هل تشهد ليبيا مواجهة أميركية - روسية؟

26 نوفمبر 2019
الصورة
انزعاج أميركي من الوجود الروسي بقوات حفتر(محمود تركية/فرانس برس)
كشف بيان وزارة الخارجية الأميركية بشأن لقاء وفد أميركي اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، عن وصول مستوى الانزعاج الأميركي من الوجود الروسي في صفوف قوات حفتر إلى حدّ "التحذير"، تزامناً مع اعتذار حفتر لواشنطن عن تسببه في إسقاط طائرة تابعة للقوات الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) في سماء طرابلس قبل أيام.
وشهدت الساحة الليبية مستجدات في الآونة الأخيرة، تشير إلى جملة من التعقيدات التي يلاقيها الملف الليبي في كواليس المشاورات الدولية الجارية للإعداد لقمة برلين، فبالتزامن مع تصاعد تصريحات مسؤولين أميركيين تعكس انزعاجهم من تزايد التدخل الروسي في ليبيا، أعلنت قيادة قوات حفتر بشكل مفاجئ رفضها لنتائج قمة برلين سلفاً، وأكدت على لسان الناطق باسمها، أحمد المسماري، أن "ما يخرج من برلين سيبقى في برلين والكلمة الآن للبندقية".
وفي الأثناء، ألقى اختفاء طائرتين؛ الأولى تابعة لقوات "أفريكوم" الخميس الماضي، والثانية إيطالية الأربعاء الماضي، بظلاله على المشهد، مشيراً إلى أسرار قد تكتنفها ساحة الحرب جنوب طرابلس وإمكانية وجود أطراف دولية أخرى، كالولايات المتحدة الأميركية وإيطاليا، اللتين لم تخفيا انزعاجهما من الاقتراب الروسي من الساحة الليبية.
وشكّك موقع "ذي أفيايشونيست" للطيران، في الرواية الرسمية الأميركية بشأن اختفاء الطائرة، الخميس الماضي، وكونها في "مهمة استطلاعية خاصة لمتابعة المجموعات الإرهابية في ليبيا"، مؤكداً أن قوات "أفريكوم" تملك نوعين من الطائرات، هما "آر كيو-4"، و"غلوبل هوك"، والتي تتحرّك من قواعد "سيغونيلا" الإيطالية، و"أغاديز" النيجيرية، بالإضافة إلى طائرات الدرون التي تنطلق من قاعدة "لاريسا" اليونانية، باتجاه سماء ليبيا بشكل منتظم منذ سنوات.

ويوضح الموقع أن "أفريكوم" لم يسبق لها أن سيّرت طائرات استطلاعية، ما يمكّن بشكل كبير أن تكون الطائرة التي اختفت في سماء طرابلس الخميس الماضي، ذات طبيعة قتالية.

وإزاء ما نشرته وكالة "أسوشييتد برس"، نقلاً عن مصادرها ليل البارحة الإثنين، عن اعتذار حفتر لواشنطن عن إسقاطهم للطائرة الأميركية في سماء طرابلس عن طريق الخطأ، بالرغم من نفي المسماري، ليل السبت الماضي، امتلاك قيادة قوات حفتر أي معلومات بشأن الطائرة، رجح موقع "ذي أفيايشونيست" أن تكون الطائرة أُسقطت عبر التشويش عليها باستخدام نظام الاتصال الروسي "داتا لينكس"، وهو ما يؤكده الخبير العسكري الليبي، محيي الدين زكري، بأن قوات حفتر لا تمتلك تكنولوجيا متطورة تمكنها من إسقاط طائرات أميركية متطورة.
ويضيف زكري متحدثاً لـ"العربي الجديد"، أن "الجانبين الأميركي والإيطالي يعلمان جيداً أيضاً أن حفتر يتستّر باعتذاره هذا على خطأ فادح اقترفه الروس المقاتلون في صفوفه"، مرجحاً ألا يتوقف الأمر عند حدّ التحذير الأميركي لحفتر.
وتابع زكري بالقول إن "عودة حفتر للتصعيد العسكري والتصريح برفضه لمخرجات برلين مسبقاً، كان وراءها دفع روسي بكل تأكيد وإعلان ضمني من قبلها لرفضها للمشاورات الجارية بشأن قمة برلين التي يبدو أنها تستهدف التوسع الروسي في أحد أهدافها".
ويشير الباحث الليبي في الشأن السياسي، مروان ذويب، إلى أن عدم إعلان الجانب الأميركي عن نتائج التحقيق في سقوط الطائرة حتى الآن، قد يشير إلى تأخر الموقف الأميركي الرسمي المقبل من مستجدات الملف الليبي، موضحاً أن الموقف لن يكون على الصعيد السياسي فقط، بل ربما توازيه تحركات عسكرية وشيكة.
وأكد ذويب في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "خطوة لقاء الوفد الأميركي لحفتر لتحذيره من التحالف مع روسيا، جاءت بعد أيام من بيان الخارجية الأميركية، الذي دعا حفتر لوقف حربه على طرابلس، ما يعني أن هناك المزيد"، مشيراً إلى أن موقف حفتر بات صعباً جداً.
وقال إن "حفتر أمام خيارين، إما الانحياز الكامل للمساعي الروسية التوسعية في ليبيا، وإما الخضوع للأوامر الأميركية وسقوط مشروعه العسكري بشكل كامل".
ويعتبر ذويب أن الهدوء الذي تعيشه جبهات القتال جنوب طرابلس مردّه إلى التحذير الأميركي الأخير، وأن حفتر بات موقفه ضعيفاً ومتوجساً من احتمال ردّ أميركي عسكري على إسقاط طائرتها، ويعلم حفتر جيداً أن الولايات المتحدة الأميركية لا تصدق اعتذاره وأن بإمكان راداراتها، بسهولة، إثبات أن السلاح الروسي هو الذي أسقطها.
لكنّ أستاذ العلوم السياسية الليبي، خليفة الحداد، يرى أن واشنطن لا تزال ترى في حفتر رقماً في المعادلة الليبية، ولا يمكن إقصاؤه، موضحاً أن بيان الخارجية الأميركية أوضح أن الوفد الأميركي ناقش مع حفتر سبل إعادة العملية السياسية، ما يعني رغبته في بقاء حفتر في المشهد حالياً.
ويتابع أن "واشنطن تتحرك في ليبيا وفق مصالحها، من خلال ملفي الإرهاب والنفط، وما دام حفتر لا يهددهما، بل يؤمّن مواقع النفط، فهذا يعني أن يوفّر نوعاً من الحماية لمصالحها، وبالتالي فجهدها الحالي ينصب فقط على مسألة وقف قتال حفتر على طرابلس، لقطع الطريق أمام الوجود الروسي للتوسع في ليبيا".
ويشرح الحداد رأيه بأن الموقف الأميركي لم يتجاوز حتى الآن حدّ القلق من التدخل الروسي، وقال: "لا أعتقد أن تدخلاً أميركياً عسكرياً وشيكاً سيحدث، فالملف الليبي لا يمثل أولوية أميركية اقتصادياً أو سياسياً، وحجم التدخل الروسي لا يزال قليلاً".
وعن أسباب القلق الأميركي، قال: "ليبيا كجغرافيا، تمثّل فضاءً استراتيجياً لأفريقيا، ويمكن أن تكون منفذاً للصين أو روسيا، ووجود الأخيرة لم يصل إلى مستوى تهديد المصالح الأميركية في أفريقيا، فالأمر لا يزيد عن حدّ القلق، سواء على المستوى الأميركي أو المستوى الأوروبي".
ويرى الحداد أن واشنطن تمتلك الكثير من الوسائل غير العسكرية للحدّ من التوغل الروسي في ليبيا، مثل ارتباط الدول الإقليمية الداعمة لحفتر معها، وعلى رأسها الإمارات والسعودية، اللتان يمكن أن تدعما روسيا في ليبيا، علاوة على أنّ روسيا لا تعول أصلاً على حفتر، الذي تعلم صلاته السابقة بالمخابرات الأميركية وجنسيته الأميركية كحليف استراتيجي لها يمكن الاعتماد عليه، وهو المحاط بجملة من التهم التي قد توصله إلى ساحات القضاء الجنائي الدولي.