مهاجرون إلى إسبانيا... محطة عبور إلى "الفردوس الأوروبي"

22 أكتوبر 2018
الصورة
"نصر" في مليلية (فاضل سنا/ فرانس برس)
+ الخط -
لا يفوّت المهاجرون طريقاً ولا طريقة بهدف الوصول إلى وجهتهم... "الفردوس الأوروبي". وتُعَدّ اليوم إسبانيا محطّة لهؤلاء، انطلاقاً من المغرب، لا سيّما بعد إغلاق إيطاليا أبوابها في وجوههم

مع تشديد الرقابة على السواحل الإيطالية التي كانت تُعَدّ البوابة الرئيسية للمهاجرين غير الشرعيين انطلاقاً من ليبيا، يحاول آلاف من هؤلاء الوصول إلى أوروبا من خلال المغرب وعبور سبتة ومليلية اللتَين باتتا، منذ مطلع الصيف المنصرم، الوجهة الوسطى لهؤلاء الآملين في الحصول على حق اللجوء في أوروبا.

وكما هي الحال في مثل هذه الفترة من كل عام، تُسجّل موجات هجرة كبيرة عند الحدود الإسبانية. فالمهاجرون غير الشرعيين يستغلون هذه الفترة لركوب عباب البحر، مستبِقين موجات البرد والصقيع التي من شأنها عرقلة وصولهم إلى الضفة الأخرى المنشودة. بالتالي، إلى جانب الهاربين من الحروب والمهاجرين الاقتصاديين، يُحكى عن "اللاجئين المناخيين" وموطنهم الأصلي أفريقيا جنوب الصحراء. وقد أطلقت هذه التسمية عليهم نظراً إلى التغيّرات المناخية التي أدّت، على فترات متكررة من الجفاف وانعدام الأمن الغذائي، إلى تعقيد حياتهم واستقرارهم في مناطقهم، حيث يواجه الآلاف الحرب والجوع والبؤس.




وتشير تقارير ودراسات استقصائية إلى أنّ الفقر في أفريقيا، تحديداً في دول مثل تشاد والنيجر، يتسبب في وفيات في الصحراء أكثر من تلك التي تقع في البحر الأبيض المتوسط، غرقاً. يُذكر أنّ خفر السواحل الإسبانية أعلن، في نهاية الأسبوع الأول من شهر أكتوبر/تشرين الأوّل الجاري، عن إنقاذه نحو 1200 مهاجر غير شرعي كانوا يحاولون الوصول إلى إسبانيا على متن 30 زورقاً.

بعد إخلاء سبيلهم من مركز استقبال مؤقت في غرناطة (كارلوس جيل/ Getty)












مهاجرون قصّر

يبدو لافتاً، بحسب ما تفيد تقارير إعلامية، وصول عدد كبير من المهاجرين القصّر غير المصحوبين بذويهم، الأمر الذي أشارت إليه السلطات الإسبانية، مبيّنة أنّ 70 في المائة من هؤلاء تمّ تسجيلهم كمواطنين مغاربة مع الإبقاء على وضعيّتهم غير القانونية. وهذا ما يجعلهم بمعظمهم مشرّدين في الشوارع، على الرغم من أنّ الآلاف يودَعون في دور رعاية في مدن حدودية مع المغرب، منها مليلية. أمّا الآخرون فيلجؤون إلى المبيت في أكواخ صغيرة وفي الحدائق العامة وعلى جوانب الطرقات، بعدما ضاقت بهم مراكز الاستقبال المخصصة لأمثالهم. وتعمل إسبانيا، كما المغرب، على إيجاد حلول لهذه المشكلة من خلال عقد اجتماعات بينهما تهدف إلى إعادة هؤلاء إلى بلدانهم.

وفي محاولة لتأمين قوت يومهم، يحاول شبان وشابات من المهاجرين غير الشرعيين العمل في القطاع الزراعي لقاء مبالغ زهيدة، وهو ما يُعَدّ ربحاً لأصحاب الأراضي والمزارعين. وهذا العمل هو مؤقت بالنسبة إليهم، إذ إنّ إسبانيا ليست سوى بلد عبور، بينما وجهتهم الأساسية هي ألمانيا أو السويد أو الدنمارك. في المقابل، يسجّل آخرون رغبة لدى عدد كبير منهم في البقاء في إسبانيا لأسباب كثيرة، منها قرب البلد من دول المهاجرين غير الشرعيين وكذلك عامل اللغة، إذ إنّه من السهل تعلّم الإسبانية بالنسبة إلى المهاجرين غير الشرعيين الوافدين من الدول المغاربية، الأمر الذي يساهم في انخراطهم في سوق العمل بطريقة أسرع. يُذكر أنّ أخباراً شاعت أخيراً في دول الهجرة عن إزالة الأسلاك الشائكة بين مدينتَي مليلية وسبتة، وعن استفادة المهاجرين غير الشرعيين من التأمين الصحي. يأتي ذلك إلى جانب الدعاية المكثفة الرائجة في المغرب، لا سيّما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تتوجّه إلى الراغبين في الهجرة من ضمن رحلات بحرية إلى "الفردوس الأوروبي"، بالإضافة إلى تكاثر الإعلانات الخاصة بالمحال التي تبيع نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس) وستر النجاة.




مواجهة الهجرة غير الشرعية
تشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة إلى أنّه منذ بداية العام الجاري وحتى نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، وصل إلى إسبانيا أكثر من 42 ألف مهاجر غير شرعي من بينهم خمسة آلاف عبروا براً. سبعة آلاف و800 مهاجر غير شرعي منهم وصلوا خلال أغسطس/آب، وخمسة آلاف و600 في سبتمبر/أيلول. ووفق ما ذكرت صحيفة "فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ" الألمانية، فإنّ إسبانيا التي شدّدت أخيراً إجراءاتها الأمنية باتت تستوعب 42 في المائة من جميع المهاجرين غير الشرعيين في الاتحاد الأوروبي. بذلك، تحلّ محلّ إيطاليا التي كانت تُعَدّ طريقهم الرئيسي، وهم بمعظمهم من إريتريا والصومال وبنغلادش ومالي والسنغال. وهذا الأمر أكّدته الوكالة الأوروبية لمراقبة وحماية الحدود الخارجية "فرونتكس"، معلنة عن معاناتها من نتيجة ضغط المهاجرين غير الشرعيين على الحدود الإسبانية، على الرغم من تكثيف سلطات الأخيرة والاتحاد الأوروبي اتصالاتهما مع المغرب بهدف توسيع التعاون للحدّ من الهجرة غير الشرعية، بنيّة تخصيص مزيد من المال لحرس الحدود وخفر السواحل، بما يُقدّر بملايين اليوروهات كمساعدات اجتماعية، على أن تعمل الرباط على مكافحة المهرّبين وتجّار البشر، للسيطرة على موضوع الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، وهو ما تسعى إليه كذلك المنظمة الدولية للهجرة عبر إيجاد ظروف قانونية للهجرة. ولهذا، يجري الحديث عن تحضيرات لتنظيم مؤتمر دولي يُعقد في المغرب، خلال شهر ديسمبر/كانون الأوّل المقبل، قد يشهد إعلاناً عن تقديم مساعدات تنموية سخيّة، بالإضافة إلى توقيع اتفاقيات تحرص المنظمة على إدارتها وتنفيذها لاحقاً.

على متن سفينة إنقاذ إسبانية (غيوم بينون/ Getty)












ثقافة الترحيب الإسبانية

في سياق متصل، توجّه المعارضة الإسبانية اتهامات إلى رئيس الحكومة الإسباني الاشتراكي، بيدرو سانشيز، مشيرة إلى مساهمته في زيادة عدد المهاجرين غير الشرعيين من خلال "ثقافة الترحيب" المبالغ فيها. يأتي ذلك بالتزامن مع وصول حكومة يمينية شعبوية مناهضة للهجرة في إيطاليا، وبعدما كانت الحدود مع المغرب هادئة لسنوات طويلة وتخضع إلى المراقبة ومجهّزة بكاميرات وأجهزة رادار، عدا عن أنّ السياج عند سبتة ومليلية مثبّت بأسلاك حرارية وأجهزة استشعار شائكة. لكنّ كلّ تلك الإجراءات لم تحُل دون وصول المهاجرين غير الشرعيين وتهافت جموع الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء عبر المغرب بدلاً من ليبيا، بعدما تأزّم الوضع الأمني على أراضيها وتعرّض كثير من هؤلاء إلى عنف واحتجاز وعبودية واستغلال من قبل شبكات إجرامية تتاجر بالبشر. تجدر الإشارة إلى أنّ حكومة الأقلية الاشتراكية برئاسة سانشيز، وبخلاف حكومة المحافظين، تنوي الوفاء بالتزاماتها وتعتزم استقبال نحو 19 ألف مهاجر غير شرعي من مخيّمات المهاجرين طالبي اللجوء في إيطاليا واليونان.

موجات قد تغرق أوروبا
يُسجَّل كلّ ذلك وسط مواقف يطلقها مسؤولون ألمان بارزون محذّرين من موجات هجرة جديدة عبر دول أوروبية مجاورة وعودة نشاط المهرّبين. ويتزامن الأمر مع إعلان رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، أخيراً، عن زيادة المساعدات المخصصة لإسبانيا والمغرب حتى يتسنّى لهما التعامل مع المهاجرين غير الشرعيين الواصلين عبر غرب البحر الأبيض المتوسط. ومن المتوقّع أن تنفق مدريد نحو 40 مليون يورو لمواجهة الأزمة، مع تأكيد المفوضية ضرورة زيادة الميزانية في عام 2019، خصوصاً أنّ دول شمال أفريقيا باتت متطلبة وحازمة في موقفها بعدما كانت ترضى بمئات ملايين اليوروهات في ظلّ مشكلات متعلقة بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، بعد الاتفاق الذي حصل بينه وبين تركيا بخصوص المهاجرين طالبي اللجوء والذي حصلت أنقرة بموجبه على أكثر من ثلاثة مليارات يورو.




تجدر الإشارة إلى أنّ الاتحاد الأوروبي صاغ أخيراً وثيقة تتضمن رفع عدد عناصر وكالة "فرونتكس" مع حلول عام 2020، إلى 10 آلاف عنصر، مع تعزيز حضورها وتوسيع صلاحياتها. ومن تلك الصلاحيات، تسجيل المهاجرين غير الشرعيين مباشرة، ما يجعل من المستحيل عليهم نقل طلبات اللجوء الخاصة بهم إلى دول أخرى مثل ألمانيا أو فرنسا أو السويد، عملاً بـ"اتفاقية دبلن". ومن شأن ذلك أن يخدم إسبانيا التي لم تكن متحمّسة لفكرة توسيع نشاط وكالة "فرونتكس"، فهي كانت قد وصفت عمليات الوكالة على حدودها بأنّها سبب للقلق في ما يتعلّق بسيادتها.

المساهمون