مهرجان "التكفير" للجميع

16 ابريل 2014
الصورة

شيخ الأزهر والبابا تواضروس وعلي جمعة في يناير 2013

+ الخط -

الجميع في مصر يواجهون "التكفيريين". التصالح معهم خيانة، فلا مجال للحديث عن وطنٍ يتسامح فيه المتخالفون، وتتجاور فيه المعتقدات، وتتعايش فيه الأفكار. ولاة الأمر الذين لهم حق السمع والطاعة قرروا الحرب، ورموز عنصري الأمة، من مشايخ ورهبان، باركوا النزال؛ والإعلام يدقُّ طبول المعركة؛ فهل لنا أن نولي الأدبار مع هذا الزحف؟
وعلى الرغم من أننا لم نُقْدِم ولم نُحْجِم، فقد أصبحنا جزءاً من المعركة؛ مع أننا لم نعرف، إلى الآن، معنى "التكفير"، ومن هم "التكفيريون" وأين يوجدون، وكيف نواجههم، وما مدى علاقة هذه الآفة بالعنف.
ما نعرفه أن الإيمانَ والكفرَ نسبيان، فالكفر بالدين والكفر بالطاغوت ضدّان. لذا، علينا ألا نضع البيض كلّه في سلةٍ واحدة، فليس التكفيريون جميعاً سواء. فمنهم الطيبون، ومنهم الأشرار، بل منهم من يكون كافراً وتكفيرياً معاً (اثنان في واحد)، كالخوارج مثلاً. فهل يجوز أَن نساوي بين الشيخ علي جمعة الذي وصف "معارضي" 30 يونيو/حزيران 2013 بـ "الخوارج"، والشيخ يوسف القرضاوي الذي يصف "صانعي" 30 يونيو/ حزيران بـ "الخوارج" أيضاً؟ كلا، فمفتي مصر السابق، علي جمعة، وفقاً لأنصاره، ينتمي إلى قطاع الطيبين الذين دفعتهم وطنيتهم إلى "تكفير" أعداء الوطن، ودعوة النظام إلى سحقهم؛ لأنهم "ناس ريحتهم نتنة". وفقاً لتعبيره.
تستجيب الحكومة المصرية "المؤمنة"، مشكورةً لصوت الإيمان القادم من أعماق "فتاوى التكفير الوطنية"؛ متجاهلةً الدعاوى المشبوهة، الداعية إلى إبعاد الشريعة عن حلبة السياسة، وفصل الأمة عن هويتها الدينية، فتقوم، بدورها، عبر عملياتٍ نوعيةٍ للجيش والشرطة والقضاء، فتقتل "تكفيريين" أشراراً، بينهم أطفال، في صور تبثها وكالات أنباء "مغرضة"، وتقصفهم بطائرات الأباتشي (جملة وقطّاعي) في جبل الحلال وغيره، وتعتقل أعداداً كبيرة منهم بصفة دورية، وتحكم على مئات منهم بالإعدام، من دون مرافعات أو دفوع.
سلفيون طيبون يقومون، أيضاً، بدورهم الوطني بصورة ملحوظة، فينظّمون حملات توعيةٍ في سيناء، للتحذير من مخاطر الفكر التكفيري، وبالطبع، تؤهلهم خبراتهم في تكفير مخالفيهم للتصدي للظاهرة ومخاطرها، فبينما يكفّرون الشيعة مطلقاً، تراهم أكثر هدوءاً وتسامحاً مع الصوفية؛ حيث يرحبون بمساحة اختلاف بشأن الممارسات الصوفية، وما إذا كانت تنتمي إلى "الشّرك الأصغر"، أم إلى "الشّرك الأكبر"؟
ومعلومٌ أن السلفيين (نسخة 2014 المعدلة) لا يقصدون الشيعة، أو الصوفية، أو النصارى (يرفض السلفيون تسميتهم بالمسيحيين)؛ فلمواجهة التكفير، الآن، طابع سياسي، وليس عقائدياً؛ ذلك أن وكيل حزب النور، أشرف ثابت، يُحَمّلُ جماعة الإخوان المسلمين وحدها مسؤولية نشر الأفكار التكفيرية! على الرغم من تواتر الاتهامات السلفية المكرورة والمتوارثة بشأن الرخاوة الدينية، والميوعة العقائدية، عند "الإخوان"! (يراجع تسجيل: الشيخ إسماعيل المقدم يكشف مؤامرة الشيعة والإخوان في مصر).
تقوم الكنيسة الأرثوذكسية، أيضاً، بدورها بلا تقصير، وكان لافتاً مشهد جلوس البابا تواضروس على منصة مؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، بجوار شيخ الأزهر، أحمد الطيب، لمناقشة قضية عقائدية دقيقة هي "التكفير". ترى.. أيّ تكفير يقصدانه؟ وأيّ إيمان يجتمعان عليه؟ وقد أثار هذا المشهد أسئلةً طريفةً بشأن الموقف العقائدي التكفيري بين الجالسين على المنصة وبعضهم؛ فهل يرى تواضروس أن الطيّب سيكون رفيقه في ملكوت الرب الذي يختلفان بشأن مفهوم ربوبيته، أم يرى الطيّب أن تواضروس سيكون رفيقه في شفاعة محمد؟
تتغافل الكنيسة عن تاريخها التكفيري للكنيستين المصريتين الأخريين، وإن كان أرشيف الصحف المصرية لا يزال يحتفظ بكلمة عصماء للأنبا بيشوي، أحد الرموز الكنسية، كفَّر مَن هم غير أرثوذكس من المسيحيين الكاثوليك والبروتستانت، مؤكداً أنهم لن يدخلوا ملكوت السماوات، كما وصل تكفيره إلى الأب متّى المسكين، والذي لم ترحمه الكنيسة الأرثوذكسية، وهو على قيد الحياة، ولم يرحمه الأنبا بيشوي، وهو بين يدي الله (وفقا للكاتبة رشا أرنست). بل إن الكنيسة الأرثوذكسية تتناسى قيامها بعمليات تكفيرٍ وحرمانٍ لبعض رعاياها، حتى أَصبحت تتنامى بصورة كبيرة، أفزعت "الأنبا ماكسيموس" الذي افتتح كنيسة خاصةً، يجتذب إليها المطرودين من رحمة الكنيسة الأم.
لا يفلت من مهرجان التكفير للجميع حلفاء اليوم، بما يدعو إلى ضرورة فض الاشتباك. وقد حاول الشيخ "ميزو" اليساري مفتي ديار حزب التجمع، حل إشكالية تكفير الحلفاء بعضهم بعضاً، حيث حكم بإيمان المسيحيين، ثم كفَّر السلفيين والإخوان (أيام تحالفهما). ولكن، ماذا يفعل "ميزو"، الآن، وقد انفض تحالف الإخوان والسلفيين؟ هل سيسحب تكفيره للسلفيين، ويضمهم إلى إخوانهم من "النصارى"، أم سيؤجل ذلك حتى إشعار آخر؟
يحاول الإعلام المصري، أيضاً، حل الإشكالية عن طريق ترسيخ متوالية جبرية، ليستريح دماغ المواطن "الغلبان" من هذه "اللخبطة". تقول المتوالية إن كل معارض للنظام هو من جماعة "الإخوان الإرهابية"، ولو كان يسارياً أو ليبرالياً أو قومياً أو قبطياً. وكل من ينتمي إلى "الإخوان" من الخوارج (أي: كفار وتكفيريون معاً)، وكل إرهاب يظهر، مصدره قطعاً "الإخوان"، حتى لو أعلنت جماعة بيت المقدس مسؤوليتها، أو ألقي القبض على آخرين.
كذلك يؤرخ الشيخ الفضائي الإعلامي، مظهر شاهين، ويؤصل للدور المعاصر للخوارج؛ فيقول: إن "جماعة الإخوان اﻹرهابية أسست لهدم الدين باسم الدين، ولتحريف الإسلام باسم الإسلام، ولحرق الوطن باسم الوطنية، ولتحقيق مصالح الصهيونية والماسونية باسم الخلافة". وجاءت فتواه الشهيرة بضرورة "تطليق الزوجة الإخوانية"، من عميق فهمه قوله تعالى: "ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِر".
ولا يؤمن التكفيريون الطيبون بالتخصص؛ لأنهم موسوعيون. وكلٌ يدلي بدلوه في قضايا الدين والوطن، فالأكاديمي الأزهري، سعد الهلالي، يرفض النظام القضائي المصري الذي "لا يزال" يسمح لمتهمين حكم عليهم بالإعدام بحق النقض، بعد محاكمةٍ تعجّب منها المؤمن والكافر والظالم والفاسق، بل طالب بسرعة التنفيذ، لئلا يفلت أحدٌ منهم من مشنقة الوطنية. والفنانة إلهام شاهين تقول: "إنهم متأسلمون والدين بريء منهم". مضيفة: "سأعلم الإخوان يعني إيه إسلام"، أما الأستاذة سما المصري فكان لها دور وطني مشهود لا ينكره إلا جاحد!
ملف "التكفير" في مصر متخمٌ بالوثائق الصوتية والنصية، وما فيها من مفارقاتٍ تحمل كثيراً من الطرافة والألم معاً. ويبقى السؤال: من الذي يدفع بجدلية "الإيمان/الكفر" في أتون المعركة السياسية المصرية؟ الكافر أم التكفيري؟