موت المشردين... مئات القتلى سنوياً في شوارع فرنسا

16 ابريل 2019
الصورة
أحد محتجّي السترات الصفراء يساعد مشرداً (سمير الدومي/فرانس برس)
+ الخط -

لأسباب عديدة، يجد أشخاص يعيشون في فرنسا، سواء من المواطنين الأصليين أو المهاجرين، أنفسهم في الشارع الذي يتحول إلى منزل لهم، لكنّه ليس كأيّ منزل، بل الطريق الأقرب إلى الموت والنسيان

تُقدر الجمعيات المهتمة بمساعدة المشردين في فرنسا عددهم بـ 200 ألف شخص. وكان آخر تحقيق أجراه المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (إنسي) سنة 2012، قد تحدّث عن 143 ألف مشرد في عموم فرنسا، من بينهم 30 ألف قاصر.

وضْع هؤلاء الصعب في فصلي الخريف والشتاء، دفع السلطات إلى فرض ما يسمى بـ"الهدنة" التي توفّر لبعضهم سكناً مؤقتاً، وتحول دون طرد الساكنين الذين لا يدفعون الإيجار، أو الذين صدر في حقهم أمر قضائي بالإخلاء. لكنّ الوضع سيئ في جميع الفصول؛ إذ "يتربص الموت بهؤلاء المساكين، صيفاً وشتاء. ما يفرض علينا مضاعفة الجهود للاهتمام بهم" كما يقول جورج لوغران، لـ"العربي الجديد"، وهو أحد موظفي جمعية "إيماييس" التي أسسها القس الراحل بيير، قبل 55 عاماً، لتُعنى بالمشردين.

قررت بلدية باريس إحصاء مشرّديها، فكانت النتائج مثيرة للقلق على الرغم من الجهود المبذولة في هذا المجال، خصوصاً جهود فتح مقرات للإسكان، حتى في بعض المؤسسات الحكومية، في فترات الشتاء. وأعلنت بلدية باريس عن 3622 مشرداً في شوارعها، وفق إحصاء أجري ليلة 7 - 8 فبراير/شباط الماضي، نحو نصف هؤلاء المشردين يوجدون في الشارع منذ أكثر من سنة. وكانت إحصاءات السنة الماضية قد أعلنت عن 2952 شخصاً في الشارع، وكان الرقم سيكون أعلى لولا أنّ السلطات البلدية أسكنت قبيل الإحصاء نحو 672 شخصاً.




ولا يبدو أنّ الحكومات المتعاقبة ووعودها المتكررة نجحت في التخلص من هذا الوضع غير الإنساني، على الرغم من إعلان القس بيير الشهير، في الأول من فبراير/شباط 1954، من أجل دفع السلطات المختصة للوصول إلى حلول جذرية لهذه المآسي. كان آخر الوعود من الرئيس إيمانويل ماكرون عام 2017؛ إذ تعهد بفعل الكثير من أجل هؤلاء المشردين، وهو ما يستعيده خصوم الرئيس في كلّ مناسبة للتأكيد على نكثه في الوعود التي يقدمها.

تجمّع موتى الشارع
لكنّ ما لا يراه المواطنون في فرنسا، كثيراً، وما لا يعلمونه حق العلم، هو أنّ "الشارع يقتل" في كلّ الفصول. وهذه المآسي هي التي كانت وراء تأسيس "تجمع موتى الشارع" سنة 2002، وهو تجمع يضم نحو خمسين جمعية قريبة من المشردين، وقد أعلنت عن مهامها الأساسية المتمثلة في مساءلة المسؤولين، وفي التذكير بأنّ العيش في الشارع يؤدي إلى الموت، ويتولى التجمع إحصاء الموتى وشرح الظروف التي أدت إلى موتهم. كذلك، يعمل على مرافقة الموتى، إذ يبلغ أهاليهم ويدعم الجنازات، ويرافق جنازات الأشخاص الذين ماتوا في عزلة، وليس لهم أحد، بالتعاون مع البلديات. ويحرص التجمع على مرافقة الأحياء، عبر تقديم المساعدة لهم وإبلاغ الأصدقاء والعائلات والجمعيات والجيران.

منشورات عن الموتى المشردين (العربي الجديد) 












في كلّ عام ينشر "تجمع موتى الشارع" الإحصاءات المتوافرة لديه عن عدد موتى الشارع، والتي يؤكد أنّها ليست نهائية، بسبب صعوبة الوصول إلى جميع أراضي البلاد، وبسبب حرص بعض العائلات على عدم الكشف عن أنّ أبناءها ماتوا في الشارع، إما بسبب عقدة الذنب، أو خوفاً من تعليقات الجيران. ويحرص هذا التجمع على أن تكون منشوراته صادمة من أجل إشعار الرأي العام والسلطات بتقصيرهما الشديد في هذا المجال. وهكذا، نجد منشورات وملصقات في الشوارع وعلى النصب التذكارية، تكشف صور موتى مجهولين، عثر على جثث بعضهم وهي هامدة في الصقيع، أو متعفنة بسبب حرّ الصيف.

يؤكد التجمع أنّ المعدل السنوي للوفيات يتجاوز 500 شخص. وكانت حصيلة سنة 2018، 566 شخصاً قضوا في الشارع. وقد أعلن التجمع عن هذه الحصيلة في حفل تكريم لهؤلاء الموتى، يوم 2 إبريل/نيسان الجاري، في حديقة "فيلمان" بدائرة باريس العاشرة. وقد حضر جمهور كبير، من بينهم مسؤولون بلديون وسياسيون، أبرزهم زعيم حركة "فرنسا غير الخاضعة" جان لوك ميلانشون، وبعض نواب حركته البرلمانيين، من بينهم كليمونتين أوتان وإيريك كوكريل. ونُصبت في المسالك المؤدية إلى مقر التكريم، أواني زهور، في كلّ إناء كتب عليه اسم واحد من موتى الشارع، ومن حوله تتناثر أوراق حمراء.

ضحايا عرب
بقدر ما أكّد المتدخلون على إظهار التعاطف مع هؤلاء الموتى وعائلاتهم، أكدوا ضرورة تحمّل السلطات العمومية مسؤولياتها، من أجل مرافقة المشردين قبل موتهم، وطالبوا الرأي العام الشعبي بأن يتعبّأ ليؤدي واجبه الأخلاقي والتضامنيّ النابع من المواطنة، خصوصاً أنّ "أي مواطن قد يجد نفسه في جحيم الشارع، إما بسبب فقدانه عمله أو بسبب مشاكل عائلية حادة"، كما ذكر أحد مسؤولي التجمع.




من جهته، كشف أحد المسؤولين عن الإحصاء أنّ 132 من بين الموتى الـ566، ماتوا في العاصمة باريس. ومن خلال كشف أسماء الموتى التي استطاعت الجمعية الحصول عليها، نكتشف أنّ معدل حياة هؤلاء هو 48 عاماً. كذلك، فإنّ كثيراً من الموتى لا أسماء لهم. العديد منهم من أصول عربية، كما هي الحال مع رأس القائمة، وهو "أرزقي" (63 عاماً) وقضى في باريس في الأول من يناير/كانون الثاني 2018، وبعده كثيرون، يتجاوزون 70 شخصاً، إلى جانب أسماء إسلامية من أفريقيا غير العربية، بعضها ذكر الاسم الشخصي، وآخرون ذكرت أسماؤهم الشخصية والعائلية، فيما ظل كثيرون مجهولين، وقد لا تُعرَف، أبداً، أسماؤهم.

الطريف أنّ القليل فقط من العرب أو من أصول عربية حضروا حفل تكريم هؤلاء الموتى، على الرغم من أنّ الحديقة قريبة جداً من محطة القطارات "غار دي ليست" التي كانت غاصّة بجمهور، من بينهم كثير من العرب. لكن، من بين الذين حضروا حفل التكريم، الثمانيني الجزائري، دحمان، الذي يسكن بالقرب من الحديقة، وكان متأثراً جداً بتأمل صور بعض الراحلين: "هم يشبهونني. والبعض ممن أعرفهم وجدوا أنفسهم في الشارع وماتوا فيه". يستعرض بعض الأسماء، التي رحلت، ومنها "أمقران" قبل أربع سنوات في كراي، بالضاحية الباريسية: "كان يعيش في فرنسا من دون عائلته، وكان يتناول النبيذ بإسراف، فتوقف عن دفع إيجار غرفته في مأوى للعمال، فطرد، وتشرد في الشارع، ثم مات فيه". لكنّه يستدرك: "مسجد البلدة جمع أموالاً فحملنا جثمانه إلى الجزائر".

إناء يحمل اسم مشرد قضى في الشارع (العربي الجديد) 












دور البلديات

كثير من هؤلاء الموتى، حتى وإن كانت لديهم عائلات في فرنسا، يموتون من دون أن يعرف عنهم أهاليهم شيئاً. وهو ما يشرحه لـ"العربي الجديد" جورج لوغران، من جمعية "إيماييس": "حين يستوطن المرء الشارع، غالباً ما يبتعد عن البلدة أو الحي الذي يعيش فيه مقربون منه، أو حتى معارفه، فالشارع يعتبر إهانة وانتقاصاً من الكرامة، كما أنّ الأهالي والمعارف يبتعدون، شيئاً فشيئاً، عن هذا المهمَّش. والكثيرون ممن يقيمون في الشارع طوال فترة طويلة يفقدون أوراق هوياتهم في تنقلاتهم أو تسرق منهم، أحياناً، ويجدون صعوبة في تسجيلها في مراكز الشرطة، بسبب عدم وجود عناوين ثابتة لهم، وهذا ما يكشف أنّ كثيراً من موتى الشارع لا أسماء لهم ولا نعرف أعمارهم".

الشارع يقتل الجميع، ويواصل عملية القتل، فقد مات في الشهرين الأولين من 2019 الجاري 80 شخصاً، بحسب "تجمع موتى الشارع" وهو رقم مؤقت. وبينما لا يميز القتل بين الجنس واللون والعمر، فالأغلبية الساحقة من الموتى المجهولين تنحدر من أصول مهاجرة، عربية وأفريقية وبدرجة أقل آسيوية، فالفرنسيون ينتهي بهم الأمر إلى معرفة موتاهم، فيما المهاجرون، لا يجدون من يسأل عنهم.




على الرغم من أنه "لا يَضيرُ الشاةَ سلخها بعد موتها"، فإنّ "إكرام الميت دفنه"، وهو ما تتولى البلديات القيام به. وبينما كان يجري في الماضي الدفن في قبور جماعية، بات الآن في "مربّع المعوزين"، وفيه يجري دفن الأشخاص الذين لا مال لديهم، أو الجثث التي لم يسأل عنها أحدٌ، ومن بينهم مشردون.

بعض المشردين يطالبون، قبيل موتهم، بمراسم دفن، لأسباب خاصة بهم، أو يطالبون بإحراق جثامينهم، وهو ما تتكفل به البلدية. وقبور هؤلاء الفقراء المعوزين، هنا، فردية، لكنّها مغطاة بالخرسانة، وليس بالمرمر، ولا تحمل شواهد. كذلك، فإنّ المصالح البلدية تستطيع نبش هذه القبور بعد مرور خمس سنوات فقط، على الموت، من أجل دفن موتى معوزين آخرين.