موسم الكمأ... فرصة عمل للشباب في ليبيا

13 مارس 2020
الصورة
يبيع الترفاس على الطريق (فتحي بلعيد/ فرانس برس)
+ الخط -
الأوضاع الاقتصادية الصعبة في ليبيا تُجبر إسماعيل الرحيبي ورفاقه الأربعة على السعي إلى البحث عن بدائل وتحدّي الأوضاع الأمنية المنفلتة في البلاد، بهدف الوصول إلى صحراء الحمادة الحمراء، بحثاً عن الكمأ أو "الترفاس" (فطر بري موسمي ينمو في الصحراء). بدأ استعدادهم للموسم في أكتوبر/تشرين الأول الماضي الذي انطلق منذ منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي وحتى أواخر أبريل/نيسان من كل عام.

وتشتهر ليبيا بأنواع نادرة من فطر الكمأ، المعروف محلياً باسم "الترفاس"، ويصل سعر أغلى أنواعه إلى 300 دينار ليبي (215 دولار أميركي). في هذا السياق، يقول الرحيبي، لـ "العربي الجديد"، إنه زاد عدد رفاقه هذا العام بسبب خوفه من العصابات المسلحة التي باتت تسيطر على قطاعات واسعة من الحمادة الحمراء؛ إذ تسعى إلى الاستيلاء على موارد الموسم، لا سيما بعدما جذب "الكمأ" من هم خارج البلاد، ما أدى إلى ارتفاع أسعاره بشكل جنوني. إلا أن إسماعيل ورفاقه الذين استعدّوا للموسم ككل عام تمكنوا من جني قدر كاف منه.

وفي ما يتعلق بأسباب إقباله على هذه المجازفة، يقول الرحيبي إن البطالة التي يعاني منها دفعته إلى البحث عن أي عمل كالأعمال الموسمية، منها جني ثمار الزيتون الذي تشتهر به مناطق غرب ليبيا، إضافة إلى الترفاس. ويبيع إسماعيل محصوله السنوي على دفعات لشركة تأسست حديثاً في مدينة الزنتان لتصدير الكمأ، ويحصل على مردود جيد. ويوضح أن ما يتقاضاه "أفضل بكثير من البيع على قارعة الطريق"، حيث يصطف عشرات الباعة ويعرضون محصولهم من الكمأ على طول الطريق الممتدة في مناطق الجبل الغربي.

وعلى الرغم من غنى أودية وسفوح جبال ليبيا بالكمأ النفيس، إلا أن أشهرها منطقة الحمادة الحمراء التي تبعد مسافة نحو 500 كيلومتر جنوب غرب العاصمة طرابلس.

من جهته، يقول رمضان بوزهو، أحد هواة جمع الترفاس، إن أشهر مناطق الحمادة غنى بهذا الفطر هي قرية درج القريبة من الحدود الجزائرية، مشيراً إلى أن تعدّد أسماء الفطر مثل الترفاس ونبات الرد والزبيدي دليل على اهتمام الليبيين بأنواعه. ويؤكد أن في القرية أشهر أسواق الترفاس، وهو الزبيدي المعروف بلونه الأبيض، وهناك الأحمر والأسود الأقل أهمية، لافتاً إلى أن شركات التصدير الخاصة تشتريه من المواطن بـ 120 دينارا للكيلوغرام الواحد (86 دولارا أميركيا)، ويصدرها إلى دول الخليج العربي وأهمها الكويت.

ويقرّ بوزهو أنه على الرغم من صعوبة الحصول على الترفاس بسبب قطع مسافات طويلة في مناطق تنشط فيها العصابات المسلحة، إلا أن موسمه يظلّ بمثابة منقذ للعديد من المواطنين من الفقر والبطالة من أبناء هذه القرية والمناطق المجاورة.

ويوضح أن عائلات عدة باتت تعتمد على دخل هذه المواسم. على سبيل المثال، فإن الترفاس عمل لا يقوم به الرجال فقط بل النساء أيضاً. ويوضح أنه في مناطق ظاهر الرجبان ويفرن والوعسة والمزيرعات، وهي قرى في الجبل الغربي، تتولى النساء تعبئة المحصول في أكياس أو صناديق ورقية، قبل أن تباع للتجار من خلال شركات خاصة توزعه على المحال داخل البلاد أو تصدّره إلى بلدان الخليج. ويلفت إلى أن بعض العائلات ترسل أطفالها لعرض بضاعتها على قارعة الطريق الرئيسي لبيعه للمارة.

إسماعيل يرفض انتظار الحصول على عمل من الحكومات التي تتصارع، وتزج بالشباب في حروبها، على الرغم من قساوة البحث عن الترفاس. ويوضح أنني وأصدقائي نقسّم المنطقة بيننا، وأسير على أقدامي لمسافة خمسة كيلومترات، والبحث عنه عادة ما يكون من خلال الحفر باليد، قبل أن يعود كل منا بمحصوله إلى الخيمة التي ننصبها للإقامة في الصحراء، وربما تدوم لأكثر من أسبوع. ولا تتوفر أي أرقام رسمية من قبل وزارة الزراعة عن الكميات التي تصدّر إلى الخارج أو المحصول السنوي المحلي للترفاس، على الرغم من أهميته الكبيرة.

وعلى الرغم من أن البحث عن الترفاس ما زال بالنسبة للبعض هواية، إلا أن إسماعيل ورفاقه اعتبروه مصدراً مهماً للرزق، وقد درّ عليهم دخلاً مهماً.

وعلى الرغم من طموح أحد رفاق إسماعيل لتطوير العمل وإنشاء شركة متخصصة في توزيع الترفاس محلياً، إلا أن عراقيل عدة تحول دون ذلك، من بينها المنافسون الكبار، ما جعله يفكر في البحث عن مشروع تجاري آخر يكون رأس ماله ما درّته عليه مواسم الترفاس من دخل يراه كافياً، خصوصاً أنه يشارك رفيقه إسماعيل سنوياً، قادماً من منطقة بعيدة عن الجبل الغربي.

المساهمون