موريتانيون يكدحون في دوامين

موريتانيون يكدحون في دوامين

30 نوفمبر 2016
الصورة
تعمل الموظفات في التجارة أيضاً (فرانس برس)
+ الخط -
يفرض غلاء المعيشة وكثرة متطلبات الأسرة وانخفاض الدخل على غالبية الموريتانيين الجمع بين وظيفتين لمحاولة تغطية الاحتياجات من صحة وتعليم وسكن، بالإضافة إلى الكماليات التي بات معظمها ضرورياً.

تتعدد مجالات بحث المواطنين عن العمل الإضافي، فمنهم من يبحث عن عمل في إطار دراسته وعمله الحالي. ومنهم من يعمل في ميدان آخر، مثل محمد سعيد ولد صيدو (37 عاماً) الذي يعمل موظفاً في مصلحة حكومية في الفترة النهارية، وفي أرشيف إحدى الشركات الخاصة في الفترة المسائية. يقول لـ"العربي الجديد" عن تجربته: "الراتب الحكومي لا يكفي لتسديد مصاريف كراء (أجار) الشقة ودراسة طفلين وميزانية البيت، لذلك بحثت عن طريقة لتغطية احتياجات الأسرة التي تزداد يوماً بعد يوم، من خلال وظيفة براتب ثابت". يضيف: "غالبية الشباب ممن هم حديثو العهد بتكوين أسرة يبحثون عن عمل إضافي لزيادة دخلهم. فحياة العازب ليست هي حياة رب الأسرة، كما أنّ تأثير الوجاهة الاجتماعية التي تورط الشباب في عدة قروض يتسبب في قبول الكثيرين مرغمين لأعمال إضافية بعيدة عن مجال تخصصهم". يؤكد أنّ الجمع بين الوظيفتين تسبب له الكثير من المشاكل العائلية والإرهاق والضغط، كما أثر أيضاً على تواصله مع طفليه اللذين لم يعد يراهما إلا نادراً، وتحديداً في الإجازة الأسبوعية.

يقع الأبناء ضحية انشغال آبائهم بتحصيل لقمة العيش، فتتولى الأم وحدها مسؤولية البيت وتحاول تعويض غياب الأب. وفي بعض الأحيان تتولى العاملة المنزلية أو عائلة الأم لعب دور الوالدين إذا اضطرتهما الظروف معاً إلى الجمع بين وظيفتين.

معظم النساء الموظفات في موريتانيا يعملن في ميدان التجارة، خصوصاً تجارة الملابس التقليدية والأثاث والمفروشات. وغالباً ما تنتقل الموظفة بعد انتهاء الدوام الرسمي إلى متجرها للإشراف عليه حتى منتصف الليل.

تقول عزيزة بنت سيدي أحمد (38 عاماً، موظفة) إنّ ضغوط الحياة ومتطلبات الأسرة تفرض الجمع بين عملين للوفاء بالالتزامات الكثيرة التي باتت تؤرق الجميع. تشير إلى أنّ النساء وجدن حلاً ملائماً لقدراتهن ومسؤولياتهن الأسرية وهو المشاركة في المشاريع التجارية إلى جانب وظيفتهن الأساسية. تضيف: "هناك مشاريع تجارية صغيرة تشترك الموظفات والعاملات في إطلاقها لمواجهة المصاريف الطارئة. وفيها يتعاونّ على تسييرها وفق جدول زمني محدد يتفقن عليه".

مع ذلك، فإنّ الجمع بين عملين يؤثر سلباً في حياة الكثير من الموريتانيين. فبالإضافة إلى إهمال الأبناء، لم يعد الموريتانيون يجدون الوقت للتجمع العائلي وزيارة الأهل. كذلك، ألغى دراسة بعض الموظفين الذين كانوا يطمحون إلى مواصلة دراساتهم العليا إلى جانب عملهم الوظيفي.


من بين هذه الفئة عمار ولد الهيبة (27 عاماً) وهو موظف في شركة عقارية كعمل أساسي، لكنّه يعمل أيضاً في وكالة خاصة وسيطاً عقارياً في الفترة المسائية. يقول عمار الذي يعمل من الثامنة صباحاً إلى التاسعة ليلاً إنّ الجمع بين الوظيفتين تسبب في توقف مشروع الدكتوراه التي كان يحضرها منذ سنوات. يجد نفسه مضطراً إلى تأجيله في انتظار تحسن وضعه الوظيفي وزيادة راتبه ما سيغنيه عن العمل الإضافي.

يؤكد عمّار أنّ معظم أصدقائه يعانون من الضغوط النفسية وضيق الوقت بسبب الرغبة في الجمع بين الوظيفة والدراسة والأسرة والهوايات، مع السرعة في أداء وإنجاز كلّ هذه المهام. يعتبر أنّ الجيل الحالي مظلوم بسبب هذه الضغوط التي لم تترك له الفرصة للاستمتاع بالحياة.

وكانت السلطات الموريتانية قد منعت الازدواج الوظيفي بإصدار عدة قرارات تلزم جميع الموظفين العموميين بعدم الخلط بين وظيفتين. واتخذت وزارة الوظيفة العمومية القرار الذي أصبح الموظف الذي يتوفر على أكثر من وظيفة بموجبه يخيّر بين أفضل الوظائف التي في حوزته، وبعد تحديدها يتنازل عن بقية الوظائف التي ستبقى شاغرة ليشغلها آخرون. تزامن القرار مع بدء توظيف عدد من حملة الشهادات الجامعية العاطلين منن العمل في الوظائف الشاغرة.

يقول الباحث الاجتماعي محمد أحمد ولد البوه إنّ الجمع بين وظيفتين طموح مشروع لمن لديه القدرة النفسية والجسدية. فالبعض يجد في ذلك أفضل طريقة لمواجهة الضغوط المعيشية والتكاليف المرتفعة. مع ذلك، يعتبر أنّ مساوئ الجمع بين عملين أشد خطورة لأنه يشغل المرء عن القيام بمهامه الأسرية. يضيف أنّ "العمل في وظيفتين يتسبب في شعور المرء بضغوط الحياة سواء في الوظيفة أو في المنزل، ويصبح كالآلة يتنقل من عمل إلى آخر من دون أن يجد الوقت للأطفال والعائلة والأصدقاء، فيفقد الإحساس بالأمان والهدوء والسكينة".

يشير ولد البوه إلى أنّ تضارب أوقات العمل بين الوظيفتين يجعل الموظف يتهرب من العمل الحكومي وينصرف قبل الدوام ويتخاذل في عمله، ما يؤثر سلباً على سير العمل الحكومي. في المقابل، يعمل القطاع الخاص على استغلال هذه الكفاءات في العمل المسائي، بدلاً من توظيف العاطلين من العمل لتخفيف أزمة البطالة.