هالة صدقي... فبركة أو نسخة جديدة من "لا تكذبي"

03 ابريل 2019
الصورة
حادثة هالة صدقي هاجس شخصي عند مئات الملايين (تويتر)
شبه إجماع من عشائر التواصل الاجتماعي على أن الممثلة المصرية هالة صدقي "كاذبة"، وأن الفيديو الذي نشرته في حسابها على إنستغرام، ليس من صناعة "هاكر" بل من صنع يدها وبصوتها.

هالة صورت عبر الهاتف مشهداً خارجياً فيه أشجار مانغا ونخيل، وبينها يتحرك طاقم العمل في موقع تصوير خارجي لمسلسل "بركة" الذي تمثل فيه دور أم بركة (عمروسعد)، وتصفهم بالجرابيع وحثالة المجتمع، إضافة إلى لفظة نابية تظهر في بعض المواقع، وبعضها تحجبها.

وبكبسة زر – كما يفترض مكذبوها – بدل أن ترسل الفيديو إلى أحد أصدقائها المقربين، أرسلته إلى حسابها على إنستغرام، لتندلع إثرها حفلة التشهير والإدانة، مقابل حملة دفاعية من هالة التي سارعت للاتصال ببرامج تلفزيونية، أقسمت فيها الأيمان أن حسابها اخترق، وأن شخصاً، تعرف من هو تقريباً، فبرك صوتها.

غير أن حادثة هالة من زاوية أخرى، تفتح باباً لسؤال مئات الملايين على مواقع التواصل فرداً فرداً "متى سيحين دورك لتقع أنت شخصياً في هذا المطب، وتكون مثيراً للشفقة أو السخرية؟".

ولا يأتي تكذيب هالة لأن لها سجلاً في تحقير الناس، توثقه وتنشره على الملأ، بل لأن كل من يكذّبها لديه تجربة ولو صغيرة في إرسال رسائل مكتوبة أو صوتية أو مصورة بالخطأ إلى شخص أو أشخاص، ما كان ينبغي أن تصلهم الرسالة، فوصلت ووقع المحظور.


والصَفرة "طوووط" التي تغطي الكلمات الصوتية المعيبة، لا تفعل ذلك إلا في هذه الحالات الاستثنائية، التي تخرج النص من حيز خاص إلى عام. أي من رسالة شخصية إلى مادة إعلامية، علماً أن المواد التي تتسرب خطأ لا تكتسي قيمتها الفضائحية إلا حين تنشر دون تعديلات، تحت عناوين تستحسن البدء بفعل الأمر "شاهد فضيحة فلان..".

وبعيداً عن الحيز العام، يتبادل الناس كل ثانية الرسائل الصوتية والمصورة فيديو، والفوتوغرافية، والمكتوبة، بلا حذر، بوصف ذلك دردشة، بما فيها من بوح وتبادل أسرار، وشكاوى من الظلم وفقر العدالة، والتخوين السياسي، والآراء الخاصة في الزوجات والأزواج، والمديرين في العمل، وذلك الزميل الذي لا يستحق مكانه، والكاتب الذي سنحضر أمسيته مع أنه "نصّاب"، بل والشعب الفلاني الذي كله عن بكرة أبيه "تافه".

وعليه، فإن الكلمة النابية، وخصوصاً حين تغطى بـ"طووط"، لم تكن نابية قبل قليل، لأنها لم تأخذ مكانها بوصفها مادة إعلامية موجهة إلى جمهور. نبوّ الكلمة هو الصفة التي ألحقت بنص كان في سياق وخرج منه.

وقديماً، أي قبل الهواتف المحمولة، كان فلكلور الاستغابة والنميمة والبوح يعتمد على الأشخاص بشحمهم ولحمهم، ولم يكن الهاتف الثابت كافياً لهذا الكم الهائل من الكلام الخاص، مع التذكير دائماً بأن الهواتف الثابتة ذات سمعة سيئة، لجهة مراقبتها المحكمة والمحتكرة من جهاز الدولة.

ثم جاءت الهواتف الثابتة اللاسلكية التي كانت تتداخل موجاتها مع هواتف الجيران. هذه كانت البروفات الأولى لعصر الفضيحة المرتبك بالهواتف المحمولة.

المحمول، وخصوصاً الذكي، ورط العباد في وهم الخصوصية الفردية المطلقة، والأهم من ذلك أسطورة الموبايل الذي يوفر عليك الذهاب إلى أي مكان برجليك. هذه ذروة الكسل البشري والفقر في رشح الجبين، وهو ذكي بما يوفر عليك المثابرة على استثمار حصيلتك من الذكاء الطبيعي.

أشكال جديدة من التقنيات تسجل الاستغابة والبوح والنميمة بتطبيقات مجانية. ولأن البشر مشغوفون بالسرد، تكاد تغيب حاسة الحذر لديهم. كسالى حتى أنهم يعبدون إلهاً إلكترونياً يقتاتون به على الموجات والنقاط الضوئية، ويقتات هو عليهم.

السيدة هالة، حالها حال هؤلاء الذين يرسلون طوال الوقت رسائل خاصة يشتمون فيها، ثم يرسلونها جاهزة مجهّزة إلى الشخص المشتوم، لتبدأ من ثمّ المعركة التي لا بدّ أن ترد فيها عبارات مثل "كلامي أخرج من سياقه"، وفي نسخة هالة، سيقال إن الصوت مفبرك.

لمن يراقب الممثلة وهي تدافع عن نفسها، سيلاحظ المذيعين وهم ينصتون إليها. ودون الكثير من الجهد، يظهر المذيع وهو غير مقتنع، لكنه يجتهد في سماع دفوعات الممثلة التي تتساءل "كيف أصف زملائي بالجرابيع؟ وإذا كان الأمر كذلك فأنا جربوعة".

الجربوع (اليربوع)، حيوان من الفصيلة الفأرية، يعيش في البراري، ساقاه طويلتان ويداه قصيرتان، وفي آخر ذيله نوّارة صغيرة، ويؤكل في بعض المناطق العربية. إلا أن اللفظة، وخصوصاً بالجيم، قدمت خدمة صوتية لمن يريد التقليل من شأن الإنسان. فمجرد لفظ الكلمة "جربوع" تنزل صورة الشخص إلى منزلة قليلة الشأن في الحجم والقيمة.

وإذا بدت رواية هالة غير مقنعة في عين المذيع وطريقة استقباله، فإن عليه ألا يكذبها. لربما بالفعل وقعت الفبركة، كما أن عليه ألا يتبنى صدقيتها. فلربما قبل قليل، هو ذاته، كان يرسل رسالة يصف زميلاً له بالجربوع، أو الحثالة، لكن لم يحن بعد وقوعه في الغلطة التي يقع فيها الناس.

اعتذرت هالة للقائمين على المسلسل عن الإزعاج الذي سببه الفيديو "المفبرك". ولم تسجل ردود من فريق العمل الموصوف بالجرابيع والحثالة، خصوصاً مع اقتراب الانتهاء من تصويره لبثه في رمضان، وهو المؤجل أصلاً من الموسم الرمضاني السابق.

وتبدو رواية الاختراق وفبركة الصوت وسيل الاعتذارات من هالة صدقي، مبرراً للتجاوز، لمن يريد أن يتجاوز عن هذه الهفوة، حتى وهو يعلم أنها رواية ضعيفة.

أما مكذبو هالة فسيواصلون شتمها إلى أن تأتي بعد ساعات حفلة "تريند" جديدة. يتحسسون رؤوسهم وموبايلاتهم، وسيرسلون رسائل بالغلط إلى العناوين الغلط، وسيدفعون أثماناً تراوح بين التقريع ورحلة بلا عودة وراء الشمس.

دلالات

تعليق: