هؤلاء النسوة السعوديات ناضلن للسماح بقيادة السيارة

شهادات سعوديات ناضلن من أجل السماح بقيادة السيارة

08 أكتوبر 2017
الصورة
ناضلت النساء بالسعودية من أجل حق قيادة السيارات (تويتر)
+ الخط -

ألقت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية الضوء على نضال نساء سعوديات للحصول على حق قيادة السيارات في المملكة، بعد صدور قرار مؤخرا بالسماح للنساء بالحصول على رخصة قيادة اعتبارا من شهر يونيو/حزيران 2018.

وأشارت الصحيفة إلى أنه "ألقي القبض على الكثير من النساء في المملكة العربية السعودية، وأوقفن عن العمل، وأدانهن رجال الدين على أنهن نساء يسعين لتدمير المجتمع، وكانت جريمتهن الوحيدة أنهن طالبن بحقهن في قيادة السيارات".

وفشلت احتجاجاتهن عام 1990 ضد حظر المملكة على القيادة، وفشلت احتجاجات كثيرة بعدها، قبل أن يعلن الملك سلمان مؤخراً أن الحظر على قيادة النساء سيتم رفعه في حزيران/يونيو المقبل.

تقول نورة الغانم، التي ساعدت في التخطيط للاحتجاج قبل سبعة وعشرين عاماً: "كنت أعتقد أنني سأموت قبل أن أرى ذلك". الآن تبلغ نورة 61 من عمرها وقد تقاعدت بعد أن أصبح لديها خمسة أحفاد، وتضيف "المهم هو أن مملكتنا دخلت القرن الحادي والعشرين أخيرا!".

منذ ذلك الحين، أدت العولمة ووسائل الإعلام الاجتماعي والضغوط الاقتصادية وتغييرات القيادة في العائلة المالكة إلى خلق الظروف لإنهاء الحظر.

ويستهدف صانعو السيارات الآن بالإعلانات الموجهة النساء السعوديات، وتخطط جامعة نسائية لتعليم قيادة السيارات.

وتضيف صحيفة "نيويورك تايمز" أن "التغييرات لا تتعلق فقط بقيادة السيارات على الطرق السريعة في المملكة، إذ رقصت حشود من الرجال والنساء في احتفالات بساحات عامة الشهر الماضي، كما أنه من المتوقع إنهاء الحظر على دور السينما قريبا".

ولكن عندما واجهت العشرات من النساء مخاطر غير عادية أثناء نضالهن ضد حظر القيادة، كانت الظروف في المملكة مختلفة، في ذلك الوقت كانت السيدة الغانم تبلغ 34 عاما، وتحمل شهادة الثانوية العامة، ومتزوجة ولديها أربعة أطفال ووظيفة في مدرسة ابتدائية.

السيطرة على النساء

تقول الغانم "لم يكن لدي أي شيء مثير للاهتمام في حياتي". في ذلك الوقت، كانت المرأة السعودية مقيدة بشدة، حيث كانت الثقافة أبوية مسيطرة إلى حد كبير، وكان رجال الدين يشكلون قوة هائلة بفضل تحالفهم مع العائلة المالكة.

كل ذلك كان يعني السيطرة على النساء، حيث كتب أكبر رجل دين في المملكة في ذلك الوقت في فتوى تم إزالتها مؤخرا من موقع حكومي على شبكة الإنترنت إن "السماح للمرأة بالقيادة يسهم في سقوط المجتمع".

وشاهدت النساء اللواتي رزحن تحت الحظر فرصة عندما غزا جيش صدام حسين الكويت في عام 1990، حين ملأت وقتها القوات الأميركية المملكة، بما في ذلك الضابطات الأميركيات  اللاتي كن يقدن مركبات عسكرية، كما قادت النساء الكويتيات اللواتي نزحن إلى السعودية السيارات.

في ذلك الوقت دعت السيدة الغانم نساء أخريات إلى منزلها لمناقشة القضية، وقررن لاحقا اتخاذ إجراء. حيث أرسلن رسالة إلى سلمان، حيث كان في ذلك الوقت محافظ منطقة الرياض، وأخبرنه أنهن يخططن للقيادة.

لم يأتيهن أي رد، وفي يوم 6 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1990، التقين بالقرب من سوبر ماركت في الرياض، إذ جمعن 14 سيارة ليقدنها مع رخص أجنبية سارية المفعول في جميع أنحاء المدينة.

وكانت المشاركات في هذا الحراك مجرد ناشطات اجتماعيات، لا يدعمهن حزب سياسي، ولم تتشجع نساء أخريات للانضمام إليهن، إذ كان العديد منهن ينحدرن من أسر غنية ودرسن في الخارج. وكان من بينهن مدرسات وأستاذات وأخصائية اجتماعية ومصورة وطبيبة أسنان.

وكانت معظمهن متزوجات ولديهن أطفال، وكانت اثنتان منهن، على الأقل، حاملين. وانضمت امرأة واحدة في وقت متأخر، مع ابنتيها، حيث تحدت بعضهن أقاربهن الذكور.

تم إيقاف النساء من قبل شرطة المرور والشرطة الدينية، وبعض عناصر الشرطة ضرب بشراسة على السيارات.

تقول فوزية البكر، وهي معلمة في مدرسة، أحد الرجال صرخ في وجهها: "أريد حفر حفرة لدفنكن جميعا!"، وتضيف "كانوا يفكرون بأننا سنقوم بتدمير هذا البلد".

تم نقلهن إلى مركز الشرطة وأفرج عنهن بعد الفجر، بعد أن وقعوا وأقاربهم الذكور تعهدات بأن النساء لن يقدن مرة أخرى.

رد فعل غاضب

وفي صباح اليوم التالي، سمعت أسماء العبودي، العاملة الاجتماعية بالمدرسة التي شاركت بالاحتجاج، أحد زملائها قائلا إن "النساء في الاحتجاج أحرقن ملابسهن وبقين يلبسن البيكيني ورقصن في الشوارع"، وغيرها من الأمور التي لم تحدث.

تم بعدها نشر أسماء النساء المشاركات في الاحتجاج مما أثار غضب الجمهور، وأصدر الملك فهد مرسوما يقضي بتعليق عمل المشاركات اللاتي كن يعملن في وظائف حكومية، كما أن الخطباء قاموا بالتحريض عليهن في خطب الجمعة في مساجد المملكة.

وقالت منيرة النهضة، التي أصبحت فيما بعد عاملة في مجال التنمية الدولية، إن "والدها توقف عن الصلاة في مسجده المحلي، بعد أن قال الواعظ إن النساء المشاركات في الاحتجاج قد مارسن الجنس مع 10 رجال".

وبعدها جاء مندوبون من وزارة الداخلية إلى منزل مديحة العجروش، التي كانت تعمل كمصورة، لمصادرة وتدمير كل أرشيفها الذي يشمل 15 عاما من العمل. وقالت العجروش "كانت هذه طريقة لمعاقبتي"، وأضافت "كانت البيئة مخيفة جدا".


عقد الصمت

قالت السيدة النهضة، العاملة في مجال التنمية، إنها "كانت ضربة قوية جدا على النساء اللواتي قدن، وكان يُنظر من قبل المجتمع على أنها ضربة قوية جدا لهن"، وتضيف "كان هناك عقد من الصمت بعدها".

وبعد ذلك بعامين، تدخلت أميرة بوساطة مع الملك، الذي أعادهن إلى وظائفهن وتم دفع بعض أجورهن اللاتي خسرنها.

تغير المجتمع ببطء وارتفعت نسبة الالتحاق بالجامعات لكل من المرأة والرجل، وفي عام 2005، أنشأ الملك عبد الله برنامجا للمنح الدراسية أرسل مئات الآلاف من الشباب السعوديين، بمن فيهم العديد من النساء إلى الخارج، لتوسيع آفاقهن.

وتمت إضافة النساء إلى مجلس الشورى، وهي هيئة استشارية، وانتشرت وسائل الإعلام الاجتماعية بين شباب المملكة، ومن خلال الحرية على الإنترنت عرفوا أنهم يفتقرون إلى الحياة الحقيقية.

وأدى الإنترنت إلى تآكل احتكار رجال الدين السعوديين للتفسير الديني، كما أدرك العديد من السعوديين مدى اختلاف ممارسة الإسلام في بلدان أخرى.

وسمحت الحكومة للنساء بالعمل في وظائف جديدة، مما يجعل تنقلهن اليومي قضية هامة. وبدأ الناشطون الشباب إحياء النضال من أجل تمكين النساء من القيادة.

وفي عام 2011، نشرت منال الشريف عبر الإنترنت شريط فيديو لنفسها تقود وتم احتجازها، وفي عام 2013، قادت العشرات من النساء السعوديات للاحتجاج على الحظر.

في عام 2014، حاولت لجين هثلول عبور الحدود من الإمارات العربية المتحدة إلى السعودية في سيارتها وسجنت لمدة 73 يوما.

قالت السيدة العجروش، المصورة، عن اعتقال السيدة هذلول: "كنا غاضبين جدا". وأضافت "لكنني اعتقدت أنها كانت خطوة كبيرة إلى الأمام لأننا أخيرا بدأنا نتصرف بجدية".


قيادة الحياة

في عام 2015، أصبح سلمان ملكاً، وتمكن ابنه الصغير، محمد بن سلمان، من أن يصبح ولياً للعهد.

ومع تراجع سعر النفط، وتأثير ذلك على وضع الاقتصاد، وضع ولي العهد خطة شاملة لإصلاح الاقتصاد، بما في ذلك زيادة مشاركة المرأة في قوة العمل.

وتبع ذلك خطوات أخرى، إذ صوتت النساء في انتخابات عام 2015 للمرة الأولى في انتخابات المجالس المحلية، وفاز بعضهن. وقد قيل للمدارس العامة أن تقدم تعليما بدنيا للفتيات، وهو ما قال رجال الدين عنه إنه "يهدد أنوثة النساء".

وفي وقت لاحق من الشهر الماضي، كانت السيدة الغانم، التي عقدت أول اجتماع لحظر القيادة في عام 1990، تلعب بورق اللعب عندما بدأ هاتفها يفيض فجأة بالرسائل. بدأ الجميع حولها يصرخون، "مبروك!" وقيل لها إنه تم رفع الحظر.

والسيدة الغانم، التي كانت قد طالبت في عام 1990 بحقها في القيادة، تخطط الآن للتعلم، وقالت: "يجب أن أحصل على ترخيص للقيادة".

وقد قللت الحكومة من أي دور لعبه النشطاء في دفع القرار، وتقول بعض النساء إن مسؤولي الأمن طالبوهن عن طريق مكالمات هاتفية بالهدوء.

كثير من السعوديين يجادلون بأن النساء يفاقمن القضية عن طريق إثارة المحافظين في المملكة، وهؤلاء يجادلون بأن الحقوق تمنح من قبل الحاكم، وليس عن طريق مطالبة الشعب علنا.

وقال الأمير عبد الرحمن بن مساعد، وهو رجل أعمال، على "تويتر": "من الطبيعي أن يكن سعيدات بأنهن أعطين حقهن القانوني الذي طالبن به من قبل". لكنه وصف فكرة أن "نضال" المرأة قد أثر على القرار بأنها "خيال عظيم". وتعتقد النساء أن الحكومة لن تعترف بأثر نضالهن حتى لا يشجع ذلك نشطاء آخرين.

ولا تزال هناك قيود كثيرة على المرأة، بما في ذلك ما يسمى بقوانين الوصاية التي تمنح الرجال السعوديين سلطة على أقاربهم من النساء في بعض المسائل. ولكن المحتجات الأصليات يشعرن بسعادة غامرة لأن بناتهن وحفيداتهن سوف يكون لهم حياة أكثر حرية.

تقول السيدة العبودي، الأخصائية الاجتماعية: "أن أقود السيارة يعني أنني أعرف أين سأذهب"، وأضافت "إنها ليست مجرد قيادة سيارة إنها قيادة الحياة".

(العربي الجديد)





دلالات

المساهمون