وثائقيات عربيّة: الذاتي والجماعة بلغة الصُورة

22 نوفمبر 2019
الصورة
مروى زين: راهن السودان وذاكرته (الملف الصحافي للفيلم)
+ الخط -
تُشكِّل الذاكرة، بأشكال وتفاصيل ووقائع وشخصيات مختلفة، ركيزة سينمائية لـ3 أفلام وثائقية عربية حديثة الإنتاج (2019)، تُشارك في مسابقة "آفاق السينما العربية"، في الدورة الـ41 لـ"مهرجان القاهرة السينمائي الدولي"، التي تُقام بين 20 و29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019: "بيروت المحطة الأخيرة" (إنتاج لبناني إماراتي، 71 د.) للّبناني إيلي كمال، و"أوفسايد الخرطوم" (إنتاج مشترك بين السودان والنرويج والدنمارك، 76 د.) للسودانية مروى زين ("العربي الجديد"، 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2019)، و"على العارضة" (إنتاج تونسي فرنسي، 97 د.) للتونسي سامي التليلي. 

والذاكرة محمّلة بتاريخ واجتماع وعيش وانقلابات، وحكاياتها مستلّة من اختبارات جماعية، تُروى في الأفلام الـ3 بنبرة وحساسية فرديّتين، ونظرة ورؤية ذاتيتين. وإذْ يضع إيلي كمال وسامي التليلي نفسيهما في صلب الحكايات، المرويّة بعيونهما وانشغالاتهما وحساسيّاتهما السينمائية والثقافية والتأملية، فإنّ مروى زين تتفرّد عنهما بمنح الشابات، لاعبات كرة القدم السودانيات، المساحة كلّها لقول وبوح واستعادة ونبشٍ ومرويّات، بينما يتمثّل حضورها السينمائي في كيفية اشتغالها الفيلم وبنائه ومعاينة مادته. وفي مقابل الآنيّ، المُلتهب بثقل الماضي وأسئلته المعلّقة في الأفلام الـ3، تغوص الحكايات بعيدا في التاريخ، إنْ كان "البعيد" هذا حاضرًا في منتصف سبعينيات القرن الـ20 (على العارضة)، أو متمثلاً في ستينياته وسبعينياته، بجزء أساسيّ منه (أوفسايد الخرطوم)، أو ماثلاً في السرد منذ نهاية القرن الـ19 حتى الآن (بيروت المحطة الأخيرة).

لكن للذاتيّ حيّزا أكبر في "بيروت المحطة الأخيرة"، لانبثاق سياقه الحكائيّ من تداعيات شخصية لإيلي كمال، يقولها راوٍ بين مقطع وفصل واستعادة. بينما سامي التليلي ينطلق من تساؤل شخصي بحت عن سبب تمنّع والدته من مرافقته وأبيه إلى ملاعب كرة القدم، لمشاهدة المباريات، أو عدم اهتمامها بها معهما في المنزل، أو عدم اكتراثها باللحظة التاريخية، التي تشهدها تونس عام 1978، مع وصول المنتخب التونسي إلى تصفيات كأس العالم في الأرجنتين. انطلاقة التليلي من هذا التساؤل تأخذه إلى ارتباكات وتحوّلات جمّة في السياسة والاجتماع والعمل النقابي في تلك المرحلة، كاشفا ـ عبر لقاءات عديدة مع مسؤولين رسميين وكتاب وصحافيين ومؤرّخين ـ تفاصيل من النزاعات العاصفة بالبلد حينها، في ظلّ ارتباكات صحّية لرئيسها، الحبيب بورقيبة.



أما مروى زين، فمهمومة بالنبش في المنعطفات العديدة المؤدّية إلى غليان البلد وناسه، عشية "ثورة 19 ديسمبر" (2018)، من دون أنْ يهدف "أوفسايد الخرطوم" إلى تأريخ اللحظة السابقة عليها. فالفيلم شهادة وثائقية سينمائية شفّافة وجميلة، عن أفراد وبيئات ومسارات، وأحلام وحياة وقلاقل وارتباكات وخيبات وآمال. لكن زين غير مكتفية بما تُصوّره هي فقط، إذْ تنبش في أرشيف الذاكرة صُورًا فوتوغرافية بالأسود والأبيض، توثِّق ما تبغي المخرجة الشابة قوله، من بين أمور أخرى أيضا: الانتقال من عيشٍ أكثر انفتاحا وجمالاً ومساواة وعطاء وحيوية، إلى انقلابات تُعاني قسوة الحكم العسكري الإسلاميّ، في بلدٍ يستعيد، ولو شيئا قليلا، من بهاء الماضي ورغبة في مستقبل أفضل. فالصُور تلك شهادة بصرية أخرى على ذلك الماضي الجميل، المُراد استعادته من دون انقطاع مع حاجات الراهن ومطالب المستقبل: فريق السودان النسائي لكرة السلّة (1976)؛ وصال موسى حسن، مُصوِّرة سينمائية سودانية (1969)؛ نساء السودان في "مظاهرات أكتوبر" (1964)؛ فرقة البلابل السودانية، المكوّنة من 3 أخوات هنّ آمال وهادية وحياة طلسم (سبعينيات القرن الـ20)؛ وفد السودان الرياضي يمثّل السودان في المكسيك (1968).

المساهمون