هل بدأ الفلسطينيون يبلورون عصياناً مدنيّاً ضد الاحتلال؟

هل بدأ الفلسطينيون يبلورون عصياناً مدنيّاً ضد الاحتلال؟

21 مايو 2017
الصورة
تشييع الشهيد الفلسطيني، بني شمسة، الخميس في نابلس(نضال اشتيه/الأناضول)
+ الخط -
باستشهاد الشاب الفلسطيني، معتز حسين بني شمسة (23 عاماً)، يوم الخميس، برصاصة مستوطن، أمام أعين جنود الاحتلال الذين كانوا يقمعون تحركاً تضامنياً مع الأسرى المضربين عن الطعام في المعتقلات الإسرائيلية، في بلدة حوارة جنوب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة، يكون تصعيد الفلسطينيين دخل في مرحلة جديدة قد تكون أبرز سماتها بدء عصيان مدني ضد الاحتلال. وكان شمسة يشارك في إغلاق شارع حوارة أمام المستوطنين. وبات إغلاق الشوارع إحدى الأدوات الجديدة التي تتبلور في المواجهة مع الاحتلال، بشكل غير مألوف للسلطة الفلسطينية، التي تحرص، حتى الآن، على عدم حصول اشتباك جماهيري واسع مع الاحتلال، واقتصار التضامن على فعاليات رمزية.

وأمام تراجع الفصائل الفلسطينية وارتباك حركة فتح التي أصدر بعض قياداتها قرارات تدعو للاشتباك والإضراب الشامل، لكن سرعان ما تم التراجع عنها، أو سرعان ما تبين أن الدعوة للاشتباك مع الاحتلال في نقاط الاحتكاك تتزامن مع انتشار الأجهزة الأمنية الفلسطينية لردع المتظاهرين ومنعهم من الوصول وضربهم، بدأت قيادات فتحاوية ومجموعات من الشبان الفلسطينيين بإغلاق طرق أساسية أمام المستوطنين بما يمهد لـ"العصيان المدني".

ووجد المستوطنون الذين يستولون على أراضي تابعة لقرى شرق رام الله، يوم الأربعاء، شارعاً رئيسياً مغلقاً بالإطارات المشتعلة والحجارة، وهو الشارع الذي يُسميه الاحتلال بشارع "60"، والذي يربط المستعمرات الإسرائيلية وسط الضفة الغربية بشمالها. وتم شل الحركة فيه لنحو ساعتين. في المقابل، استنفر المستوطنون، وتم استدعاء قوات كبيرة من جيش الاحتلال لتبدأ اشتباكات مع شباب القرى المجاورة للشارع، وأبرزها بلدة سلواد لعدة ساعات. وأسفرت المواجهات عن إصابة أحد الشبان برصاصة مستوطن، واعتقاله، فيما نفذت قوات الاحتلال اقتحاماً وحشياً للبلدة، فجر الخميس، واعتقلت نحو سبعة شبان من القرية، وقامت بتخريب خيمة التضامن مع الأسرى.


وتمكن العشرات من الفلسطينيين، يوم الثلاثاء الماضي، من إغلاق شارع رئيسي غرب نابلس قرب قرية دير شرف، إذ يتم استخدام هذا الشارع من قبل مئات المستوطنين يومياً. وفوجئ الاحتلال بإغلاق المحتجين للشارع بأجسادهم. ويوم الخميس، أقدم العشرات أيضاً على إغلاق شارع حوارة، الذي يتوسطه حاجز عسكري إسرائيلي يفصل مدينة نابلس عن قراها الجنوبية، ويفصل شمال الضفة عن وسطها، وسط اشتباكات دامية مع الاحتلال، أسفرت عن شهيد وإصابة صحافي برصاص مستوطن.

اللافت في فعاليات نابلس أن إقليم "فتح" الأكثر نشاطاً، هو من يتصدر المشهد بتنظيمه فعاليات حقيقية لها وزنها على الأرض، وتؤدي إلى إرباك للاحتلال عبر إغلاق طرق تعتبر عصباً للمستوطنين. ويقول أمين سر إقليم "فتح" في نابلس، جهاد رمضان، لـ"العربي الجديد"، إن هناك بياناً صدر عن الأسير، مروان البرغوثي، وتبنته اللجنة المركزية لـ"فتح" من أجل التصعيد، مضيفاً أن هناك اجتماعاً لأمناء سر "فتح" في جميع المحافظات لتبني التصعيد، بحسب تأكيده. وتقوم قيادات "فتح" بهذه الفعاليات الاحتجاجية تحت مظلة اللجنة الوطنية لدعم وإسناد الأسرى.

باستثناء إقليم "فتح" في نابلس، لا يوجد احتجاجات نوعية تذكر لبقية الأقاليم في المحافظات. والغريب أن أي اشتباك أو إغلاق للطرق في رام الله يواجه باستنفار أمني للسلطة الفلسطينية، ومنع المتظاهرين من الوصول إلى أماكن الاحتجاج، كما جرى حين نجح بعض الشبان في إغلاق شارع البيرة-الجلزون الذي تطل عليه مستوطنة بيت إيل، يوم الثلاثاء الماضي. وهناك يوجد حاجز الارتباط العسكري الإسرائيلي الرئيسي المقام على أراضي قرية بيتين. وبعدما أعلن الاحتلال إغلاق الشارع الرئيسي بوجه الفلسطينيين، أعلنت السلطة في بيان بعد ساعات، أنها نجحت بالضغط على الاحتلال لفتح الشارع، وحالياً توجد قربه العشرات من عناصر أمن السلطة لمنع المتظاهرين من أي اشتباك مع الاحتلال.

ويراهن مراقبون على أن الفعاليات التي بدأت تنفذ في الأيام القليلة الماضية ربما تكون بداية فعلية للعصيان المدني، الذي يحرص القيادي مروان البرغوثي، على التركيز عليه في غالبية رسائله سواء قبل الإضراب بسنوات أو خلال الإضراب. لكن خبراء في علم السياسة والاجتماع، وإن كانوا لا يقللون من أهمية إغلاق الطرق ومقاطعة البضائع كأشكال للعصيان المدني، إلا أنهم يرون أن شروط العصيان لا تزال غير متوفرة، وإن توفر شرط أساسي لها وهو الاحتلال.

وعبر السنوات الماضية نجحت السلطة الفلسطينية إلى حد كبير في نزع خطاب المقاومة من الشارع، وتحويل الشارع من الهمّ العام إلى الهمّ الشخصي، في ظل غياب كامل لتعبئة الجيل الجديد بل وملاحقة من يقوم بأي شكل من التعبئة الوطنية، فضلاً عن إحكام القبضة الأمنية على الجامعات والمؤسسات، وتطويع الفلسطينيين سواء عبر الرواتب أو القروض أو المسح الأمني الذي يلزم لشغل الوظائف وللحصول على التراخيص اللازمة لفتح المشاريع الصغيرة والكبيرة.


ويقول أستاذ علم الاجتماع في جامعة بيرزيت، أباهر السقا، لـ"العربي الجديد" إنه لا توجد في المجتمع الفلسطيني اليوم مجموعات تعيد الاعتبار للعمل الجماعي، وهناك تركيز على الخلاص الشخصي، وهذا الأمر ناتج عن الخلل البنيوي الذي له علاقة بإشاعة خطاب مرتبط بسياسات الدول المانحة والسلطة وبالنماذج التي تبثها السلطة، ورعايتها لأشكال ومشاريع الإقراض الاقتصادي، وتحويل الأفراد إلى "أفراد تتلخص أحلامهم بالحصول على شقة وسيارة، ونموذج الفنان محمد عساف ونموذج أراب أيدول، وكل هذه النماذج المبرمجة آثارها تنعكس على الشارع الفلسطيني"، بحسب تعبيره.

وينبّه السقا إلى أنه وعلى الرغم مما سبق إلا أنه يجب الانتباه إلى أن الفلسطينيين لا يزالون قادرين على تغيير قواعد اللعبة، ومن الممكن في أي لحظة أن تنقلب الأمور على الأرض. ويضيف أن "ما يحدث اليوم من ممارسات لمجموعات صغيرة من الأفراد تحاول التغريد خارج الفصائل وفرض رؤيتها على الأرض، هذا يشير إلى أن إمكانية التحرك على الأرض لا تزال قائمة"، وفق تصوره. ويؤكد أن "المجتمع لم يفقد كل إمكانياته تماماً، لكن التحرك الجماعي الذي شهدناه في الثمانيات والتسعينيات نحن لا نزال بعيدين تماماً عنه الآن"، على حد قوله.

ويعتبر السقا أن الاشتباك لا يزال ممكناً بسبب وجود الاحتلال والاستيطان، موضحاً "أن لدى الفلسطينيين عدواً اجتماعياً مشخّصاً من قبل الكل وهو الاستعمار، وبالتالي في أي لحظة تختمر ظروف حراك جديدة، سيندلع اشتباك ضد المستعمر، ولذا نحن مقارنة بمجتمعات عربية أخرى نمتلك وجود عدو اجتماعي، ما يساعد الناس على التحرك في الأرض"، وفق تعبيره. ويضيف أن "هذا العدو لا يختلف اثنان عليه، لأن الاختلاف هو في طرق التصادم معه ولكن لا يختلف الفلسطينيون حول من هو عدوهم الاجتماعي الأوحد، وبالتالي إذا اكتملت الشروط، من بطش استعماري أكبر، وتغيير في الخطاب السياسي الفلسطيني، ووجود جماعات تراعي هذا الحراك وتقوده، فمن الضروري أن يقود هذا نحو اشتباك جديد"، وفق اعتقاده. ويرى أن المجموعات التي تتحرك في الشارع حالياً وإن كانت صغيرة، إلا أنها خرجت من عباءة الفصائل الفلسطينية المرتبطة بمصالح وأجندات، وبالتالي أي حراك يجب أن يكون خارج الإطار الرسمي الفلسطيني، لأنه لا يستطيع ولا يريد مثل هذا الحراك".

ومن اللافت، منذ سنوات، غياب القيادات الميدانية عن الشارع الفلسطيني، وهي قيادات عرفها الشارع في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وكانت تقود الشارع الفلسطيني في النضال. لكنها غابت منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، وتم احتواء بعضها في وظائف أو تهميشها بعدما انطفأت الفصائل التي تنتمي إليها، أو اختارت هذه القيادات أن تنأى بنفسها عن السلطة ومشروعها. والأمر لم يختلف الآن، إذ إن غالبية القيادات الميدانية الفاعلة في القرى والمدن والمخيمات باتت مرهونة برواتب سواء من فصائلها أو السلطة الفلسطينية، ونبذت المقاومة كما نبذتها منظمة التحرير الفلسطينية. ومن يغرد خارج السرب منهم يتم إقصاؤه بهدوء.

ويرى المدرب الميداني في "الحوار الشبابي"، ساهر موسى، أن "أشكال القيادة الميدانية تغيرت، والأشخاص الفاعلين على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، باتوا قيادات ميدانية حقيقية، بما تطرحه من أفكار وتوجهات على هذه المواقع، وهذا الأمر ينطبق على أسماء وازنة ولها توجهات وطنية، غالباً ما يجدون آلاف المتابعين لهم، ومنهم الشهيد باسل الأعرج، الذي كان قائداً ميدانياً يطرح أفكاره قبل أن ينتقل إلى الميدان الفعلي"، وفق قول موسى. ويضيف لـ"العربي الجديد" أن الحديث عن قيادات ميدانية فعلية على الأرض، مثل الذين أغلقوا شارع المستوطنين في سلواد أو نابلس، هؤلاء موجودون لكن لن يسمح لهم بالبقاء خارج المعتقلات أكثر من 48 ساعة، من لحظة تنفيذهم الفعل الاحتجاجي على الأرض، مع التأكيد على أن صناعة قيادات ميدانية أمر بالغ الصعوبة"، وفق تعبيره.

ويستبعد الأستاذ في كلية العلوم السياسية في جامعة بيرزيت، علي الجرباوي، أن تتحول حالة الإحباط العامة ضد السلطة والفصائل الفلسطينية، إلى فعل جذري، لأن ما يحدث الآن مرتبط بالحدث وهو إضراب الأسرى، وفي حال انتهى الإضراب واستمر الفعل وتطور، حينها سيكون السؤال حول إمكانية تنفيذ عصيان مدني"، وفق قوله. وحول ما إذا كان الغضب داخل كوادر "فتح" من أسلوب تعاطي المستوى الرسمي في السلطة والحركة مع الإضراب بطريقة فيها قمع أمني، وتخلو من الاهتمام الحقيقي، يعلق الجرباوي قائلاً: "حتى غضب الفتحاويين لا يعتبر نقطة فارقة، لأننا تعودنا بالتدريج على مر السنوات الماضية أن نرى محاولات مواءمة فتح لمواقفها ما بين تأييدها لإجراءت السلطة والإعراب عن نفسها كفصيل مقاوم". لكن الأستاذ الجامعي يلفت إلى أن "النقلة النوعية في كل الحراك القائم حالياً والذي يقوده أفراد ومجموعات صغيرة مرهونة بتطور الإضراب وما إذا كان سيستشهد أحد الأسرى المضربين أو إذا ساءت حالة العشرات بطريقة صعبة، فهذا التطور سيفجر الموقف داخل فتح، مما سيؤثر على أداء السلطة وتعاطيها مع الإضراب"، وفق اعتقاده.

المساهمون