ناصيف اليازجي.. في استعادة العربية وآدابها

25 مارس 2020
الصورة
(ناصيف اليازجي)

سعى رموز إحياء التراث خلال القرن التاسع عشر إلى إعادة الاعتبار للأدب والثقافة العربيين عبر محاكاة القديم والإضافة عليه، ولم تكن جهودهم منفصلة عن نزعة تحرّرية تهدف إلى تكريس هوية عربية أسّست لاحقاً لمشاريع سياسية استقلالية عن الدولة العثمانية، ومن بين هؤلاء الشاعر والمترجم اللبناني ناصيف اليازجي (1800 – 1871) الذي تمرّ ذكرى ميلاده اليوم الأربعاء.

ينتمي صاحب كتاب "نار القرى في شرح جوف الفرا" إلى عائلة امتهنت الكتابة في دوواين وإدارات الدولة، واكتسبت لقبها "يازجي" الذي يعني الكاتب باللغة التركية، وعُرف عن والده أنه كان يشتغل بالطب العربي على مذهب ابن سينا، وهي إشارة تحيل إلى اهتمامه بالفلسفة الإسلامية أيضاً مثل بعض النخب المتعلّمة في عصره التي تبنّت العديد من الأفكار الفلسفية لدى المتصوّفة أو مدرسة يغداد.

ثلاثة توجّهات أساسية تلخّص سيرة اليازجي، أولّها مساهمته البارزة في تعليم اللغة العربية ضمن منهاج منتظم لم يكن موجوداً من قبل، حيث استدعاه بطرس البستاني عام 1863 ليعمل أستاذاً في "المدرسة الوطنية" التي أنشأها آنذاك، وانضم إلى أساتذة "المدرسة البطركية" التي أُنشئت لاحقاً، كما كان من أوائل المدرسين في "الكلية الإنجيلية السورية" التي اتخذت اسم "الجامعة الأميركية" لاحقاً.

وفي هذا السياق، ألّف العديد من الكتب في الصرف والنحو منها "فصل الخطاب في قواعد العربية"، و"الجمال في شرح الخزانة" (أرجوزة طويلة في علم الصرف)، و"طوق الحمامة"، و"الجوهر الفرد في فن الصرف"، و"اللباب في أصول الإعراب"، و"لمحة المطرف في أصول الصرف"، وكتابين في البلاغة هما "عقد الجمان في علم البيان"، و"اللامعة في شرح الجامعة" (أرجوزة في العروض والقوافي).

وثانيها دوره في تعريب الكتاب المقدس ضمن مشروع جماعي آمن أصحابه بضرورة وجود أوّل نسخة عربية من العهدين القديم والجديد، حيث لم يكن غالبية المسيحيين العرب يجيدون اللاتينية والفرنسية والإنكليزية المستخدمة في الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية حينها، وهي محطّة يراها كثير من المؤرخين والباحثين أساسية في تعزيز الوعي بثقافتهم العربية.

وثالثها تتعلّق برؤيته للتراث التي ستتشّعب في مسارات متعدّدة، أهمها تحقيق ديوان المتنبي الذي بدأه، وأكمله بعد رحيله ابنُه إبراهيم وصدر بعنوان "العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب"، وعكس عمق ثقافته الأدبية وفهمه للشعر العربي، وجعل إرث المتنبي متاحاً استيعابه للعامة.

إلى جانب تأليفه المقامات التي جمع ستين منها في كتابه "مجمع البحرين" في تقليد لمقامات الحريري والهمذاني، وقدّم فيه نموذجاً حديثاً للمقامة التي تُبنى على سرد شعري ينشد الحكمة واستخلاص العبر عبر توظيف الحكم والأمثال والنوادر على لسان بطلٍ اختار له في النهاية أن يتوب ويقلع عن أفعاله التي مارسها في جميع المقامات، ويلتزم المسجد.

تعليق: