موت بطيء

09 سبتمبر 2020
الصورة

(إسماعيل الشيخلي)

قالت جدّاتنا قديمًا، وهنّ يُشرن إلى طفل صغير "حي موت"، وهو مصرّ أن يتقافز، مثل البرغوث، ولا أحد يزجره؛ بسبب شغبه البالغ، بل على العكس، يبدو الجميع مبتهجًا أنه يتحرّك، ويثير الفوضى المحبَّبة، في المكان، فيما تعلِّق الجدّة للمرّة الثانية، مبتهجة: هذا الولد "حيّ موت"، وتعبيرها هذا يعني أنه قد تمّ إنقاذه من الموت بمعجزة، ولكنها لا تصف بالتأكيد اللحظات، أو الساعات، التي كان يموت فيها الصغير موتًا بطيئًا، حتى أتته نجدة، أو نزلت عليه رحمة السماء، وهو على سرير الشفاء.

مؤكَّد أن الجدّة تتحدّث عن موتٍ محتَّم، كان ينبغي أن يصيب الطفل الصغير، ولكنه نجا بأعجوبة، وعند هذا الحدّ شكرت الله، وحمدته كثيرًا، وأطلقت عليه اسم " حيّ موت"؛ لكي يهتمّ به المحيطون، وكلُّ من يسمع لقبه، وربما رفع أحدهم حاجبه مستهجنًا اللقب مستفسرًا عن قصة نجاته التي سوف يرويها الجميع، أيضًا، حتى يموت ميتته الأخيرة على فراشه، أو بسبب حادثٍ ما، وربما طال به العمر، حتى مات بعد أن صدمته سيّارة يقودها شابٌّ مستهتر، وهنا ستطلُّ الجدّة من مكانها، وتقول في صوت مشروخ، هو صوت العجائز غالبًا: سبحان الله لم يمت، حين بقي تحت أنقاض بيتهم المهدم ثلاثة ايّام، ومات بحادث سيّارة، ثم تُسلِم الروح هي أيضًا، وتترك القصة لغيرها؛ كي يرويها.

دائما هناك قصصٌ مفزعة وغريبة تحت الأنقاض، ووراء كلِّ فاجعة، مثل الانفجارات والزلازل، وآثار الحروب، هناك الأنقاض التي يتوقَّع أن يكون تحتها أشخاصٌ على قيد الحياة، وتبدأ جهود البحث الحثيثة عنهم، من حكومة البلد، والفرق المتطوَّعة المتخصِّصة، في هذا المجال الصعب والوعر المسالك.

يقول جون هولاند، مدير العمليّات في منظَّمة رابيد، وهي منظَّمة خيرية يتلقّى أعضاؤها التدريبات الصارمة، عامين، قبل أن ينطلقوا حول العالم، في رحلات إنقاذ، وبحثٍ تحت الأنقاض؛ بسبب الكوارث الطبيعية، أو الحروب، أنَّ عمليَّات الإنقاذ تمرُّ بخمس مراحل صعبة ومتتالية، تبدأ بمرحلة جمع المعلومات عن المكان الذي سيبحثون فيه، عن ناجين، وقياس درجة الخطورة، وإمكانيَّة وجود أحياء، وتمرّ عمليَّة البحث بمراحلها المتتابعة؛ من النَّبْش والإنقاذ، حتى تنتهي بمرحلةٍ صعبةٍ تُعرف بمرحلة الإغلاق، وهي مغادرة الفريق المكان، بعد أن يفقدوا الأمل في وجود أحياء تحت الأنقاض، أو بالعثور على جثثٍ تضع نهاية مأساويَّة لآلام الأحياء الذين توقَّعوا أن يعثروا على أحبَّتهم.

قام فريق بحث من تشيلي في بيروت بعمليَّة بحث، في منطقة الانفجار الذي مرّ عليه أكثر من شهر، وتتبَّعوا بواسطة كاميرات حراريَّة نبضات قلب، سرعان ما تباطأت، وقد كانت الإشارات تفيد بوجود طفل على قيد الحياة، ربما تحت جثَّة شخصٍ كبير، أو بجوارها، وظلُّوا يتتبَّعون النبضات، حتى تباطأت، وأصبحت سبع نبضات في الدقيقة، ثم توقّفت، وتوقّفت عمليَّات البحث؛ بسبب مخاطرها، فهناك خطر انهيار أحد الجدران المتصدِّعة في المبنى؛ ما يشكِّل تهديدًا لحياة الفريق الذي غادر المكان، بكلِّ أسى.

ربما كانت هذه النبضات لطفل فعلًا. علينا أن نتخيَّل الموت البطيء الذي عاشه، وهو بين الأنقاض، وفي مكانٍ معتم، وبجواره، أو فوقه جثّة. تخيَّلوا الرعب الهائل الذي عاشه، وربما أيّ حركة كانت بالنسبة له كارثة، وإن كان كثيرون يستبعدون التخمينات؛ فأبعدُ تسجيل لحالة بقاء بين الأنقاض سجّلتها "رابيد" لم تزد عن خمسة أيّام، سُجِّلت لصبيَّة في باكستان. 

يقول المنقذون إنّ من ضمن خطوات الإنقاذ أنْ يتمَّ غَلْق أعين الأشخاص الذين يتمُّ انتشالهم من بين الأنقاض؛ حتى لا يُصابوا بالعمى؛ لأن عيونهم تعوّدت على الظلام، فترة طويلة، ويبدو أن لا عذاب أشدّ وأقسى من أن تبقى مفتوح الأعين، ولا ترى حولك مدّة طويلة، وتعيش الخوف، ثم ينقذونك، ويقولون لك: مارِس حياتك، كما كانت سابقًا..

على الجدّات اللواتي أطلقن لقب "حيّ موت" على من يتمّ إنقاذه من موت محتَّم أن يطلقن عليه لقب "موت بطيء".