من محكمة في روما إلى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير

12 اغسطس 2020
الصورة

ورد في الموقع الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية بيان لاجتماع اللجنة التنفيذية للمنظمة، المنعقد في 6 أغسطس/ آب الجاري، وهو جدير بالقراءة والتعليق، فصدور مثل هذا البيان أصبح قليلاً جداً، بعدما أسلمت اللجنة التنفيذية، على ما يبدو، قيادها إلى السيد الرئيس الذي حاز على ثقتها في تسيير أمور القضية.

بداية، وبخلاف البيانات السابقة، اشتمل هذا البيان على عدة أخطاء نحوية، لا تليق ببيان يصدر عن سلطة عربية ذات لسان عربي فصيح، حيث ورد، مثلا، أن اللجنة استمعت من السيد الرئيس "إلى شرحاً مفصلاً وشاملاً عن آخر التطورات ..." (الفقرة الثانية)، ما يدل على أنه كتب على عجل أو صاغه شخص طارئ على صياغة البيانات. وبشأن صلب البيان نفسه، أكاد أجزم أنه، لولا التعازي فيه بالشهداء من أهلنا في بيروت على أثر الانفجار الرهيب في مينائها، لكان صالحاً لكل زمان ومكان، فلغته إنشائية مما كانت تُستخدم في بيانات العام 1975، أو 1982، أو 1998، أو أي عام قبلها وبعدها. لم نقرأ جديداً لا في المنهح ولا في اللغة التي ذكّرتني بخطب يوم الجمعة التي كان يتلوها شيخ القرية قبل صلاة الجمعة، من دون أن يخوض في أمور مهمة، بل يقتصر على الوعظ في نواقض الوضوء أو فوائد الصيام.

 اشتمل بيان صدر عن اجتماع لللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية على عدة أخطاء نحوية، لا تليق ببيان يصدر عن سلطة عربية ذات لسان عربي فصيح

يأتي البيان على نشاطات السيد الرئيس في الاتصالات التي عدّدها تفصيلاً، من دون ذكر ما إذا كان السيد الرئيس قد حصل على تعهدٍ من دولة أوروبية، مثلاً، بأنها سوف توقف تقديم معونتها المادية أو العينية لإسرائيل، انسجاماً مع ما طالبت به محكمة العدل الدولية في فتواها القانونية الصادرة في قضية جدار الفصل العازل في العام 2004. هل طالب السيد الرئيس دولا عربية بوقف "التطبيع" مع دولة الاحتلال، وبذلك يشدّ أزرنا في مقارعة الصهيونية؟ وهل أنجز شيئاً إيجابياً من هذا؟ هل طالب دولا إسلامية باتخاذ مواقف عملية لحماية الأقصى، مثل قطع علاقاتها مع إسرائيل ووقف التعامل التجاري معها، وعدم تفريغ حمولات السفن المتجهة إلى إسرائيل؟ وماذا كانت ردودهم، أو تعهداتهم؟ ومن الثابت أنه قام بالاتصال مع أمين عام جامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، فهل يعتقد السيد الرئيس أن الأمين العام أو الجامعة نفسها تتمتع بأي وزن يجنّده في معارضة ضم إسرائيل أراض فلسطينية جديدة إليها. ومن الطريف أن نعيد ما قاله الأمين العام، في أثناء تعليقه على كارثة ميناء بيروت، إن لدى الجامعة "دعماً معنوياً كبيراً" تقدّمه إلى لبنان، فهل هذا ما ينقصنا ونحتاجه؟!

جاء في البيان أن القيادة الفلسطينية تصرّ على إنهاء الاحتلال، وتجسيد استقلال الدولة على حدود الرابع من يونيو/ حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشريف ... إلخ. وهي مقولة مكررة إلى درجة الإرهاق. ولكن السيد الرئيس لم يقل ما هي الإجراءات والخطوات التي اتخذها لإنجاز ذلك. نحن على بيّنة كافية بأنه أمضى ثلاثة عقود تقريباً وهو يفاوض على الوصول إلى جزء من تلك المهام، ولكنه فشل في إنجاز أي منها، فهل ابتكر أداة أو أدوات أخرى غير المفاوضات، أو يستخدمها بالإضافه إلى المفاوضات؟ وللعلم، إسرائيل على استعداد للتفاوض معنا مائة عام، بينما هي تقضم الأرض على طريقة بن غوريون "دونماً دونماً"، وأصبحت في عجلة من أمرها، ذلك أنها تقضم الأرض قطعة قطعة، فقد ضمّت 20% من الضفة الغربية، حين وسعت حدود القدس بعد احتلالها في يونيو 1967، وسوف تضم 30% من الضفة بعد ضم الأغوار، والباقي تمّ ضمه بالمستوطنات وبالطرق الالتفافية وبالمناطق الخضراء، فماذا بقي من حدود الرابع من حزيران لإقامة الدولة الفلسطينية العتيدة؟

القيادة الفلسطينية تصرّ على إنهاء الاحتلال، وتجسيد استقلال الدولة على حدود الرابع من يونيو/ حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشريف ... . مقولة مكررة إلى درجة الإرهاق

ما قامت به منظمتان أهليتان في إيطاليا هو أثمن وأشدّ وقعاً من بيان اللجنة التنفيذية، ودلالة ذلك الأثر القانوني والتغطية الإعلامية لكل منهما، حيث ظل الإعلام محدوداً بشأن بيان اللجنة التنفيذية، بينما انتشر النشاط الآخر انتشاراً واسعاً. وتتلخص القضية (أشكر أستاذ القانون الدولي في فرنسا، خالد الشولي، على تزويدي بالحكم وملخصه بالعربية) في أن القناة التلفزيونية الإيطالية (RAI)، والتي تبث من روما برنامجاً مسلياً وجاذباً لجماهير واسعة، أجرت، في 21 مايو/ أيار الماضي، في واحد من برامجها ذات الشعبية الواسعة مسابقةً عن عواصم بعض الدول، وكانت إحداها إسرائيل. وكان جواب متسابق إن عاصمة إسرائيل هي تل أبيب، لكن المذيع الذي يدير البرنامج أعطاه خطأ، باعتباره أنها القدس، فأرسلت منظمة فلسطينية في ميلانو باسم التجمع الفلسطيني في إيطاليا، ومنظمة أخرى باسم منظمة التضامن مع الشعب الفلسطيني، في جنوى، رساله إلى القناة التلفزيونية، تشرح خطأ مقدّم البرنامج، وأن القدس، منذ التوصية بقرار التقسيم في الأمم المتحدة في العام 1947، لم تكن يوما عاصمة لإسرائيل، حتى أن الاعتراف الأميركي بها كذلك لم تقبله الجمعية العامة للأمم المتحدة، وصوتت إيطاليا في تلك الجلسة ضد القرار الأميركي. وانصاعت محطة التلفزيون لذلك التصويب، واعتذر مذيع البرنامج على الهواء مباشرة، إلّا أن المنظمتين رفضتا الاعتذار، لأن المذيع قال إن مسألة اعتبار القدس عاصمه لإسرائيل "خلافية"، لأن هذا القول أشبه بقول أحدهم إن السيارة المسروقة من صاحبها "مسألة خلافية" باعتبار أن الطرفين، السارق وصاحب السيارة، يدّعيان ملكيتهما لها. وطالبت المنظمتان بإصدار قرار قضائي في الأمر، باعتبار أن القرار القضائي دائماً "عنوان الحقيقة". وهكذا صدر القرار من محكمة روما التي قالت إن على محطة التلفزة أن تعلن، ليس فقط الاعتذار، وإنما أيضا أن القانون الدولي لا يعترف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل. وقضت المحكمة أيضا بدفع تلفزيون (RAI) نفقات التقاضي ومصاريفه. وهكذا يتضح أن ما قامت به منظمتان أهليتان كان له الأثر الأشد تأثيراً من اتصالات السيد الرئيس مع أمين عام جامعة الدول العربية وأمين عام المؤتمر الإسلامي والاتصالات الأخرى مع الدول الصديقة، حيث لم تسفر كل تلك الاتصالات عن أي شيء عملي وذي قيمة.

ما قامت به منظمتان أهليتان في إيطاليا أثمن وأشدّ وقعاً من بيان اللجنة التنفيذية

 

وهذا قرار سليم، من وجهة نظر القانون الدولي إن لكل دولة أن تشرّع ما تراه من قوانين، إلا أن تشريعها يجب أن يكون متفقاً مع القانون الدولي، حتى يتم احترامه والاعتراف به. وكان هذا فحوى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 478 تاريخ 20/8/1980، حين أصدرت أسرائيل قانونها في العام 1980 باعتبار القدس عاصمة لها. وتجدر الإشاره إلى أنه كان لمحكمة روما الفضل قبل هذا التاريخ بسنوات، حين أعلنت أن قانون الجنسية الإسرائيلية هو أيضاً مخالف للقانون الدولي، لأنه "يفرض" جنسيته على أي يهودي يأتي إلى إسرائيل، ولو سائحا، ومن دون أن يقدم طلباً بذلك، فالتحية للقضاء الإيطالي.