نواعير حماة... دواليب تدور رغم الحرب

09 يوليو 2016
الصورة
تتمتع النواعير بأهمية سياحية تراثية (Getty)
على ضفاف نهر العاصي الذي يخترق مدينة حماة، تتوزع دواليب خشبية ترفع الماء من النهر، وتصبه في أقنية للاستفادة منه؛ هي نواعير حماة الشهيرة، والتي هي عبارة عن آلة مائية تتكون من دولاب خشبي ضخم، يدور حول محور خشبي مصنوع من خشب الجوز، مثبت على قواعد وركائز حجرية في قاع النهر، قطرها يتراوح بين خمسة وواحد وعشرين متراً، تثبت صناديق عليه أعدادها بين 50 و120. تستعمل هذه الصناديق لرفع الماء من حوض العاصي إلى البساتين المجاورة؛ لتأمين عملية السقاية، لأن العاصي كان مستعصياً عليها؛ فقد عجز أهل حماة عن الاستفادة من مياهه؛ لأن مجراه مع مرور الزمن انخفض أدنى من السهول المحيطة، وربما هذا ما يفسر تسميته.
عثر على أقدم ذكر للنواعير في لوحة فسيفساء في مدينة أفاميا الأثرية قرب مدينة حماة؛ وهي معروضة الآن في حديقة متحفها؛ والتي تعود إلى العصر الروماني في القرن الخامس الميلادي؛ ولقد دلت المكتشفات الأثرية على أن النواعير تعود إلى عام 2500 قبل الميلاد، ويرى بعض الباحثين أنها آرامية المنشأ لأن فكرة رفع الماء موجودة قبل الرومان، وتمثل تلك اللوحة ناعورة تدور، والماء تتطاير قطراته من حولها، ولعل هذا التطاير الناتج عن عملية رفع الماء كان دافعاً للشعراء كي يصفوها ويشبهوها بالدموع:
فدموعها تسقي الرياض بها
ودموع عيني أقرحت خدي
صوت الناعورة يسمى النعير؛ وهو مشتق من نعرت الدابة؛ أي أطلقت صوتاً، خصوصاً عند التعب والمشقة؛ وهو صوت من أقصى الأنف، وإليه نسب اسمها، ويعطي ما بين 120 و170 نغمة موسيقية، وجاء في لسان العرب أن الناعورة هي الدولاب، والناعور واحد النواعير التي يُستقى بها يديرها الماء ولها صوت، ومع كل عشرين ثانية تدور دورة كاملة، تعطي فيها 2400 ليتر ماء، وأحياناً تعطي صوتاً شجياً حزيناً كان سبباً في إثارة لوعة الأشواق في نفوس الشعراء الذين عبروا عما في داخلهم:
وناعورة في جانب النهر قد غدت
تعبر عن شوق الشجي وتعرب
للناعورة أهمية اقتصادية؛ لأنها كانت تروي الحقول، وتمد الحمامات والخانات التي اندثرت بالماء اللازم، ولاستخدامها في طحن الدقيق، وهي ملجأ للعشاق فيلتقون قربها، هرباً من أعين الرقباء، وقبل الحرب التي تنهش سورية حالياً تمتعت بأهمية سياحية تراثية، فقد كانت مقصداً للسياح للتفرج على عظمتها وروعتها وآلية عملها.
تبنى النواعير على أبراج أو قناطر، وتنتشر في مناطق كثيرة من العالم، لكنها حديدية، ولا تشبه نواعير حماة، وذكرها الرحالة الذين مروا بالمدينة، واصفين إياها، متأملين دقتها المتناهية وصناعتها الفريدة.
في فترات الحكم الإسلامي كان للنواعير أناس يقومون عليها، وفي فترة الحكم المملوكي والعثماني عُيِّن قائم عليها يدير شؤونها وإصلاحها واستثماراتها، وفي فترات لاحقة سقط العديد منها بسبب الإهمال والتقصير، وقناطرها الحجرية شاهدة على ذلك. وفي سبعينيات القرن الماضي أعيد إحياء النواعير ودُرِّب شبان للعمل والإشراف عليها، مستفيدين من خبرة الأجداد الذين يعرفون خباياها.
مع بدايات القرن العشرين كان عددها أكثر من مائة وهي مختلفة المقاييس، ولكل منها اسم، يعمل منها أربع وعشرون، وما يزال بعضها يستخدم في سقاية الأراضي، وبقي داخل مدينة حماة اثنتان وعشرون، يعمل منها سبع عشرة، أشهرها البشرية الكبرى والصغرى نسبة إلى الشيخ بشر المدفون تحت قبة بجانبهما، والناعورتان العثمانيتان وهما بارتفاع واحد، وأكبرها المحمدية في حي باب النهر صنعت في العهد المملوكي عام 1362 ميلادي وقطرها واحد وعشرون متراً، وتليها المأمورية الواقعة قرب متحف حماة بقطر عشرين متراً وصنعت في نهاية العهد المملوكي عام 1453 ميلادي، وبجانب المأمورية ناعورة أصغر منها هي المؤيدية من العهد العثماني، والبقية تتوزع على حافتي النهر في المدينة؛ وهي الجسرية والجعبرية والدهشة واليخضورة والقاق والدوالك والوسطانية والداهونية والكيلانية والطوافرة.
بحلول مهرجان الربيع في مدينة حماة سابقاً، كانت النواعير تدور مبتهجة بفصل وخير جديدين بعد موسم أمطار وافر، أما الآن فهي تصارع الحرب لتستمر في إرسال نعراتها وإرواء البساتين حولها.
تعليق: