مواطنون ليبيون يتطوّعون لإعادة إحياء مناطقهم

11 يناير 2019
الصورة
تطوّعوا لتنظيف الطريق (سعيد خان/ فرانس برس)


بعدما طال انتظارهم، لم يعد أهالي بعض المناطق في ليبيا ينتظرون استجابة الجهات المعنية لمطالبهم بإصلاح المؤسسات أو الطرقات أو ترميم البيوت التي تضررت من جراء الحرب. بدلاً من ذلك، تطوعوا لإجراء إصلاحات أساسية في مناطقهم

عمد سكّان بعض المناطق في ليبيا إلى تشكيل مجموعات تطوّعية لصيانة عدد من المباني الإدارية، في ظلّ عدم استجابة السلطات لمطالب البلديّات، لا سيما في مناطق الجنوب التي باتت تستعدّ، في الآونة الأخيرة، لعودة بعض المؤسسات إلى العمل. وتركزت هذه الأعمال في مناطق كابو في الغرب، وبنت بيه وقارة الشاطئ في الجنوب، والتميمي في الشرق، وشملت المرافق الخدماتية كالمستشفيات ودور رعاية الأيتام والمصارف والمدارس وغيرها.

وتعاني البلاد حالة شلل في حركة البناء منذ عام 2011، في ظلّ الفوضى الأمنية العارمة التي أعقبها انقسام سياسي وفساد مالي وإداري في شتى المرافق، والذي شمل البلديات. ويؤكّد الأهالي وجود ميزانيات لإعادة الإعمار، متهمين المسؤولين بالاستيلاء عليها. وتشكلت في بعض المناطق جمعيات تطوعية تولت أعمال النظافة وحماية بعض المرافق الحيوية.

وفي ادري، إحدى مناطق الجنوب الليبي، يتحدّث عبد الله بو صلاح عن بدء أعمال صيانة إحدى قاعات مصرف في المنطقة، بعدما قررت حكومة الوفاق حل مشاكل الجنوب الأمنية، وبالتالي إعادة فتح فروع المصارف لتأمين السيولة النقدية عبرها. ويوضح، لـ "العربي الجديد": "تشمل أعمال الصيانة الطلاء ومعالجة الرطوبة ومحاولة توسيع الصالة"، مشيراً إلى أن الأهالي على استعداد لتقديم الكثير في مقابل عودة الأعمال. ويؤكّد أن أكثر من قرية تشهد أعمالاً تطوعية تشمل تنظيف المدارس والطرقات. "المهم أن تعود الحياة إلى سابق عهدها وسنساعد قدر الإمكان في سبيل تحقيق ذلك".



وفي سوسة (شرق البلاد)، جدّد متطوعون مقرّ دار للأيتام، بعدما كانت أسر نازحة قد اتخذت منه مقراً لها، ونقل اليتامى إلى مقر ملاصق لأحد سجون حفتر. وتقول إحدى المتبرعات، سهام أعليوه، لـ "العربي الجديد": "مبنى دار الأيتام تضرر بشكل كبير من جراء مكوث النازحين فيه لبعض الوقت. وعلينا، من باب الإنسانية، الوقوف إلى جانب اليتامى، حتى يشعروا بتضامننا معهم". وتؤكد أن الجهات المعنية لن تلتفت إلى مطالبنا بصيانة المكان، وبالتالي علينا الاعتماد على أنفسنا".

إضافة إلى ما سبق، أطلق أهالي طرابلس عشرات الحملات التطوعية لتنظيف الأحياء، في ظلّ إضراب عمال شركة الأشغال العامة، منعاً لتكدّس القمامة. وفي كاباو غرب البلاد، أشرف المجلس البلدي على حملة تطوعية لصيانة أحد الخزّانات الكبيرة التي تزود المنطقة بالمياه، إضافة إلى تركيب مواسير جديدة.

وفي بنغازي، أشرفت منظمة شباب العمل التطوعي، وهي منظمة مجتمع مدني، على جهود تطوعية دعت إليها، في يونيو/حزيران الماضي، بهدف مساعدة سكان وسط البلاد وسيدي خريبيش في المدينة، للعودة إلى مساكنهم، بعد توقف الحرب فيها، وقد مضى على نزوحهم أكثر من عامين. ويقول رامي أشميلة، أحد أعضاء الجمعية، لـ "العربي الجديد": "المساعدة تبدأ من خلال الدعم النفسي. غالبية الناس صدموا من جرّاء الدمار الذي لحق بمساكنهم، ما قد يؤثر على الأطفال". يضيف: "هناك مبادرات أخرى تتعلق بترميم البيوت ومسح المناطق بحثاً عن ألغام ومتفجرات قبل عودة الأهالي وتقديم معونات غذائية وغيرها".

ويؤكد شميلة أن ثقافة العمل التطوعي موجودة في كل مناطق ومدن ليبيا، مشيراً إلى أن هذه الثقافة تعكس في بعض جوانبها يقين الناس وثقتهم بأن المسؤولين والحكومات لا يكترثون لمعاناة المواطن، وبالتالي لا مبرر لانتظار تجاوبها مع نداءات الناس.



كما تطوع موظّفون في شركة إعمار للمقاولات العامة في أجدابيا، غرب بنغازي، لترميم بعض طرقات المدينة، على الرغم من عدم حصولهم على رواتبهم وخلو الشركة من أية ميزانية لترميم بعض طرقات المدينة. ويقول ميلود الفاخري، أحد موظفي الشركة، لـ "العربي الجديد"، إنه وزملاءه نفذوا أعمال صيانة لأربعة شوارع، خلال سبتمبر/أيلول الماضي ويناير/كانون الثاني الماضي. يضيف: "ما فعلناه كان بمبادرة منا، ولم نطلب أن توثق الشركة هذه الأعمال لنتقاضى في مقابلها المال لاحقاً". ويشرح: "اقترحنا على بعض رجال الأعمال شراء المواد اللازمة، على أن نتولى العمل. ولمّا تمكنّا من ذلك، تقاسمنا العمل، واشترينا بعض النواقص من مالنا الخاص". ويؤكد أن مدير الشركة نفسه قدّم عونا شخصياً لهم من خلال إعطائهم سيارته الخاصة لنقل بعض مواد الصيانة.

مبادرة مماثلة أطلقها موظفو شركة المياه والصرف الصحي في طبرق، العام الماضي، وقد عملوا على فتح شبكات تصريف المياه بعدما سدّتها مخلفات الأمطار والأتربة، ما أدى إلى غرق بعض الأحياء. وأشاد المجلس البلدي بالخطوة، مؤكداً أن الحكومة لم تتجاوب مع مطالبه بضرورة توفير الميزانيات اللازمة للشركة.