ملفات بن سلمان بالقاهرة: صفقة القرن والأزمة الخليجية والجزيرتان

03 مارس 2018
الصورة
يزور بن سلمان القاهرة فلندن ثم واشنطن(فايز نورالدين/فرانس برس)
+ الخط -

لا توجد معلومات مؤكدة عن ارتباط الزيارة الرسمية الأولى لولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بعد توليه منصب ولي العهد، إلى القاهرة غداً الأحد في زيارة تستمر 3 أيام، بالحكم المتوقع صدوره، اليوم السبت، عن المحكمة الدستورية المصرية بإلغاء أحكام قضائية سابقة بمصرية جزيرتي تيران وصنافير وبطلان التنازل عنهما إلى السعودية. إلّا أن المباحثات، المقرر إجراؤها بين بن سلمان والرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، صباح غد الأحد، ستحتفي بالتأكيد بإسدال الستار على هذه القضية، واكتساب الاتفاقية، الموقعة بين الطرفين في إبريل/ نيسان 2016، شرعية دستورية وواقعية للمرة الأولى.

وتصدر المحكمة الدستورية في القاهرة، اليوم، حكمها النهائي في الدعوى المقامة من الحكومة لفض التنازع بين أحكام القضاء الإداري ومحكمة الأمور المستعجلة في قضية تيران وصنافير، وهي الأحكام التي كان تناقضها سبباً في استصدار السيسي قراراً من رئيس المحكمة الدستورية لوقف تنفيذها جميعاً بصفة مؤقتة الصيف الماضي، وإعطاء الحكومة الفرصة لإصدار الاتفاقية رسمياً ونشرها في الجريدة الرسمية، وتطبيقها عملياً بتسليم الجزيرتين للسعودية، واقتسام المهام الأمنية والعسكرية في مضيق تيران مع السعودية.

ومن المرجح أن تصدر المحكمة حكماً بعدم قبول الدعوى، وبالتالي استمرار الوضع على ما هو عليه، أو أن تصدر حكماً بإلغاء جميع الأحكام المتناقضة، سواء من القضاء الإداري أو الأمور المستعجلة، على غرار القرار المؤقت الذي أصدره رئيس المحكمة الصيف الماضي، باعتبار أن المحكمتين خالفتا الدستور والقانون، الأولى بتصديها لاتفاقية دولية من أعمال السيادة دون أن يكون لها الحق في ذلك، والثانية بوقفها أحكام هيئة قضائية أخرى. وليس من الوارد إطلاقاً أن تحكم المحكمة الدستورية بتأييد حكم القضاء الإداري وبطلان الاتفاقية، وذلك بالنظر إلى التقرير البحثي، الذي أودعته هيئة المفوضين في القضية، منذ عدة أشهر، والذي أكد أنه لم يعد من الملائم "المجادلة" في صحة أو خطأ الأحكام التي صدرت بشأن الاتفاقية قبل أن يتم إقرارها بصورة نهائية ونشرها في الجريدة الرسمية، في صورة قرار جمهوري له قوة القانون ومخاطبة المجتمع الدولي بها. لأن هذه الإجراءات تؤكد أن هناك واقعاً قانونياً جديداً للاتفاقية، يتجاوز ما صدر من أحكام سابقة، وأن الطعن على الاتفاقية، بصورتها الحالية، له إجراءات أخرى، لم يتم اتباعها حتى الآن. وبعد ساعات من صدور الحكم، سيحل محمد بن سلمان ضيفاً على السيسي في مستهل نشاط خارجي مكثف له هذا الشهر، ليزور، للمرة الأولى، كولي لعهد المملكة، القاهرة ثم لندن ثم واشنطن. وسيبحث الطرفان عدة ملفات مهمة، سيكون أبرزها مستقبل العلاقات السياسية والأمنية بين مصر والسعودية وإسرائيل، والدور الذي ستلعبه القاهرة كوسيط رسمي بين الطرفين إلى حين تغير الأوضاع الإقليمية وإقدام السلطات السعودية على إجراء تعاملات رسمية معلنة مع إسرائيل، وهو المتعارف عليه كجزء من الحراك السياسي المسمى "صفقة القرن"، على حد تعبير السيسي والرئيس الأميركي دونالد ترامب.


وكانت مصر والسعودية قد حددتا، العام الماضي، إجراءات تقاسم المهام الأمنية في خليج العقبة، بموافقة ومراقبة إسرائيلية وأميركية ودولية، لكن لم يتم تفعيلها حتى الآن، بحسب مصدر حكومي مصري، أخذاً في الاعتبار أن هذه الإجراءات سيتم استخدامها لإدخال السعودية طرفاً في العلاقات الأمنية والسياسية القائمة بين مصر والأردن وإسرائيل، في ظل تحركات أوسع بإعادة حركة "حماس" تموضعها الإقليمي وبحث مصير السلطة الفلسطينية الحالية وتجديد دمائها. وارتباطاً بتبعات تسليم تيران وصنافير أيضاً، ستتناول المباحثات، بحسب مصدر دبلوماسي مصري، تشكيل لجان مشتركة لبدء تنفيذ المشاريع التنموية، التي تعهدت السعودية بتنفيذها بالتزامن مع تنازل السيسي عن الجزيرتين، وأبرزها مشروع جسر الملك سلمان الرابط بين السعودية ومنطقة نبق في سيناء، والذي ما زالت تجرى المفاضلة بشأنه بين مشروعين، الأول ارتكاز الجسر على جزيرة تيران، والثاني أن يتم مد الجسر على أكثر من مرحلة بين منطقة رأس الشيخ حميد بالمملكة ثم جزيرة صنافير ثم جزيرة تيران ثم نبق. ويعتبر الجسر، الذي سيبنى بتمويل سعودي، جزءاً من مشروع أوسع لإحياء الجزيرتين وتحويلهما إلى منتجعين سياحيين صالحين للاستثمار ضمن مشروع "نيوم" الاستثماري السياحي الذي أعلن عنه محمد بن سلمان العام الماضي. كما أنه ستتم دراسة الخطة المستقبلية للمنح السعودية الموعودة، ومنها مبلغ 300 مليون دولار كدفعة ثانية من الاتفاق المبرم بين الحكومتين في إبريل/ نيسان 2016 لتنمية سيناء ورفع كفاءة القرى والتجمعات الحضرية بها. علماً أن مصر تلقت العام الماضي 400 مليون دولار كدفعة أولى من هذه المنحة، ولم يتم استخدامها حتى الآن. هذا إلى جانب مشروع تطوير منطقة جبل الجلالة، المدعوم سعودياً، والذي تراجعت وتيرة العمل فيه، بصورة ملحوظة العام الماضي، لمصلحة الاهتمام المتصاعد بإنشاء العاصمة الإدارية الجديدة.

أما القضية الأكثر آنية والتي سيناقشها الطرفان، فهي الأزمة الخليجية ومستقبل العلاقات مع قطر، قبل أيام من مناقشات مطولة مرتقبة بين ترامب وبن سلمان حول الملف نفسه، بعدما وجه الأول الدعوة للرياض وأبوظبي والدوحة لبحث هذه القضية، باعتبارها تتعلق بـ"أمن واستقرار الخليج"، من دون تضمين القاهرة أو المنامة في اللقاءات المزمع عقدها في واشنطن. وبحسب المصدر الدبلوماسي، فإن هناك خلافاً مستمراً بين السعودية والإمارات في التعاطي مع الطروحات الأميركية التي بدأت تتسرب بعض تفاصيلها لعواصم الخليج العربي، وأن الإمارات سبق وتسببت بإعاقة بعض الأفكار التي طرحتها الكويت في أغسطس/ آب الماضي قبل تدخل واشنطن رسمياً، ومنها عقد اجتماعات مباشرة بين ممثلي دول الحصار وقطر، بالإضافة إلى وقف الهجوم الإعلامي الممنهج و"المفبرك" على الدوحة، وكذلك العودة إلى المبادئ الستة التي وُضعت آلية تنفيذها خليجياً في العام 2014. وأضاف المصدر أن المحادثات بين بن سلمان والسيسي، انطلاقاً من حرص الرياض على أن يكون الموقف "جماعياً قدر الإمكان"، بحسب تعبيره، ستناقش ما اتفق عليه الأخير مع القيادات في الإمارات، خصوصاً ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، الشهر الماضي، بشأن قطر، إذ ما زال الاثنان يمثلان الجناح الأكثر تشدداً تجاه قطر، وخصوصاً أن السيسي ما زال غاضباً بسبب تجاهل واشنطن له وعدم إجراء أي اتصال به بشأن الأزمة منذ يوليو/ تموز الماضي.

وأوضح المصدر أن الموقف المستقر في القاهرة حتى الآن هو أن عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه عشية إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدوحة، في 5 يونيو/ حزيران الماضي، لن تؤدي إلى تغيير كبير في العلاقات المصرية القطرية المتوترة أساساً منذ الانقلاب العسكري، والإطاحة بحكم الرئيس محمد مرسي، وقد تقتصر الإجراءات على عودة حركة الطيران وعودة التمثيل الدبلوماسي "المخفض" بين البلدين. وكانت "العربي الجديد" قد نشرت تقريراً، في سبتمبر/ أيلول الماضي، كشفت فيه مصادر مصرية عليمة أن السيسي يرغب بتحقيق مكاسب صريحة، بغض النظر عن الشروط المحتمل تخفيف حدتها من خلال الحوار بين قطر وجيرانها الخليجيين. وهذه المكاسب تتمثل، في المقام الأول، في الحصول على تعويضات مالية جراء ما تعتبره مصر "مشاركة قطر في دعم وتمويل الأنشطة الإرهابية التي قامت بها مجموعات تابعة لجماعة الإخوان المسلمين تحديداً على مدار السنوات الثلاث الماضية"، فضلاً عن طرد قيادات "الإخوان".

وكان النائب العام المصري، نبيل صادق، بدأ منتصف العام الماضي بإعداد ملف عن المتهمين الهاربين المتواجدين حالياً أو الذين تواجدوا سابقاً في قطر، بعد أحداث 30 يونيو/ حزيران 2013، من واقع حيثيات الأحكام وقرارات الإحالة الصادرة بحقهم، على أن يرفق بهذا الملف الإجراءات المتخذة في بعض الدعاوى والبلاغات التي قدمت إليه، أو أقيمت في محكمة الأمور المستعجلة، لاعتبار قطر دولة داعمة للإرهاب، بالتوازي مع تكثيف مخاطبة "الإنتربول" لتسجيل بعض المتهمين المقيمين في قطر على النشرة الحمراء الخاصة بترقب الوصول والاعتقال في مختلف دول العالم. وعمد النظام المصري إلى نسج رواية قانونية يمكن من خلالها اتهام حكومة قطر "بالضلوع في تمويل العمليات الإرهابية على أراضيها"، على الرغم من ضعف الأدلة الواردة في تلك القضية وغياب القرائن على وجود صلة بين الوقائع الفعلية التي حدثت وبين ما تزعم السلطات المصرية أنها عمليات تمويل واسعة النطاق تمتد بين قطر وتركيا ومصر لخلايا غير مركزية تابعة لجماعة الإخوان المسلمين.

المساهمون