مُخرج حرب إسرائيلي

07 سبتمبر 2019
للمرة الثانية في أسبوع، يفاجئنا الجيش الإسرائيلي بتكتيك عسكري، أو في حقيقته فصل مسرحي في خضم المواجهة القصيرة مع حزب الله اللبناني على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، التي أعلن فيها الحزب تدمير آلية عسكرية إسرائيلية، مؤكدا قتل وجرح من فيها، ليرد الجيش على مصادر النيران بإطلاق مائة قذيفة.
تناقلت وسائل إعلام إسرائيلية أن الجيش أجرى عملية إجلاء وهمية للمصابين، كانت "تمثيلية" ظهرت خلالها طائرة عسكرية، وهي تخلي مصابين من مكان الحدث، واستمر بهبوط الطائرة في مستشفى "رامبام" الإسرائيلي، واستقبال الطواقم الطبية للجرحى وهم ينزفون. قبل أن يختتم رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، هذا الفصل المخادع بتصريح مقتضب جاء فيه: "في هذه اللحظة يمكنني أن أقدم إعلانًا مهمًا: ليس لدينا إصابات، ولا جرحى، ولا حتى خدش".
نسمع دائما بمصطلح "مسرح المعركة"، ولكن لم أتوقع يوماً أن أرى الجيش الإسرائيلي يقوم حقيقة بالتمثيل في وضع عملياتي مختلف تماماً عن تاريخ طويل من الخداع. كان أكثرها تهريجاً، قيامه بركن جيب عسكري وبداخله دمى على هيئة جنود على الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة، في الأسبوع، نفسه لخديعة الإجلاء التي أصبحت تتناقل في الأوساط الاسرائيلية على أنها فضيحة، إلى درجة أن أحدهم كتب ساخراً: "ستُشن الحرب القادمة من مخرج أو منتج، وليس من قائد".
الخداع العسكري تكتيك معتاد في الحروب النظامية، لكنه في سلوك الجيش الإسرائيلي مع حزب الله، هذه المرة، لم يكن عملاً واعياً، فقد بدا انحطاطاً لرابع أقوى جيش في مواجهة جماعة غير نظامية. ما يجري هو تآكل سريع للردع الإسرائيلي، فالخداع كان في السلوك العسكري الإسرائيلي يستخدم عادة في وضع الهجوم، وخارج حدود الكيان، بل في قلب أرض العدو. مثلما فعل وزير الحرب الأسبق إيهود باراك، وهو عاشر رئيس وزراء في إسرائيل، حين تنكّر بزيّ امرأة في بيروت وسط لبنان، وتمكّن من اغتيال ثلاثة قادة فلسطينيين من حركة فتح: كمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار، فيما عُرفت في حينه باسم عملية فردان 1973.
ما فعلته إسرائيل، هذه المرة، أنها لجأت إلى الخداع للدفاع عن نفسها ولإرضاء حزب الله، وهذه سابقة تشير إلى انسحاب مستويات الردع إلى حدود خطيرة، ليستغل حلف المقاومة هذا الوضع في إجراء عمليات ترسيم للحدود، فأصبحت إسرائيل الآن ملزمة بتعريف حدودها "المتخيلة"، واحترام سيادة المقاومة.
خاضت إسرائيل في 120 دقيقة سريعة بين صاروخ كورنيت ومائة قذيفة، "حرباً دفاعية" لجأت فيها إلى التهريج والتمثيل وتهويل الخسائر، وستبدو نمطاً معتاداً لمعاركها القادمة، في وقت كانت فيه النظرة الإسرائيلية إلى حروبها على أنها "حروب تحرير" على شاكلة حزيران 67، هدفها التوسّع الجغرافي لترسيخ الاستقلال السياسي.
تابع مختصون كثيرون في الشأن الإسرائيلي باهتمام أسلوب الخداع الإسرائيلي مع حزب الله، أحدهم كتب: "نسي جيش الاحتلال أنه معيب جداً أن تدّعي أنك خامس قوة عسكرية في العالم وعند المواجهة تمثل أنك مصاب؛ لإقناع خصمك بالكف عن ضربك، ذُل ومهانة لا تليق بمن يدعي أنه كبير".
أكبر استنتاج يمكن الخروج به من فاصل الشمال أن أنجح عملية خداع قام بها الكيان الإسرائيلي أنه أقنع كثيرين بأنه رابع أقوى جيش في العالم. ولكن المعارك المتنقّلة على الجبهتين الشمالية والجنوبية لإسرائيل تنبئ بأن لكل زمن حدودا.
1A0FA4E9-B32D-48C9-A466-1F34E6A04167
أحمد الكومي (فلسطين)