هل يحاكم الكونغرس ترامب؟

هل يحاكم الكونغرس ترامب؟

30 سبتمبر 2019
الصورة

بيلوسي: "فتح تحقيق لتوجيه اتهام" إلى ترامب (24/9/2019/Getty)

+ الخط -
إنكارٌ، فتلويحٌ بأنّه "خبر زائف"، وتستّرٌ على شهادة مجهول أطلق صفّارة الإنذار، ثمّ تحايلٌ على تقديم أقساط متدرّجة من الحقيقة، وتبريرٌ بقلّة الدّعم الأوروبي لأوكرانيا... وأخيراً جاءت مذكّرة البيت الأبيض لتكشف المستور بشأن ما دار في المكالمة الهاتفية بين الرئيس الأميركي، دونالد ترامب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلنسكي، في 25 يوليو/ تموز الماضي، فبدأ الزلزال السياسي بعبارة "فتح تحقيق لتوجيه الاتهام" (inquiry impeachmen) في تصريح زعيمة الديمقراطيين ورئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي. وثمّة أكثر من داع للاتهام في نصّ المكالمة جعلت المشرّعين الديمقراطيين يقتنعون بالواجب الدستوري لمساءلة الرئيس ترامب في هذه المرحلة، منها الاستعانة بحكومة أجنبية في تحقيق مصلحته الشخصية على حساب المصلحة الوطنية لأميركا. قال ترامب للرئيس الأوكراني "أودّ منك أن تقدّم لنا معروفًا بالنظر إلى أنّ بلدنا مرّ بالكثير، وأوكرانيا تدرك الكثير عن ذلك". 
وحّد الديمقراطيون كلمتهم هذه المرّة، بعد أن توصّل رؤساء ستّ من لجان الكونغرس إلى ضرورة تشكيل لجنة تحقيق لتوجيه الاتهام إلى الرئيس ترامب، بالتزامن مع إلقائه كلمته في نيويورك حيث أطال في انتقاد إيران وفنزويلا وكوريا الشمالية والصين، وتفادى التعليق على ما أصبح يشكل نقمة أوكرانية جسيمة. وتشدّد بيلوسي على أنّ ما قام به ترامب "خيانة تدحض شرعية صلاحيات الرئيس"، وأنّه "حاول أن يجعل الخروج عن القانون فضيلة في أميركا، والآن يصدّرها إلى الخارج". ويتّفق مشرّعون وفقهاء قانون دستوري على أنّ ترامب ارتكب جريمتيْن: قانونية وسياسية. ويقول أستاذ القانون الدستوري في جامعة هارفارد، لورنس تريب، إنّ من الواضح أن إعادة تركيب البيت الأبيض المكالمة الهاتفية تثبت ارتكاب "جرائم جسيمة وجنح حتى لو لم تتوفر أدلة أخرى". ويلاحظ آخرون أن مقتطفات المكالمة تثير مزيدا من الأسئلة أكثر من تقديمها أجوبة، وأنه استنفد أعذاره وتبريراته للتغطية على تخابره مع الرئيس الأوكراني، وهو ما يعدّ جنحة قانونية وَزِرها وزر الخيانة والجريمة، وتكفي لإدانته، حسب الدستور الأميركي.
مساومة أخرى زادت في صحوة الديمقراطيين، عندما تبيّن أنّ ترامب حاول استمالة أوكرانيا 
لتقديم طلبٍ إلى وزارة العدل الأميركية لفتح تحقيق في صلة هانتر بايدن، نجل الديمقراطي جوزيف بايدن، بشركة طاقة أوكرانية كان أحد مستشاريها خلال تولي والده منصب نائب الرئيس مع الرئيس أوباما (2017- 2009). وينطوي هذا الطلب على انتهاكٍ مضاعف للقانونين الأوكراني والأميركي على التوّالي، فضلا عن ترتيب ترامب لمحاميه الشخصي، أدولف جولياني، الذي لا يتمتع بأي صفة حكومية، بمباشرة التحقيق تحت إمرة وزير العدل الأميركي. بهذه الطّبخة السياسية الفاسدة، أضاف ترامب قشّة أوكرانية فوق ثقل التورّط الرّوسي في ترجيح كفّته في انتخابات الرئاسة عام 2016، وتركة تقرير المحقّق روبرت مولر، لتكسر ظهر بعيره الجامح على طريق انتخابات الرئاسة باتجاه اقتراع نوفمبر/ تشرين الثاني 2020.
وجاءت مساومة ثالثة في ثنايا الحوار الهاتفي، استقطبت اهتمام المشرّعين في الكونغرس، وهي مفهوم quid pro quo، أو المقايضة، عندما لوّح ترامب ضمنيا بتجميد المساعدات التي أقرّها الكونغرس بمبلغ 391 مليون دولار لأوكرانيا أسلوب ضغط على الرئيس الأوكراني زيلنسكي. ويلاحظ النائب الديمقراطي ورئيس لجنة المخابرات في مجلس النواب، آدم شيف، أنّ نصّ المذكرة بمثابة "المساومات التقليدية التي تقوم بها العصابات" في ليّ الذراع من أجل تحقيق مصالحها، ويضيف أن ترامب كان يتحدث "كما يتحدّث زعيم المافيا: "لديّ معروف أودّ منك أن تقوم به"، ويعني ذلك المعروف بالطبع التّحقيق في ذمّة خصمه السياسي بايدن. ولاحظ هذه المساومة "المافياوية" في أسلوب ترامب أيضا المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي، جيمس كومي، الذي يراها امتدادا لأسلوب التاجر ترامب في المضاربات العقارية، وترقّب الولاء من زبائنه، وأنه "يتحدّث دائما بلغة دون كيشوت المافيا". ويتذكّر الأميركيون ما قاله محامي ترامب السابق، مايكل كوهين، في إفادته في الكونغرس في فبراير/ شباط قبل دخوله السجن إن ترامب "لا يقدّم لك أسئلة ولا يعطيك أوامر، بل يتحدّث بالرّمز. وأنا أفهم ذلك الرّمز، لأنّي كنت قريبا منه مدة عشر سنوات".
رئيس فوق الدستور؟
من مفاجآت مثيرة أن يقول القاضي أندرو نابوليتانو، وهو من كبار المحلّلين القانونيين، على قناة فوكس نيوز المعروفة بتأييدها الرئيس ترامب والتيار اليميني في الولايات المتحدة في اليوم 
ذاته، إن "محاولة الرئيس الحصول على المساعدة لحملته الانتخابية من حكومة أجنبية تعدّ جريمة". وأضاف أنّ الرّشوة "جريمة تدعو إلى مساءلة الرئيس حتما ومن دون مواربة. لماذا أقول ذلك؟ لأنه منصوص عليه في الدستور. أساس الاتهام: الخيانة، أو الرشوة، أو غيرها من الجرائم الكبرى والجنح". هذا مثال على التمسّك بسيادة الدستور الأميركي فوق كل القوانين والاجتهادات والآراء القانونية. أمّا جون دين الذي كان المستشار القانوني في البيت الأبيض في بداية السبعينيات، ونبّه الرئيس آنذاك ريتشارد نيكسون مرارا إلى أن فضيحة وترغيت قد تتحوّل إلى "سرطان في الرئاسة"، فيذكُر أن أكثر ما أثار مخاوفه، خلال رئاسة ترامب في العاميْن الأوليْن، هو "جهل ترامب"، وأنّ ما يثير الخشية لديه حاليا هو أنّ ترامب "بدأ يتعلّم كيف تتحرّك الأمور وكيف يتمكن من إساءة التعامل معها".
في المقابل، يقلل المعسكر اليميني المؤيد لترامب من خطورة فحوى الحوار بين الرئيسين ترامب وزيلنسكي، فقال عضو جمهوري في مجلس الشيوخ، من دون الكشف عن هويته، إنّ نشر نص المذكرة كان "خطأً جسيما" على الحزب الجمهوري مواجهته الآن، حتى وإن كان الجمهوريون يجادلون بأن الديمقراطيين في مجلس النواب يبالغون في جهودهم لعزل الرئيس. ويعتد رئيس لجنة الشوؤن القانونية في مجلس الشيوخ، السناتور ليندس غراهام، بأن "توجيه الاتهام إلى أيّ رئيس بناءً على مكالمة هاتفية من ذلك النّوع كلام غير منطقي".
حلفاء ومؤيّدون آخرون يجارون ترامب في التقليل ممّا ينطوي عليه قرار توجيه الاتهام إليه، منهم نيوت غينغريتش، وهو رئيس سابق لمجلس النواب خلال رئاسة كلينتون، يعتبره سحابة صيف عابرة لا تعني أي شيء للأميركي العادي، بل هو في نظره "مسمار يربط الديمقراطيين بموقف سلبي معاد لترامب"، والأغرب من هذا كلّه تخمين غينغريتش أن البيت الأبيض وحملة ترامب الانتخابية يجزمان أن وسائل الإعلام "ستضطر، في نهاية المطاف وعلى مضض، إلى إلقاء نظرة جادة على المعاملات التجارية التي قام بها هانتر بايدن في الصين وأوكرانيا، وستكون النتائج مدمّرة" بالنسبة لمسار حملة جوزيف بايدن الذي يتقدّم في استطلاعات الرأي العام مع المرشحة الديمقراطية الأخرى، إليزابيث وارن.
لا يتخلّى ترامب عن قناعته بأنّه لا ينهزم، وأن في جعبته كثيراً من فن التحدّي والمراوغة السياسية، وتمكّن من البقاء في البيت الأبيض، على الرغم من الزلازل السابقة، ومنها فضيحة 
الحديث الإباحي (شريط "أكسيس هوليوود")، وهيجان مدينة تشارلوتسفيل بسبب تبريره سلوك المتعصبين البيض، والدعوى القضائية التي رفعتها عليه الممثلة الإباحية سترومي دانييلز، وتحقيق المحقق الفيدرالي روبرت مولر، وهزّات أخرى زعزعت أركان رئاسته، وإنْ لم تؤد إلى انهيارها. كعادته في التقليل من تحدّياته السياسية والقانونية، صرّح ترامب خلال اجتماعه مع رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، في نيويورك، بأن بيلوسي "تضيع وقتها في أزمة مصنعة"، من شأنها أن تقوّض قدرة الديمقراطيين على إحراز تقدّم في الصفقات التجارية والتشريعات الخاصة بصفقات الأسلحة مستقبلا.
بين ميكيافيلي والآباء المؤسسين
وجد الرئيس ترامب في حديثه الهاتفي مع رئيس أوكرانيا فرصة سانحة لاعتماد منطق "الغاية تبرّر الوسيلة" في عزّ الحملات الانتخابية، وكأنّه يطبّق حرفيا مقولة نيكولو ميكيافيلي "لا يُجدي أن يكون المرء شريفاً دائما"، بعد أن تبنّاها عقودا في مجال الكسب المالي من صفقات العقارات ووتيرة الدعاوى القضائية ضده في نيويورك.
كانت تعاليم مكيافيلي مثيرة للجدل، بعد نشر كتاب "الأمير"عام 1513، لكنّها ظلّت مؤثّرة في تعميق مجرى الواقعية السياسية عبر العصور. وتعرّض هذا المنحى في فلسفة "الأمير" في الحكم لانتقاد كثير. وثمّة اليوم من ينعت ترامب بمقولة شكسبير "المكيافيل الشرير" الجديد الذي استفاد مما يقدّمه "الأمير" توصيات للطغاة لمساعدتهم على الحفاظ على قوتهم. وتأتي هذه التفسيرات الميكيافيلية لمزاج ترامب، حتى من معلقين محافظين، مثل جونا غولدبرغ الذي توقع، منذ فترة طويلة، أن تنتهي رئاسته بشكل سيّئ، لأن "المزاج هو القدر". وتعود هذه المقولة إلى الفيلسوف الإغريقي هيراكليتس عندما قال "ethos anthropoid daimon"، وتُرجم إلى أن "مزاج الشخص هو مصيره"، وتقترب في فحواها من الآية الكريمة "إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا".
هي مسرحية شكسبيرية تدور حبكتها بين البيت الأبيض والدوائر السياسية في واشنطن حاليا بفعل التنافس الشرس بين الميكيافيلية وسياسة القِيَم moral politics، وتراجيديا الصّراع بين الشر والخير، والسّجالات اللامتناهية في جلسات الكونغرس والمؤتمرات الصحافية وتعليقات وسائل الإعلام. وتتقاطع التشبيهات بين حقبتي نيكسون وترامب في البيت الأبيض في تعدّد طبقات الحقيقة وتباين مظاهرها وبواطنها، وأسلوبيْ الرجلين في التحايل والخداع السياسي من أجل تطبيع ما يتعارض مع روح الدستور الأميركي ونصّه. وعلى غرار الصّراع في 
مسرحيات ماكبث وريتشارد الثالث، يجاهد ترامب نفسه، كما فعل نيكسون، في رفض فكرة أنّ "المزاج هو القدر"، أو أنّ الأعمال السيئة تتفكك وتؤدّي إلى التّراجع لدى مرتكبيها وفق رؤية شكسبير بشأن المحصّلة النهائية في الصرّاع الأزلي بين الميكيافيلية كناية عن قوة الشرّ وسياسة القِيَم دلالة عن قوة الخير.
يحتدم هذا السجال في بلد استشفّ فلسفته السياسية ولا يزال من الفكر والقيم البورتانية الطهورية puritanism التي تشبّعت بالديانة البروتستانتية، وبلورت نشأة العالم الجديد فكريا وسياسيا خلال الهجرات المتتالية من بريطانيا وألمانيا بين بدايات القرنين السادس عشر والتاسع عشر. وخلف حملة الكونغرس للتحقيق في ما فعله ترامب قناعةٌ راسخةٌ لدى سائر الأميركيين أن يكون رجال السياسة، على غرار رجال الدين، من الصّفوة المختارة لاستقامتها وإخلاصها للمبادئ والقيم. هي طهورية الحياة العامة مهّدت تاريخيا لانتشار فلسفة التنوير في الولايات المتحدة، وحدّدت ملامح المدرسة الأميركية في السياسة وضوابط الفصل بين صلاحيات السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وآليات المراقبة لدى الكونغرس على أداء البيت الأبيض.
يحتدم النقاش أيضا حول ما يعتبرها بعضهم "خديعة" ترامب للدّستور واستغلال المصلحة الوطنية بحكم المنصب لمآربه الشخصية. وتتعالى الأصوات بتآكل شرعيته، جرّاء أفعاله غير القانونية. وتزداد المطالعات لما كتبه عالم الاجتماع الألماني، ماكس فيبر، أبرز المتشبعين بالفكر البورتاني والمثالية السياسية عام 1922، عن الشرعية السياسية بأصنافها الثلاثة: السلطات القانونية، والتقليدية، والكاريزمية أو الشخصانية. لكن الأهمّ في استمرار سلطة الحكم في أعين الأميركيين هو مدى نجاح الرئيس في الحفاظ على الشرعية الشعبية، كما هو حال ترامب. وكما لاحظ فيبر، "يمتد الإيمان في شرعية اي نظام سياسي إلى ما أبعد من الفلسفة، ويساهم بشكل مباشر في استقرار نظام الدولة وسلطتها. ولدى جميع الحكّام تفسير لتفوّقهم على بقية المواطنين، وهو تفسير يلقى القبول، لكنه يثير المساءلة خلال أي أزمة". وهذا ما يفسّر تدنّي شرعية ترامب، إلى حد كبير، في منحى كل من السلطتين، القانونية والشخصانية، وفق التصنيف الفيبري.
يتذكّر الأميركيون أيضا جيمس ماديسون، أحد محرّري الدستور، ضمن مقاله "الفيدرالي رقم 51" بشأن تحديد الضوابط والتوازنات داخل الحكومة الفيدرالية، وأنه لا يمكن الحفاظ على التوازن بين فروعها إلا من خلال صدام المصالح. لذلك "يجب بذل الطموح لمواجهة الطموح، ويجب أن تكون مصلحة الرجل مرتبطة بالحقوق الدستورية". وهذا ما يفسّر قناعة بيلوسي واصدقائها في الكونغرس بأنّهم حماة الدستور، عندما لا يتوارى الرئيس ترامب في انتهاكه.
عدّ تنازلي للعزل أم مناورة سياسية؟
تكمن المأساة السياسية لدى ترامب في اعتداده بالقدرة على الخروج من شتّى المطبّات، ويعتقد أنّ مكالمته مع الرئيس الأوكراني كانت "مثالية" كما قال، على الرغم من أنها قد تلطّخه بوصمة الاتهام. عقب ثلاثة أيام قضاها في اجتماعاتٍ ثنائية أو جماعية يعتبرها "قياسية" مع رؤساء دول أخرى على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، كانت نبرة ترامب في مؤتمره الصحافي تنمّ عن الشعور بالمرارة والتعثّر، وبدا مرتبكا بعض الشّيء، وحائرا في تقديم أجوبة فضفاضة غير مقنعة لابتعادها عن فحوى أسئلة الصّحافيين. في لحظة معيّنة، بدا أنّ مَعِينَه الخطابي قد نضب، فاقترح مساعدة رجليْ الثقة في حكومته وزيري الخارجية، مايك بومبو، والمالية، ستيفن منوتشن، ليسترجع أنفاسه السياسية، فبادر بومبيو إلى تغيير موضوع توجيه الاتّهام بالحديث عن سياسة ترامب إزاء إيران بنبرةٍ تصعيدية تغازل هوى المحافظين، وبقية الكتلة الاتنخابية المؤيدة له. قد يكون ترامب في سيطرة أكبر على نفسه مما يقرّ به 
منتقدوه، فهو يحب أن يظهر رجلا قويا في العراك، لكن كما تساءل أحد المعلقين: كم من هذا المزاج حقيقي، وما هو مقدار ما هو مصطنع من أجل أن يكون له تأثير معين؟
مؤكد أن ترامب يجد نفسه في عنق الزجاجة الذي يزداد ضيقا في موسم الحملات الانتخابية والتحقيقات في الكونغرس. وكعادته دوما، يحاول إدارة أزمة بافتعال أخرى، كقوله إنّ "توجيه الاتهام إليه سيؤدي إلى انهيار سوق المال في بورصة نيويورك، وإنّ جميع الأميركيين سيصبحون فقراء". هي العبارة نفسها التي استخدمها العام الماضي، عندما لاحقته التحقيقات بشأن دور روسيا في انتخابات عام 2016.
خلال يومين بعد تصريح نانسي بيلوسي، ارتفع عدد الديمقراطيين المؤيدين لتوجيه الاتهام من 218 ومستقل واحد إلى 221 عضوا مقابل معارضة 199 من الأعضاء الجمهوريين. وما سيحدّد مسيرة عزل الرئيس أو عدمه هو نتيجة الجدلية بين الأرقام والنصوص الدستورية:
أوّلا، يتطلّب عزل الرئيس ثلاث خطوات متتالية، أوّلها نسبة الأغلبية البسيطة لمجموع عدد أعضاء مجلس النواب أي 218 من أصل 435 عضوا. الثانية، عقد محاكمة للرئيس داخل مجلس الشيوخ، يتولى أعضاء مجلس النواب خلالها دور الادّعاء العام، ويكون أعضاء مجلس الشيوخ بمثابة محلّفين في جلسة يترأسها رئيس المحكمة العليا. الثالثة، التصويت داخل مجلس الشيوخ بنسبة الثلثين، أي 67 صوتا مؤيدا من أصل 100 صوت. وهذا الاحتمال صعب التحقّق، لوجود أغلبية جمهورية، تضم 53 عضوا في المجلس، ما لم تُظهر التحقيقات اللاحقة ما يكفي لإقناع الجمهوريين بالخطايا الدستورية لترامب. ويحتاج الديمقراطيون لإقناع عشرين جمهوريا بضرورة محاكمة الرئيس. وقد تثير نسبة التصويت المطلوبة سجالاتٍ جديدة حول شرعية التصويت بأغلبية الثلثين، أو بالأغلبية البسيطة بتأييد 51 عضوا فقط. وتتأتى إمكانية التصويت بالأغلبية البسيطة من نجاح رئيس الاغلبية الجمهورية في المجلس السناتور ميتش مكلنول في تغيير قواعد التصويت عند التصويت على القضاة المرشحين للمحكمة الدستورية عام 2017.
ثانيا، تقارب التأويلات أو تباعدُها لنصّ الدستور الأميركي، إذ يقضي البند الثاني في القسم الرابع من الدستور بإقالة الرئيس ونائب الرئيس وغيره من المسؤولين الفيدراليين من مناصبهم بعد إدانتهم بتهمة الخيانة والرشوة و"غيرها من الجرائم الكبرى والجنح". وهذه من أكثر التهم 
المثيرة للجدل بين فقهاء القانون الدستوري الأميركي. وبالتالي، يكثر اللغط القانوني بشأن مدى الصواب في اعتبار فحوى المكالمة الهاتفية بين الرئيس ترامب ونظيره الأوكراني "جنحة" بقوة الدستور. وقد ترك الأباء المؤسسون هذه المرونة في التفسير عنوة، حتى يحدد المشرعون ما تقتضيه كل حالة بذاتها، وحسب سياقها الزمني والسياسي. وقد بدأ مجلس النواب عبر تاريخه إجراءات عزل قرابة ستين من الرؤساء أو أعضاء الكونغرس أو القضاة الفيدراليين، ولم يتم عزل سوى الثلث منهم. ومن أشهر هذه الحالات قضية الرئيس أندرو جونسون عام 1868 في أثناء خلافه مع الكونغرس حول سياسة إعادة البناء عقب الحرب الأهلية وإقالة وزير الحرب آنذاك إيدوين ستاتن، فصوّت وقتها 35 من أعضاء مجلس الشيوخ ضدّ الرئيس، ولم يسعفه إلاّ صوت واحد من أغلبية 36 صوتا المطلوبة لعزله من البيت الأبيض.
ليس مؤكّدا أن يمهّد قرار الديمقراطيين بدء التحقيق إلى توجيه الاتّهام رسميا إلى ترامب. وثمّة تباين واضح بين القراءات المختلفة لنص المكالمة الهاتفية بين من يعتبرها "مسدسا عليه آثار الدخان" smoking gun"، دليلا على جريمة ترامب، ومن يقلل من ذلك وأنه "يثير القلق" فقط حول سوء تصرف الرئيس. كان الديمقراطيون يبدون دائما قدرا كبيرا من التريث وعدم المجازفة بمعركة قانونية، مثل توجيه الاتهام مع ترامب خلال التحقيقات في تورّط الروس في الانتخابات الرئاسية. ولم يغامروا بإمكانية فشل جهودهم لمحاكمته في السابق، وبالتالي تلويحه بأن الديمقراطيين أنفسهم يتربّصون للإيقاع به، ولم يثبتوا أي جرمٍ عليه. كما احترسوا أكثر من عامين من مغبة استغلال ترامب فشل المحاكمة أو العزل كمنصة انتخابية تعزّز مقولته إنه "من خارج المؤسسة السياسية"، غير أنّ خطاب كل من بيلوسي وشيف ينمّان عن قناعة بأن نقمة أوكرانية جديدة فوق النقمة الروسية، وما سيكشفه الشخص الذي أطلق صفارة الإنذار لقادة الكونغرس، وانشقاقات أخرى مقبلة في معسكر ترامب، من شأنها أن تقعد بعير ترامب في الطريق قبل خط الوصول يوم 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، موعد الانتخابات الرئاسية.