هل تنجح الأزمة العالمية في إنهاء المحنة السورية؟

05 مايو 2020
الصورة
+ الخط -
(1)
موسكو .. الإعداد لما بعد الأسد
تتزايد المؤشرات الصادرة عن مصادر صحافية وتقارير مؤسسات روسية، كان جديدها ما نشره "المجلس الروسي للشؤون الدولية" عن احتمال وجود توافق روسي أميركي لتنحية بشار الأسد، وتشكيل حكومة انتقالية تشمل المعارضة والنظام وقوات سورية الديمقراطية (قسد). مع كل الاحتياطات والتحفظات التي ينبغي أن نأخذها قبل أن نغذي مثل هذا الأمل على تفاهم دول لم يُظهر أكثرها أي اعتبار للمصالح السورية الوطنية والشعبية. وعلى الرغم من العقد الكثيرة التي تجعل التوصل السريع إلى مثل هذا الاتفاق بين دول متضاربة المصالح ومتنافسة في ما بينها على استخدام سورية ورقة للتفاوض، ومسرحا لامتحان القوة وتصفية الحسابات التاريخية، ومع ضرورة التمسك، أكثر من أي وقت مضى، بالحذر من بيع الأوهام التي عانينا منها كثيرا، لا يمكن لنا، كسوريين معنيين بالخروج من النفق الذي وضعتنا فيه الحرب الدموية، ألا نفكر في هذا الاحتمال وألا نتعامل معه بجدّية، فبصرف النظر عن هذه التسريبات، كان من الواضح منذ أن أخفقت الحملة الروسية الإيرانية على إدلب، وتم التوصل إلى وقف ولو هش لإطلاق النار، أن الحرب قد وصلت إلى خاتمتها، ليس لأن الروس والإيرانيين حققوا أهدافهم الرئيسية، ولكن لأن توازنات القوى أوصلتها إلى طريقٍ مسدود، لم يعد يستطيع أي طرف أن يحقق فيها أكثر مما حققه من قبل، وبالتالي لم يعد من الممكن لموسكو استرجاع ما كانت تحلم به من سيطرة كاملة على التراب السوري وإجبار الأطراف الأخرى على القبول بالحل الذي تمليه عليهم بحسب مصالحها. وأصبح من المفيد أكثر وقف الاستثمارات الإضافية فيها، والسعي إلى 
قطف ثمار ما بذلته من جهود، قبل أن تضيع هي ذاتها.
تدفع في هذا المنحى أيضا عوامل أخرى، أهمها الانتخابات الرئاسية السورية في منتصف العام المقبل (2021)، فطالما لم تتبلور خطة الخروج من الحرب قبل هذا الموعد، ستجد موسكو نفسها أمام تمديد أوتوماتيكي للأسد لن يترك بعد ذلك فرصة للتسوية أو للتفاهم مع أي طرف من الأطراف الدولية، والولايات المتحدة بشكل خاص. وهناك الضغط المتزايد الذي يشكله تفاقم الأزمة الاقتصادية والمعيشية وشلل حكومة الأسد في مواجهتها، ومخاطر الانفجارات الاجتماعية، ما يهدد بانفلات الأوضاع والفوضى وتجدد أعمال العنف، من دون أن يستطيع أحد السيطرة عليها. وليس هناك شك أيضا في أن الأزمة الصحية التي تسبب بها وباء كورونا، وما تبعها من أزمة اقتصادية أضيفت آثارها إلى نتائج المقاطعة والعقوبات التي لا تزال موسكو ترزح تحت ثقلها، ثم الانهيار الذي شهدته أسعار النفط، وهو المصدر الرئيسي لدخل الدولة الروسية، لا يمكن لذلك كله إلا أن يدفع موسكو إلى التخفف من الأعباء الإضافية وتجميد الحروب "الثانوية"، والتوجه إلى البحث عن مزيد من التعاون الدولي، للخروج من الأزمة العالمية الكبرى. وليس للتسريبات الصحافية حول استياء الرئيس الروسي من الأسد سوى هدف واحد، هو استدراج عروض غربية للدخول في مفاوضات وحوار تتجاوز أهدافه القضية السورية بكثير.
ومع ذلك، ليس مؤكّدا أن موسكو قد اكتشفت الصيغة التي تساعدها على التخفيف من عبء الأزمة السورية ومخاطر استمرارها. كما أنه ليس من المضمون أيضا أن تُفضي المفاوضات التي لم تبدأ بعد مع واشنطن إلى نتيجة سريعة، فالأميركيون المعنيون أكثر من أي طرف دولي آخر بالتنزيلات الروسية في ثمن السلعة الأسدية ليسوا بالضرورة في عجلةٍ من أمرهم. ولا أحد يعلم حتى اليوم ما الذي يريده الأميركيون في سورية. هل هو الاستمرار في تعقب ما تبقى من تنظيم الدولة الإسلامية، أم بالفعل القضاء على الوجود الإيراني على أراضيها، أم تحقيق حد أدنى من الحكم الذاتي للكرد السوريين، أو الحفاظ على السيطرة على الموارد النفطية السورية، أو تعزيز سيطرتهم الإقليمية؟ وكيف يستقيم ما جاء في تقرير "المجلس الروسي"
 المذكور من حديث عن اتفاق بين الروس والأميركيين والإيرانيين والأتراك حول تسوية سورية قادمة وحكومة انتقالية، إذا كان إخراج الإيرانيين من سورية لا يزال هدفا رئيسيا للسياسة الأميركية، اللهم إلا إذا كان قد حصل، في الوقت نفسه، اتفاق إيراني أميركي بشأن مصالح إيران في سورية المقبلة، وحجم وجودها وطبيعته، وفي ما يتجاوز ذلك أيضاً. وبالمثل، ليس من الواضح كيف يمكن إدراج قوات سورية الديمقراطية (قسد) طرفا في الحكومة الانتقالية العتيدة، في الوقت الذي لا تزال تركيا تعتبر هذا التشكيل منظمة إرهابية تهدّد أمنها القومي، بينما لا يزال الكرد السوريون في "قسد" يرفضون الانفصال عن قيادة حزب العمال التركي المرفوض من أنقرة، أو التفاهم مع المعارضة السورية على حدود المناطق التي يريدون تقرير مصيرهم فيها، هل هي أراضي الإدارة الذاتية الراهنة التي تضم أغلبية ساحقة عربية، أم هي مناطق الكثافة السكانية الكردية التي أصبحت، إلى حد كبير، تحت سيطرة السلطات التركية المباشرة أو غير المباشرة؟
وعلى الرغم من ذلك، لا ينبغي التقليل من أهمية نافذة الفرص الجديدة التي فتحت، وسوف تزداد انفتاحا على الأغلب، لا بسبب توصل الأطراف المعنية إلى اتفاقٍ يبدو لي أنه لا يزال بعيد الحصول، وإنما بسبب غياب الخيارات الأخرى، ومخاطر التدهور المتزايد في الأوضاع السورية والعالمية أيضا، والخوف من تراجع الفرص في المستقبل، وجعل الخروج من المأزق، بالنسبة للروس بشكل خاص، أكثر كلفة بكثير، وربما مع تهديدهم بخسارة المكاسب التي حققوها حتى الآن.
(2)
انهيار المعارضة
من الجهة الأخرى، لم تعد المشكلة الوحيدة، أو حتى الرئيسية، التي تحول دون الانتقال السياسي، استعصاء التفاهم بين الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الحرب السورية، فعاجلا أو آجلا، ستجد هذه الدول نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما، التوصل إلى تسويةٍ توقف 
الحرب، وتمهد لاستثمار المكاسب التي تحققت أو المخاطرة بالغرق في مستنقع "أفغاني" جديد. وهو الخيار الذي لا يمكن للروس أن يسمحوا لأنفسهم بتجربته ثانية، حتى لو أن هذا هو ما تتمناه طهران وتعمل عليه.
يشكل ضعف تأهيل المعارضة وتشتتها، وفشل إدارتها المناطق التي خضعت لسيطرة فصائل عسكرية تدّعي الانتماء لها، مشكلة ثانية لا تقل اليوم أهمية عن الأولى؛ إذ يحتاج الانتقال من حكم المليشيات المحلية والإقليمية وسيطرة الأجهزة الأمنية إلى حكم تعدّدي مدني، يضمن الأمن والاستقرار بحده الأدنى، إلى قوى وتنظيمات سياسية تتمتع بالحد الأدنى من الصدقية، وتملك الإرادة والقدرة على تأطير الجمهور الشعبي وقيادته، لمواجهة فلول الأجهزة الأمنية والعسكرية التي ارتبطت بالنظام، وساهمت بشكل كبير في قتل آلاف الضحايا الأبرياء. وكما لا يمكن الثقة بهؤلاء، حتى بعد استبعاد بعضهم من الخدمة الميدانية، لا يمكن أيضا المراهنة على عفوية الشعب، المحطّم والممزّق طائفيا ومذهبيا ومناطقيا وقوميا، في تجاوز الألغام التي لا يزال يضعها في طريقه منذ نصف قرن نظام الأسد وحلفاؤه الإيرانيون والعرب، وفي مواجهة ألاعيب القوى القديمة أو الحد من نفوذها وتأثيرها.
ولا جدال في أن المعارضة، على مختلف اتجاهاتها، فشلت خلال السنوات التسع الماضية في استعادة أنفاسها، وإعادة تنظيم صفوفها، لتحول الملايين من السوريين، المستميتين في تغيير الأوضاع المأساوية ونمط السلطة الهمجية التي تحكّمت برقابهم لعقود طويلة، إلى قوى فاعلة ومنظمة، قادرة على المشاركة الإيجابية في الحياة السياسية الجديدة، وتجنب الانزلاق إلى مهاوي الصراعات الجانبية والطائفية والفوضى التي انزلق إليها العراق بعد سقوط الديكتاتورية، والتي قضت، في النهاية، على حلم العراقيين في بناء دولة مستقلة وسلطة ديمقراطية تلبي طموحاتهم وتستجيب لتطلعاتهم التحررية.
ولا أقصد بالمعارضة هنا الأحزاب السياسية المعروفة، وإنما قدرة السوريين، الثائرين على حكم الطغيان، جميعا، على تنظيم أنفسهم في قوى وتشكيلات سياسية ومدنية، وائتلافات أو جبهات أو تحالفات جدّية وفعالة، تنسق جهود ونضالات جمهور الشعب لمواجهة مهام الانتقال السياسي، وتحقيق الأهداف التي ثاروا من أجلها، فقد قضى آلاف من النشطاء والمثقفين 
والسياسيين، الذين انتموا بصدق لمعسكر التغيير والديمقراطية، جل وقتهم الماضي، في تصفية الحسابات الشخصية. فامتهن بعضهم التشهير بالمعارضة الحزبية التقليدية التي اكتشفوا هشاشة بنياتها، وتشوش أفكارها وضعف قياداتها، وجند بعضهم الآخر نفسه لتحطيم ما كان يتمتع به بعض النشطاء والمثقفين من صدقية، حتى لا يكون هناك كبير غير الجمل، كما يقول المثل الشائع، ويتحوّل الجميع إلى أصفار متساوين، بينما تخصص بعض ثالث في الكشف عن الفساد الذي انتهى إلى تقرير أن أغلب المعارضين والنشطاء، إن لم يكن جميعهم، فاقدون للوطنية، ولا يهمهم سوى الكسب والارتزاق. هكذا أصبح السوري الشهيد هو السوري الوحيد المخلص والثوري الحميد.
وهكذا تحول النقد الذاتي إلى عملية منهجية لنزع الشرعية عن التشكيلات السياسية التي مثلت الثورة أو حاولت تمثيلها، كالمجلس الوطني والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة وهيئة التنسيق والهيئة العليا للمفاوضات والحكومات المؤقتة والشخصيات السياسية والثقافية. واحتلت المحاكمات العشوائية والأحكام أو الاتهامات المجانية مكان التحليلات السياسية والدراسة الموضوعية للشروط التاريخية وللتحديات الحقيقية المادية والاستراتيجية والدولية التي واجهت الثورة السورية. ولم يشذ قادة الأحزاب "التاريخيون" عن هذا المنحى في نقد المعارضة، وتحميل المسؤولية لشركائهم أو منافسيهم، كما لو كانوا خلال السنوات الطويلة الماضية مجرّد متفرّجين أو شهود زور. لم يذكر أحد منهم كلمة واحدة عن الخيارات الكبرى التي تبنوها ودفعوا إليها، ولا عن أسباب تحطم السفينة التي فرضوا أنفسهم قادة لها، مكتفين بتكرار أن الجميع وقع في الخطأ، من دون تحديد ماهية الخطأ، أو التفكير في أسبابه، وكيفية تصحيحه.
ولا يمكن لمراقبٍ موضوعي أن لا يعترف بأن المعارضة السورية التي تشمل جميع الذين قادوا أو شاركوا في قيادة معركة إسقاط النظام واستبداله بنظام ديمقراطي بكل أشكالها، لم تستفد كثيرا من تجربتها المريرة الماضية، ولا حاولت أن تفهمها وتستوعب أسباب فشلها. ولا نزال نتبادل التهم ونتبارى في التبرؤ من المسؤوليات التي يرميها النشطاء الشباب على السياسيين المحترفين، والسياسيون على المثقفين، والمثقفون على الإسلاميين، وهؤلاء على المجتمع الدولي والدول "الصديقة" والعدوة.
(3)
فشل المراجعة السياسية
السبب في هذا الانهيار لجيل كامل من المعارضة السورية، التي وضعت عليها الحوارات الصامتة لبعض زعمائها وصمت أكثرهم الناطق نقطة الختام، هو ببساطة إخفاقها، بعد تسع سنوات من كتابة شعبها تاريخه بالدم، في القيام بالمراجعة السياسية المطلوبة، واستسهالها
 الخوض في وحل المعارك الشخصية والأخلاقويات الكاذبة، بدل السعي الجدي والصادق إلى التعرّف على أخطائها وإعادة النظر في خططها واستراتيجياتها للبرهان على أنها لا تزال أهلا للقيادة، والاستمرار في تحمل المسؤولية، والقدرة على اتخاذ الخيارات الصعبة والضرورية، فقد كان من شأن المراجعة الجدّية، وهذه غايتها أيضا، أن تعيد تأهيل المعارضة وصدقيتها، باستعادتها الثقة على المستويات الثلاثة التي لا قيمة لها ولا فاعلية ولا وزن من دونها:
أولا، ثقة أعضائها ذاتهم بأنفسهم، وتجاوز مخاطر الاستسلام للفشل والتسليم بالعجز والانسحاب أو الارتماء على الدول الأجنبية. وثانيا، ثقة جمهورها وحاضنتها الشعبية بها وبقدرتها على تحمل المسؤولية ومواجهة التحديات والتغلب عليها. وثالثا، ثقة الرأي العام والمجتمع الدوليين في أهليتها لأن تشكل بديلا ممكنا ومتماسكا لنظام الاستبداد، يمكن المراهنة على مشاركته في بناء نظام جديد، وتجنب احتمال الفوضى والتشتت والانقسام.
لقد خسرت المعارضة السورية، على مختلف تشكيلاتها وفصائلها، معركة المراجعة هذه، ووجدت نفسها، في المقابل، تعوم في مستنقع من المساءلات والمحاسبات والاتهامات المتبادلة التعسفية، فدمرت نفسها بنفسها، بدل أن تعيد ترتيب أفكارها وتنظيم صفوفها ورسم خططها واستعادة المبادرة. وخرجت، كما نعرف جميعا، بكل تشكيلاتها وفصائلها وشخصياتها من الحلبة، وتركت جمهورها في ضياعٍ فكري وسياسي وعاطفي كامل.
وما جرى ويجري منذ بضع سنوات يشبه المناحة الجماعية التي يتبارى فيها النائحون في التشكي والتظلم والدعوة إلى الانتقام، وربما إلى إقامة محاكم تفتيش فورية، وإطلاق تهم جزافية، لتأكيد فكرة الفشل والعجز والخيانة وغياب الشرعية، أكثر بكثير مما يشير إلى مناقشة عقلانية تعتمد الحديث في الوقائع والأحداث التاريخية والنتائج والمقدمات. وهو من نوع السلوكيات البدائية التي تبرز مركزية الأهواء والمآخذ الذاتية والنفسية، وأحيانا الدينية، على حساب مناقشة القضايا السياسية والاستراتيجية. ولا يمكن لهذه السلوكيات إلا أن تنتهي بتعميق الشرخ بين الجماعات والأفراد، وتأجيج عدائهم بعضهم بعضا، ونفورهم المتبادل، وربما الرغبة في الاغتيال.
تهدف المراجعة إلى إعادة تركيب الوقائع في الذهن، لتعميق فهمنا لديناميكية الأحداث، وتحسين قدرتنا على التدخل والاختيار وتجاوز الأخطاء والقرارات التي بنيت على أسس ضعيفة أو 
واهية، ومن ثم إعادة إصلاح الممارسة وهيكلة مؤسسات العمل والنشاط. ولذلك لا تقوم المراجعة على قراءة واحدة أو رواية شخصية لطرف واحد، وإنما هي ثمرة تقاطع القراءات المتعدّدة للمشاركين في الفعل، وهذا ما يساعد القارئ، أي الجمهور والرأي العام المعني بالأمر، على إعادة تركيب الوقائع الصحيحة أو تكوين رؤية موضوعية أكثر لما حدث، وتحديد المسؤوليات السياسية، أي الخيارات الخاطئة التي تستدعي التبديل، من دون أن يعني ذلك إدانة القادة أو التشكيك بإخلاصهم، فالمخلصون يخطئون، بل هم وحدهم الذين يخطئون، أما أضدادهم فهم يسيئون عن عمد وتصميم وغدر.
من هذه المناقشات الجدّية والموضوعية المسؤولة يتكون الوعي السياسي الجمعي، ويتغذّى بالمراجعات والنقد الذاتي، ويوجه المجتمعات، ويساعدها على تنظيم نفسها وتربية القادة الجدد بثقافة ومنهج للعمل وأخلاقيات تشجع على التعاون والعمل الجماعي والنقاش الموضوعي وتبادل وجهات النظر.
فلا توجد تجربة ونشاطات إنسانية ومعارك سياسية لا تحتمل فيها القرارات خيارات مختلفة، ولا تحمل بالتالي في ذاتها إمكانية النجاح والفشل. وما قد يبدو خيارا صحيحا يمكن أن يظهر خاطئا في نظر شخص آخر أو في وقت مختلف. وكل التجارب الثورية، من حيث هي عملية تاريخية جديدة وإبداعية، بمعنى أنها ليست تكرارا لدرس محفوظ سلفا، تحتمل اجتهاداتٍ متباينة بالضرورة. والفشل جزء من النجاح، بمقدار ما يشكل الطريق الإجباري في أوقات كثيرة للتعرّف على الحلول الصحيحة، فنحن نتعلم كما تقول الحكمة دائما، من خلال التجربة والخطأ. ومن يخاف من الخطأ لا يهم بأي عمل، ويبقى ساكنا كالحطب.
أما المراجعات التي تتحكّم بها روحية تصفية الحسابات، مع الذات أو الآخر، أو الماضي، أو العروبة، أو الإسلام والقومية والتاريخ، وتدفع إليها الرغبة في الانتقام أو الظهور والوجاهة، وتسويد صفحة المنافسين وسمعتهم، فهي، بمقدار ما تشخصن القضايا العامة، تقود بالضبط إلى عكس ما تدّعيه تماما، أي إلى فرط المجتمع السياسي الجديد الناشئ، وجعل مهمة بناء القوى أو إعادة تجميعها غاية مستحيلة، بل غائبة كليا عن التفكير. وهذا ما يقود إليه ترصد الزلات وتصيد الأخطاء والامتحان الدائم لضمير الأشخاص، والتشكيك بنواياهم، وأصولهم، ومذاهبهم، وطوائفهم، وطبقاتهم، لضرب صدقيتهم وإخراجهم من الملّة والدين، أعني هنا بالتأكيد ملّة المعارضة ودينها. وليست لهذا علاقة بالمراجعة والنقد الذاتي، وإنما هو من باب الصراع البدائي، أي غير المنظم ولا المرشد، على القيادة والسلطة والوجاهة، والذي ينتهي حتما، كما جاء في الذكر الحكيم: لَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ. .. وهذا ما حصل بالضبط.
(4)
نحو جيل جديد من الساسة والمثقفين
يفسر هذا كله ما نجد أنفسنا عليه اليوم من حالةٍ يرثى لها من الانفلاش وانعدام الوزن وفقدان الثقة والتفاهم والتعاون والتنظيم، تحرمنا من المشاركة في قيادة عملية انتقالية محتملة أو المساهمة في دفعها وصياغة شروطها وغاياتها، أي في تقرير مستقبل بلادنا. ولكن الإقرار بأن الجيل السابق من المعارضة، بكل ما يمثله من أفكار وتقاليد ومناهج عمل وحرتقات وألاعيب 
قد انتهى، لا يترتب عليه أن نلوذ بالفرار، أو نترك المهام الصعبة الماثلة أمامنا، ونحتمي وراء فكرة الفشل وانعدام القيادة والقدوة. إنه يرتب علينا بالعكس، وأقصد هنا على جيل الشباب الجديد الذي عاش الثورة، وعانى فيها، وشارك في تضحياتها، مسؤوليات جسيمة أكثر، فقطع الأمل بالأقدمين ينبغي أن يشجع الشباب، ويحثهم على التقدّم إلى الواجهة، واحتلال مواقع القيادة التي أصبحت فعليا شاغرة.
وعلى الرغم من أن إدراكنا حقيقة أن الخروج من المحنة لن يكون ممكنا من دون تفاهم الأطراف الدولية ودعمها، إلا أن حضورنا سيصبح أكثر فأكثر أهمية في المستقبل، فلن تكون هناك إمكانية لتجاوز حالة الانقسام والتشتت والتنازع والفوضى التي يعيشها مجتمعنا السياسي اليوم، ولفترة طويلة مقبلة، ولا أقول لتحقيق الانتقال الديمقراطي المنشود، من دون عودة السوريين إلى دائرة الفعل، بصرف النظر عن الموقع الذي سيحتلونه في مواجهة الروس والترك والأميركيين والإيرانيين وغيرهم. ولا توجد أي وسيلة لتحقيق هذه العودة وانتزاع السوريين حقهم في تقرير مصيرهم، وتنظيم شؤون وطنهم ومجتمعهم بأنفسهم، ما لم يبدأ جيل الشباب الجديد، من النشطاء والسياسيين والمثقفين المتحرّرين من ثقافة الماضي وتقاليده، ومن روح التبعية أو الانتقام، منذ الآن في المبادرة لتحمل مسؤولياته، واستكمال ما لم يستطع جيلنا السابق إنجازه، بما في ذلك المراجعة النقدية للثورة وخياراتها والبناء على دروسها، وعلى ما قدّمه جيل آبائهم وأسلافهم من تضحيات ومبادرات وأعمال جليلة، وبطولية أحيانا، ما كان من الممكن من دونها استعادة قيم الكرامة والحرية وانطلاق الثورة التي تشكل، بلا منازع، الحدث الأعظم في تاريخ سورية الحديثة، والأساس العميق لتحرّرها وتحديثها القادمين.
والخطوة الأولى في إطلاق هذه المسيرة الجديدة والمبدعة تكمن في خلع رداء العجز والإحباط، والخروج من مناخ الغيتو الذي حبسنا أنفسنا فيه في العالم الافتراضي، والدخول في الفضاء السياسي الحقيقي، والانخراط في النشاط العملي، مع الجمهور الذي نريد أن نستعيده ثقته، ونعيد له ولنا معه روح الإنسانية وقيمها التي حرمنا جميعا منها. وهذا يعني الانخراط في العمل الدؤوب والصامت، الفكري والاجتماعي والسياسي، لبناء القوى الذاتية، وتنظيم الجهود 
والطاقات المتفجرة لجيل الثورة والأجيال القادمة في مؤسساتٍ حية وقوية، من جمعيات ومراكز بحث وروابط اجتماعية وثقافية وخيرية ونقابات وأحزاب، هي التي سيكون لها الدور الأكبر في حسم معركة الصراع على طبيعة الحكم ونوعية القيم التي سوف تسيطر على نمط العلاقات الاجتماعية داخل الدولة الجديدة.
لقد حصر النظام الاستبدادي، بإغلاقه منافذ الحرية في المجالات الاجتماعية كافة، وجعله تنظيم المجتمع حكرا على سلطة الأجهزة الأمنية، الديناميكية الاجتماعية بأكملها في الصراع على السلطة والسيطرة على آلة الدولة. وهكذا، فقد السوريون مع الزمن تقاليد العمل المدني والاجتماعي، وانزوى القسم الأكبر منهم بعيدا عن أي نشاطات عمومية. وحتى في وقتنا الراهن، وعلى الرغم من انهيار أسطورة الدولة الاستبدادية وتحطيمها، لا يزال أغلب النشطاء الذين شاركوا في الثورة أو تعاطفوا معها يعيشون، باستثناء تنظيمات معدودة للجاليات السورية المهاجرة هنا وهناك، في غربة ثقيلة بعضهم عن بعض، وفي معزل عن أي مؤسسة أو رابطة أو منتدى. ربما في انتظار ساعة سقوط السلطة وانتقالها إلى من يمثلهم أو يتحدث باسمهم.
والحال لن تسقط السلطة إلا في يد من لديه شبكة من التنظيمات والجمعيات والمؤسسات والأطر الجامعة والفعالة. وتأسيس هذه الشبكة وتعزيزها هما اليوم، أو ينبغي أن يكونا، مهمة جيل السياسيين الجدد الرئيسية، في انتظار معارك التحول القادمة الأخرى لا محالة. وما لم نكن جاهزين عندما يحصل التغيير، حتى لو ارتبط بتدخل المجتمع الدولي وتفاهمه الآن، لن نستطيع أن نلتقط الفرصة عندما يحين الوقت لاحتلال موقعنا والقيام بواجباتنا التي لن يقوم بها أحد غيرنا. وفي غياب قوى شعبية منظمة، وقيادات مخلصة ومتضامنة، سنجد أنفسنا أمام خيارين لا ثالث لهما: حكم عسكري جديد، وإنْ بقواعد عمل وتقاليد وأنماط مختلفة أو، وهذا أسوأ، دولة فاشلة تخفي افتقارها لأي برنامج وطني، بافتعال النزاعات وتفجيرها، وتوزيع مناصب السلطة وما يلحق بها من موارد، بين شبيحة العشائر والطوائف والأقوام المتباغضة والمتناحرة، أي أمام الفوضى والعدمية السياسية. باختصار، لا يضمن الاحتفاظ بمكاسب الثورة الشعبية ومنجزاتها إلا بإطلاق الثورة السياسية الكامنة. وهذا ما بدأ يتبلور بالفعل في مشاريع جديدة عديدة في ميادين كثيرة.