية البريطانية إلى مصادر مجهولة، وردت تحت أسماء "محامون"، و"نشطاء حقوق الإنسان"، و"سجناء سابقون"، من دون أن تحدد هوية أي منهم، رغم خطورة ما زعمته على ألسنتهم من ادعاء بأن "التعذيب لا بد منه في السجون المصرية"، وأنه "أمر روتيني"، منذ وصول السيسي إلى سدة الحكم في البلاد.

وطالبت الهيئة، غويرين، بالكشف عن أسماء بعض الأشخاص الذين يقولون إنهم تعرّضوا للتعذيب أو الاغتصاب، أو من وصفتهم في تقريرها بأنهم "نشطاء"، من دون أن تحدد هوية ولو واحد منهم، والنقل عنهم بأن هناك حالات "إخفاء قسري" من قبل الأمن، وتعرّض غالبية هؤلاء للتعذيب قبل ظهورهم كمتهمين في قضايا تتعلق بالإرهاب.

ودانت الهيئة وصف الصحافية البريطانية لما شهدته مصر في عام 2013، معتبرةً أنّها "أقرت بخروج الملايين للمطالبة بعزل رئيس البلاد آنذاك، محمد مرسي، ثم قالت إن عزله كان بمثابة "انقلاب عسكري"، ثم عادت لتناقض نفسها في الجملة ذاتها بالقول إن هذا الانقلاب قد حظى بدعم شعبي".

وفي ما يخص الناشط المعروف علاء عبد الفتاح، قالت الهيئة إن الصحافية وصفته بأنه أحد أيقونات ثورة 25 يناير 2011، بما يجعله "عدواً للنظام الحالي"، فيما لم يرد على لسان أي من أفراد أسرته الذين التقتهم جميعاً، أي ذكر لسوء معاملة، أو تعذيب، تعرّض لهما، بل وصفت كاتبة التقرير زوجته، وهي تحمل علب الطعام، والثياب النظيفة، والسجائر، وهي تزوره في محبسه.



منى سيف ترد
وردّت شقيقة علاء عبد الفتاح، الناشطة منى سيف، على رئيس هيئة الاستعلامات، قائلة "بخصوص بيان ضياء رشوان عن تقرير (BBC)، قررت أرد فقط على النقاط الخاصة بأخي، والاستشهاد به كمثال لنفي (التعذيب) كجريمة منهجية لم تتوقف عن ارتكابها الشرطة، على الرغم من إشارته إلى سبب حمايته من الأذى البدني المباشر، كونه أحد أيقونات الثورة المعروفين".

وقالت سيف، في تدوينة على صفحتها الشخصية في موقع "فيسبوك"، إن "رشوان قرر، كأي مسؤول شؤون معنوية تقليدي (جهاز معلوماتي بالجيش المصري)، استخدام مثال واحد لنفي جريمة تطاول الآلاف من المواطنين المصريين، أغلبهم من المهمشين، وغير المعروفين"، مطالبة إياه بقراءة ولو جزء من تقرير مركز "النديم" عن شهادات ضحايا التعذيب في مصر خلال عام 2017.

وأضافت سيف، مخاطبة رشوان: "أحب ألفت انتباهك إلى تاريخ 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2013، عندما اقتحمت الشرطة منزل علاء، ورفضوا إظهار أمر النيابة، واعتدوا عليه، وعلى زوجته، وسرقوا ممتلكاتهما، وخطفوه، لحين عرضه على النيابة داخل مبنى مديرية أمن القاهرة، وسط تجاهل تام من السلطات المعنية لكل البلاغات التي تقدمت بها أسرته".
وتابعت: "وصلت الوقاحة (البجاحة) بأجهزة الأمن أنها ادعت أن علاء سلمهم ممتلكاته، هو وزوجته، طواعية"، مستشهدة بشهادة منال زوجته عن ما حدث يومها، ونقلها عن علاء قوله للأمن (بتعملوا إيه؟ دي حاجات مراتي.. انت معاك إذن نيابة؟ أنتم مش خلاص قبضتوا علي.. معاك إذن بالتفتيش؟ عايز أشوف إذن النيابة؟!".
وقالت سيف: "هجموا على علاء، وزوجته، التي جرها ثلاثة أو أربعة أفراد أمن من شعرها، وألقوها على الأريكة، وضربوها على وجهها، علاوة على شتمها بأقذع الألفاظ"، معقبة على حديث رشوان عن السماح لعلاء بحضور جنازة والده، الحقوقي سيف عبد الفتاح، بقولها "ماذا عن حبس اثنين، وآلاف غيرهم من المصريين، في قضايا سياسية ظالمة، وحرمانهما من والدهما في آخر أيام حياته، ثم السماح لهما بحضور عزاه.. إنسانيتكم قاتلة!".

وعن معاتبة رشوان لكاتبة التقرير البريطانية بشأن تجاهلها حكم القضاء الإداري بإلزام مصلحة السجون بإدخال الكتب والصحف والدوريات العلمية لعلاء عبد الفتاح في سجنه، قالت سيف "مش مكسوف بجد؟ معتبرها حاجة تدعو للفخر إن سجين عشان يأخد حقوقه، المنصوص عليها في كل القوانين واللوائح، إنه يضطر لرفع قضية أمام مجلس الدولة، ومتابعة إجراءات وجلسات لمدة 14 شهراً، حتى تُقر المحكمة في النهاية بحقه الأصيل.. شوفلك شغلانة شريفة!".



ضابط البرلمان
من جهته، أصدر رئيس لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب المصري، علاء عابد، بياناً عن اللجنة، اليوم الأحد، قال فيه "كلما اقترب موعد إجراء الانتخابات الرئاسية المصرية، رأى (الخونة) من التنظيمات والجماعات الإرهابية والتكفيرية، الحب والتقدير الكبيرين من الشعب للزعيم السيسي، وازدادت أيضاً الحملة المسعورة ضد مصر، وقائدها".

وقال عابد، وهو ضابط شرطة سابق متهم بالتعذيب في عام 2005، إن "أكبر دليل على أن تقرير هيئة الإذاعة البريطانية (كاذب)، ولا أساس له من الصحة عن الأوضاع في مصر، أن لجنة حقوق الإنسان زارت العديد من السجون، وأقسام الشرطة (معدة سلفاً)، ولم ترصد ولو حالة واحدة لانتهاك حقوق الإنسان، ولو باللفظ، وليس كما جاء في التقرير من سموم وافتراءات"، بحد زعمه.