من يحاسب البنك المركزي المصري؟

17 يونيو 2020
الصورة
محافظ البنك المركزي المصري طارق عامر (Getty)
+ الخط -

تتوالى المواقف والقرارات الكارثية للبنك المركزي المصري والتي تسببت في خسائر فادحة تحملها بصورة مباشرة الاقتصاد، وتحملها المواطن بصورة غير مباشرة، وفي ظل سطوة أهل الثقة، وغياب المساءلة، تم التجديد لمحافظ البنك المركزي بنهاية نوفمبر من العام الماضي لولاية جديدة تمتد لأربع سنوات كاملة. 
بداية يمكن التأكيد على أن تعدد تلك الأخطاء يصعب استعراضها بالكامل في مقال واحد، وأن الهدف ليس توجيه الاتهام لأحد، بل توضيح الأثر السلبي للاستبداد ورجاله على مجمل الاقتصاد القومي، وأن مصر تمتلك الأموال اللازمة للنهوض، لكن المنظومة المتواطئة والمتحيزة هي من تضيع أموال ومقدرات البلاد والعباد.
المثال الأول هو آخر هذه الخطايا، حيث تعنت البنك المركزي بتثبيت سعر صرف الجنيه أمام الدولار والعملات الدولية الرئيسية، خلال فترة ما بعد اجتياح فيروس كورونا للعالم، والتداعيات الاقتصادية الكبرى التي أثرت سلبا على جميع الدول بعد الإغلاق الكلي أو الجزئي للأنشطة الاقتصادية، والخسائر الضخمة التي تعرضت لها الدول والمؤسسات في جميع أنحاء المعمورة.
وبالطبع كانت التداعيات كبيرة على الاقتصاد المصري، الذي يعتمد على مداخيل شبه ريعية، خاصة مصادر العملة الأجنبية، والتي توقفت شبه كلي نتيجة للظرف العالمي، وكان من الطبيعي نزوح الأموال الساخنة بالعملة الأجنبية من مصر لسد فجوات السيولة لأصحاب الشركات في العالم، إضافة إلى تبخّر جزء متوقع من احتياطي النقد الأجنبي، وهي التداعيات التي توقعها معظم الخبراء في داخل وخارج مصر، وبعضهم يعمل في الدوائر الحكومية المصرية، سواء في البنك المركزي أو وزارة المالية.
وجاءت النتائج متوافقة مع تلك التوقعات، حيث تقلص الاحتياطي الأجنبي بقيمة 5.5 مليارات دولار لشهر مارس، ثم 3 مليارات دولار تقريبا لشهر إبريل، إضافة إلى نزوح الاستثمارات في أدوات الدين المحلية والتي تفوق 22 مليار دولار وتراجعها إلى ما دون 10 مليارات دولار فقط بنهاية إبريل، وهو ما اضطر الحكومة إلى اللجوء لصندوق النقد الدولي للاقتراض وتعويض هذا التبخر، حيث حصلت على 2.77 مليار دولار وفق آلية التمويل السريع، وفي انتظار 5.2 مليارات أخرى يجري التفاوض عليها حاليا، بالإضافة إلى اقتراض 5 مليارات أخرى من خلال بيع سندات في الأسواق الدولية.
إذاً، فنزوح الأموال وتبخر نسب معتبرة من الاحتياطيات كان متوقعا ومنطقيا، وكان من المفترض قيام البنك المركزي، المدير لسوق الصرف، بتخفيض قيمة الجنيه بنسب ملائمة لفداحة ما يجري، كي يتحمل المستثمر في أدوات الدين بعضا من تبعات خسائر الاقتصاد المصري، ولكن البنك المركزي أصر وبكرم حاتمي على تثبيت سعر الصرف في حدود 15.60 جنيها للدولار في المتوسط، وهو ما تسبب في خسائر فادحة للاقتصاد.
ولكي تكون الصورة أكثر وضوحا، إذا افترضنا أن مستثمرا في أدوات الدين المحلية استثمر مليار دولار، فحوّلها في السوق المصري بحوالي 18 مليار جنيه تقريبا على أساس سعر صرف 18 جنيها للدولار، واستحق خلال معظم تلك الفترة على سعر فائدة جاوز 20%، والآن عندما أراد سحب أمواله من السوق المصرية، دفع 15.60 مليار جنيه فقط لكي يحصل على نفس المبلغ الذي دخل به وهو المليار دولار، وبذلك يكون قد ربح ما يقارب 2.5 مليار جنيه كفروق لسعر الصرف فقط، علاوة على أرباحه من الفوائد، وبالطبع تحمّل الاقتصاد والمواطن هذه الخسائر.
إذاً، وبحسبة بسيطة، إذا نزحت 11 مليارا من أدوات الدين، فقد خسر الاقتصاد المصري في شهرين فقط أكثر من 27.5 مليار جنيه، كانت كافية لبناء أكثر من ألف مدرسة، بفرض تكلفة 25 مليون جنيه للمدرسة الواحدة، كانت كفيلة بالقضاء على أزمة التعليم المتعلقة بتكدس الفصول الدراسية، أو ما يزيد عن 100 مستشفى بتكلفة 250 مليون جنيه للمستشفى الواحد، وهو ما يحلق بالخدمة الصحية إلى آفاق تليق بالمواطن.
والمثال الثاني على خطايا المركزي المصري حدث مؤخرا أيضا في إطار مواجهة تداعيات انتشار فيروس كورونا على الاقتصاد، وذلك بإعلان السيسي دعم البنك البورصة المصرية بقيمة 20 مليار جنيه، ويمثل هذا الرقم نحو 5% من القيمة السوقية الإجمالية لمكونات المؤشر الرئيسي EGX100 البالغة نحو 380 مليار جنيه.
كما دفع المركزي بنكي الأهلي ومصر الحكوميين لشراء أسهم بما قيمته 3 مليارات جنيه مناصفة فيما بينهما، وتسببت هذه الإجراءات في التوقف المؤقت لنزيف الخسائر في البورصة، لكن سرعان ما تبخر أثر تلك الأموال، وعاودت البورصة مسارها الهابط مرة أخرى، كونها جزءا من البورصات العالمية المستمرة في الخسائر، كنتيجة لضبابية الموقف من عودة النشاط الاقتصادي، وهو ما يدلل على رعونة قرار المركزي الذي تسبب في إهدار تلك الأموال.
والغريب أن الحكومة المصرية لديها سابقة مؤلمة في دعم البورصة من خلال شراء الأسهم، تسبب وزير المالية الهارب يوسف بطرس غالي في ضياع أكثر من 400 مليار جنيه من أموال أصحاب المعاشات، ولا تزال الموازنة العامة تسدد أقساط هذه الأموال حتى الآن، لكن المركزي المصري أصر على تكرار الخطأ رغم مناشدة المتخصصين بشراء وتملك حصص عينية من المصانع والشركات لدفع عجلة إنتاجها، لكن تسببت رعونته في ضياع النسبة الكبرى من تلك الأموال.
المثال الثالث لهذه الخطايا، هو مبادرة البنك المركزي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتي أطلقها عام 2015، وتعهد فيها بالوصول بنسبة تلك المشروعات إلى 20% من المحفظة الائتمانية لكل بنك يعمل في مصر، عبر ضخ 200 مليار جنيه، بفائدة مخفضة ما بين 5% و7%. ثم قام في يناير من العام الحالي بتمديد المبادرة لمدة 4 أعوام أخرى، على أن يتحمل فروق سعر الفائدة من أرباحه.
وبعد مرور أربع سنوات تقريبا اكتشف المركزي أن البنوك تواطأت مع رجال أعمال من أصحاب الشركات الكبيرة، الذين أسسوا شركات صغيرة ومتوسطة، للاستفادة من الفائدة المنخفضة التي تمنحها البنوك وفق المبادرة، وأخطأت البنوك في عدم تأكدها من تبعية الشركات الصغيرة لرجال الأعمال، ولم يكتشف المركزي ذلك إلا بعد تقديم 150 مليار جنيه من أموال المبادرة، كقروض للقطط السمان من أصحاب الشركات، وفي هذه المرحلة المتأخرة عاقب المركزي 18 بنكا بعقوبات متفاوتة، ولكن بعد استكمال أكبر عملية نهب للأموال، ربما في تاريخ مصر الحديث.
بالطبع من حق الجميع أن يتساءل الآن عن دور الأجهزة الرقابية التابعة للمركزي وللدولة طوال كل تلك الفترة، ولماذا اكتفى المركزي بالعقاب المادي للبنوك المخالفة، وتجاهل العقاب المادي أو الجسدي للمسؤولين المتورطين في هذه الكارثة، كما أنه من حقنا أن نتخيل حال المشروعات الصغيرة والمتوسطة في مصر، والشباب بل والاقتصاد، لو أنفق هذا المبلغ فعليا على المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وهناك إجراء آخر بخلاف التأخر في التدخل ربما يوضح مدى تورط المركزي في ذلك، وهو تغيير البنك تعريف المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتعمد زيادة رأسمالها لمرتين متتاليتين بعد صدور تلك المبادرة، وهو ما ساهم في فتح الباب واسعا لتهريب تلك الأموال لرجال الأعمال. 
المواقف السابقة هي مجرد أمثلة مما يسع المقام لذكره، لكيفية اتخاذ القرارات والمواقف من البنك المركزي، عندما تضاف إليها تغيير القرارات والمبادرات بعد أيام وفي بعض الأحيان سويعات من صدورها، والقضية الشهيرة التي صودر عدد جريدة الأهالي عندما فضحها، والخاصة بعمل أعضاء في مجلس إدارة البنك المركزي في شركة الوزيرة السابقة زوجة المحافظ، بالإضافة إلى التوسع في طبع النقود بناء على أوامر من السلطة التنفيذية، وغير ذلك من الأخطاء التي ترتقي إلى حد الخطايا، ربما يكون من الواجب التساؤل حول من يحاسب البنك المركزي المصري؟ ومتى سيتم ذلك؟