هنا تورينو!

06 سبتمبر 2015
الصورة
ساحات تورينو أمكنة مفضلة للاحتجاج(العربي الجديد)
+ الخط -

هنا تورينو، الضلع البارز في مثلث "البووم الاقتصادي" إلى جانب ميلانو وجنوة شمال إيطاليا، في سنوات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. المدينة نفسها ستشهد "بووم الهجرة"، طوال النصف الثاني من القرن العشرين، حينما أصبحت قبلة أبناء الجنوب الإيطالي وكذا الوافدين من الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط.
شكل ازدهار صناعة السيارات "فياط" بتورينو، فئة واسعة من الطبقة البروليتارية، رافقها زخم من الأنشطة الاجتماعية، النقابية والسياسية البارزة، منذ عهد أنطونيو غرامشي الذي تخرج من جامعتها، فخلفت أفكاره أثرا ثوريا كبيرا امتد إلى كل البلاد.
كانت ومازالت إيطاليا عموما، وتورينو خصوصا معقلا للشيوعيين، بل إن عمدة البلدية الحالي، بيير فاسينو، (وزير العدل والخارجية سابقا) ليس سوى أحد أبرز رموز اليسار والشيوعية بالديار الإيطالية، فلا عجب أن يتميز أغلب السكان الإيطاليين هنا، ومعهم المهاجرون بتوجه يساري، في أسلوب العيش.
ليس غريبا أن تلفت انتباهك يوميا، لافتات كتبت عليها مطالب فرد أو مجموعات مرابطة أمام مبنى البلدية. وأحيانا كثيرة قد تسترعي انتباهك حوامات الأمن التي تحلق قريبا في عملية "سفراتو"/ إفراغ للعمارات التي يستعمرها "أناركيتشي"/ "الفوضويون" الذين يرفضون الاندماج بالدولة، وينظرون إلى الشرطة وأفراد الجيش كعدو.
في بورتا بلاتسو، حيث أكبر سوق شعبي بأوروبا، يلفت انتباهك حجم العبارات الاحتجاجية التي خُطّت على الجدران.
العربية، لغة لها نصيب مهم إلى جانب الإيطالية في الكتابات الحائطية الاحتجاجية، هكذا تصادفك عبارة: "الحرية للحراكة" في شارع دجوليو تشيزاري/ القيصر، هناك حيث تقطن
أكبر جالية عربية ومسلمة بالمدينة وربما بإيطاليا.
"كومي لاربو"، عبارة تعني: "كالعربية"، يوظفها الإيطاليون، خصوصا الرعيل الأول، للدلالة على شيء صعب، لا يمكن تعلمه بسهولة، لكن هذا الأمر قد لا ينطبق على بعض الفئات من الإيطاليين الشباب (الذين ملّوا رواية الإعلام الغربي عن المنطقة العربية)، الذين يسعون للتعرف على لغة الضاد، خصوصا حينما يحتكون بالشبيبة العربية من الجيل الثاني.
فقد ارتبطت صورة المهاجر العربي/ المغاربي إلى عهد قريب بإيطاليا، باسم "ڤوكومْبْرا"، الذي يختصر جملة: "أتريد الشراء؟"، التي كان ينطقها مهاجرون من الباعة المتجولين في أواخر ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي، حيث كثيرون بدون أوراق قانونية.
الحي الشعبي "بورتا بلاتسو"/ باب القصر أحد الأبواب الأربعة لنواة المدينة الرومانية، الذي يخترقه شارع دجوليو تشيزار، أصبح وجهة للسكن من طرف الإيطاليين المسحورين بالثقافة العربية، أو ذوي الزيجات المشتركة، هناك تجد محلات تجارية مهيكلة يسيرها عرب من شمال إفريقيا: مجزرة السوسي الإسلامية، مطعم "مراكش"، مقهى "الجزيرة"، وخياط "درب الفقراء"، نسبة إلى درب شهير بالدار البيضاء المغربية...
رغم ما ينشر من أخبار عن الإيطاليين من عنصرية اتجاه المهاجرين، (ربما بسبب التمييز الذي كانوا يعانون منه فيما بينهم سنوات "البووم الاقتصادي"، حيث كان يكتب: مقهى لا يدخله الجنوبيون) فهم على العموم شعبيون، مرحون، يحبون كثيراً الأكل والحفلات، بل إنهم يتباهون فيما بينهم بما تذوقوه من أطباق إثنية جديدة، في حفلة قبل أيام عند صديق مهاجر أو غيره.
يسعد الإيطاليون كثيرا حينما تدعوهم لطبق شعبي عربي، أو كأس شاي، يحبون اللمة، وتبادل الحديث والكلام كثيرا، ربما هي عادات الجنوبيين المتوسطيين نقلوها أيضا للشمال.
فيما إيطاليون آخرون ينظمون أمسيات ثقافية إثنية، في بعض المحلات الشعبية كالمراكز الاجتماعية، وحينما يكتشفون أنك مغربي، تلمس اعتبارا وتقديراً لافتين، لكن سرعان ما تكتشف أن الأمر يتعلق فقط بمحاباة للفوز بقطعة "كانا مرُّوكينا ڤيرا"/ "حشيشة مغربية أصيلة".
تورينو، مقر المتحف الوطني للسينما، وهوليود أوروبا بداية القرن الماضي، تمضي، أيضا، نحو استقطاب العديد من المخرجين الشاب العرب، الذين قد ينجحون أو يفشلون في المساهمة لتقريب الصورة غير المكتملة عن العرب والمسلمين لدى الغرب.


* إعلامي ومخرج وثائقيات وباحث في الاتصال والسينما مقيم بإيطاليا



المساهمون