اجتماع القدس الثلاثي... هل يتخلى الروس عن الإيرانيين في سورية؟

26 يونيو 2019
الصورة
روسيا تبحث تحصين "مصالحها" في الشرق الأوسط (Getty)

لا يبدو أن الاجتماع الثلاثي الأمني الذي جمع روسيا وإسرائيل والولايات المتحدة في القدس المحتلة، حقق اختراقاً مهماً على صعيد بلورة حلول دائمة للعديد من الملفات في القضية السورية، وفي مقدمتها الوجود الإيراني، الذي بات ورقة تفاوض قوية بيد الروس مع الأميركيين، وخاصة لجهة المشاركة في رسم خرائط منطقة الشرق الأوسط الذي تحاول روسيا ترسيخ مصالحها فيه بعد أن باتت اللاعب الأهم في الساحة السورية. 

وبدأت الثلاثاء أعمال الاجتماع الأمني الثلاثي رفيع المستوى لمستشاري الأمن القومي لكل من روسيا وإسرائيل والولايات المتحدة، في فندق "أورينت" بالقدس المحتلة، بمشاركة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو. 

وكانت القضية السورية في مقدمة أولويات هذا الاجتماع غير المسبوق، وخاصة لجهة تحجيم الدور الإيراني في سورية، الذي تعاظم خلال سنوات الحرب حتى كاد يخرج عن نطاق السيطرة. 

ولا تخفي إسرائيل غايتها بتسريع خروج القوات الإيرانية من الجنوب السوري، والتي باتت مصدر قلق دائم لتل أبيب التي يضرب طيرانها بين فترة وأخرى أهدافا إيرانية في جنوب ووسط البلاد في سياق استنزاف الإيرانيين ومنعهم من ترسيخ أقدامهم ليس بعيداً عن الحدود الشمالية لإسرائيل. 

وزعم نتنياهو في اليوم الأول من الاجتماع: "إننا جميعاً نريد رؤية سورية تنعم باستقرار وسلام وأمن، هذا هو الهدف المشترك، وأمامنا مهمة مشتركة هي تحقيق ذلك الهدف الأكبر، وألا تبقى القوات الأجنبية التي دخلت سورية بعد عام 2011 على الأراضي السورية". 

وأضاف: "نظن أن هناك طرقاً لتحقيق ذلك لضمان منطقة أكثر استقراراً. إبعاد هذه القوات الأجنبية سيكون جيداً لروسيا والولايات المتحدة وإسرائيل، ودعوني أُضِف أيضاً أنه جيد لسورية أيضاً".

وقال نتنياهو عن أهداف إسرائيل من هذه القمة: "إننا نتطلع إلى مناقشة الطرق العينية والمحددة لتحقيق هذا الهدف، الذي هو ضروري لتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي 2254 بنجاح. وتأمل إسرائيل أن تساهم هذه القمة في تقريبنا من تحقيق أهدافنا المشتركة بالسلام والازدهار والأمن في هذه المنطقة". 

ولاحقاً، أعلن نتنياهو، خلال زيارة معرض لجيش الاحتلال في القدس المحتلة: "نحن مصممون على إخراج إيران من سورية. إننا نتطلع إلى أن تخرج جميع القوات الإيرانية التي دخلت سورية. هناك توافق بين الدول العظمى. وسنبحث ذلك أيضاً مع ترامب وبوتين". 

وكان ولا يزال الوجود الإيراني في سورية مثار جدل وخلاف بين موسكو وتل أبيب وواشنطن، حيث من الواضح أن موسكو ليست في وارد اتخاذ القرار الصعب بالتخلي عن حليفها الإيراني من دون مقابل يجعل منها شريكا لواشنطن في رسم الخرائط الجديدة لمنطقة الشرق الأوسط. 

ومنذ بدء الثورة السورية في عام 2011، بدأت إيران بالتدخل المباشر لصالح نظام بشار الأسد، الذي شرّع أبواب البلاد أمام آلاف المسلحين الطائفيين الذين أرسلتهم إيران إلى سورية ضمن مليشيات ترفع شعارات طائفية قتلت السوريين على الهوية حتى باتت جزءا من معادلة القوة. 

ونشرت إيران هذه المليشيات التي تضم مسلحين شيعة من كل الجنسيات في عموم البلاد، وخاصة في دمشق ومحيطها وفي حمص، وحلب وريفها وريف دير الزور الشرقي. 

وخلقت إيران مليشيات محلية تضم مسلحين سوريين وفلسطينيين ولبنانيين، باعوا ولاءهم للحرس الثوري الإيراني مقابل دعم عسكري ومادي، كما تغلغل الإيرانيون في المؤسستين العسكرية والأمنية التابعتين للنظام السوري إلى حد بعيد، حيث يدين بالولاء لإيران عدد كبير من ضباط جيش النظام، وفي مقدمتهم ماهر الأسد، الذي يقود الفرقة الرابعة في هذا الجيش الذي أدت الحرب إلى تهالكه. 

وتنشط إيران لتغيير الهوية السورية من خلال نشر التشيع في البلاد ترهيبا وترغيبا، كما تحاول إيجاد موطئ قدم لها على الساحل السوري وإنشاء قواعد عسكرية إلى جانب القواعد الروسية. 

وخلقت إيران وقائع في سورية من الصعب تجاوزها من دون مساعدة روسية، من هنا تمارس واشنطن وتل أبيب ضغوطاً على موسكو من أجل التخلي عن الإيرانيين في سورية مقابل بقاء الروس في شرقي البحر المتوسط، ومنح بشار الأسد طوق نجاة سياسياً من خلال الاعتراف به والسماح له بالترشح في الانتخابات المقبلة، وفق مصادر إعلامية تواكب اجتماع القدس. 

ولكن الكاتب المختص بالشأن الروسي طه عبد الواحد يرى، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، أن الروس لن يتخلوا عن الإيرانيين في سورية لأنهم "باتوا بالنسبة لهم (الروس) ورقة رابحة طويلة الأمد ومتعددة الاستخدامات، مثلما كان ويبقى بشار الأسد ورقة استفادوا منه في العودة إلى الشرق الأوسط". 

وأضاف: "إيران وسيلة الروس لتعزيز دورهم وسيبقونها تحت جناحهم دوما على أمل أن يكون لهم الدور الرئيسي في مفاوضات إيرانية - أميركية، كما أن إيران ورقة بيدهم (الروس)، لضبط علاقاتهم وتعزيز مكانتهم بالنسبة لدول الخليج العربي أيضاً". 

وأشار المتحدث ذاته إلى أن "الروس يسعون إلى اتفاق"، مضيفا: "نلاحظ أنهم "يرفعون السعر" مثلما هو الحال في الصفقات التجارية، لذلك أعلنوا اليوم (الأربعاء)، وقبل لقاء مرتقب في اليابان بين بوتين وترامب، أن المجلس الفيدرالي وافق على قرار وقف العمل بمعاهدة الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى، ردا على وقف ترامب العمل بها في 2 فبراير/ شباط". 

ومضى بالقول: "الروس يظهرون استعدادهم للمضي في المواجهة حتى النهاية، الأمر الذي يعزز فرص صفقة مع الأميركيين، لكنهم لا يبحثون عن صفقة حول سورية وإيران فقط، هم يريدون صفقة كبرى تشمل جميع الملفات الخلافية مع الأميركيين". 

ويعتقد عبد الواحد أنه "ليس من أهداف لقاء القدس الثلاثي التوصل لاتفاق"، مضيفا: "يبدو أنه كان لتبادل وجهات النظر في إطار تحضير كل طرف لما يريده من الآخر. وفيما لم ترشح معلومات واضحة عن نتائج اجتماع القدس، إلا أن مصادر إعلامية رجحت أن يتم رفع مخرجات اللقاء اليوم وعرضها خلال اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في مؤتمر مجموعة العشرين في اليابان نهاية الشهر الجاري".

كذلك أشارت المصادر إلى أن الاجتماع أسس للجنة ثلاثية تضم موسكو وتل أبيب وواشنطن لمتابعة مختلف قضايا الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القضية السورية، التي لا تزال مثار جدل بين العواصم الثلاث في ظل إصرار روسي على فرض رؤيته للحل وبقاء بشار الأسد في السلطة، ولكن من دون تقديم مقابل، وهو التخلي عن الإيرانيين والمساعدة على دفعهم خارج الأراضي والقرار السوري. 

ولكن الأطراف الثلاثة متفقة على "ضمان أمن إسرائيل"، عبر الإقرار بسيادتها على الجولان السوري المحتل، وتزويدها بأحدث الأسلحة، والسماح لها بالعمل بحرية في الأجواء السورية، وإبعاد أي خطر عن حدودها الشمالية، في ظل التصعيد الكبير بين طهران وواشنطن، والذي قد يفضي إلى مواجهة بين الجانبين. 

ومن المتوقع أن تنقل إيران هذه المواجهة في حال حدوثها إلى الدول العربية التي تملك أوراقاً قوة فيها، كسورية والعراق واليمن ولبنان وفلسطين، من خلال قطاع غزة، الذي تسيطر عليه حركة "حماس" المدعومة من الإيرانيين. 

ويرى يحيى العريضي، الناطق باسم هيئة التفاوض التابعة للمعارضة السورية، أن اجتماع القدس الثلاثي "استعراضي بلا نتائج"، مستدركا بالقول: "إن كانت هناك نتائج فهي خبيثة". 

وفي حديث مع "العربي الجديد"، أشار العريضي إلى أن "كل طرف له غاية من هذا الاجتماع"، مضيفا: "إسرائيل تقدم نفسها لاعبا عالميا بين قوتين كبيرتين، بينما تقدم روسيا أوراق اعتماد لدى أميركا للاعتراف بها لاعبا دوليا، في وقت تلعب فيه الولايات المتحدة بالجميع". 

وتابع بالقول: "سورية آخر المستفيدين من هذه الاجتماعات. هم (الروس والأميركيون والإسرائيليون) يبحثون عن مصالحهم، ورسم خطوط لعبة جديدة ربما أحقر مما سبقها. دون اكتراث بالسوريين". 

تعليق: