ملاحظات سياسية حول ورشة البحرين

30 يونيو 2019
الصورة
طرحت الورشة 197 مشروعاً اقتصادياً بلا أفق سياسي (الأناضول)
+ الخط -
كتب الكثير عن السلام الاقتصادي، كما عن صفقة القرن والشق الاقتصادي فيها الذي ستعبر عنه صراحة ورشة البحرين المنعقدة تحت عنوان "السلام من أجل الرخاء"، لذلك سأركّز أكثر في هذه المادة على الإطار السياسي لورشة البحرين. كما تداعياتها على الوضع الراهن في فلسطين المحتلة تحديداً في ما يتعلق بالانقسام بين الضفة وغزة وفكرة ضم الضفة، أو المناطق سي منها والبالغة ستين في المائة إلى إسرائيل بشكل رسمي - غير شرعي طبعاً - كما جرى مع القدس والجولان المحتلتين.

تمثل ورشة البحرين الخطة (ب) وحتى الخطة (ج) الأميركية، فقد كان مقرراً أن يتم طرح صفقة القرن نهاية العام الماضي، وتم التأجيل الأول بعد القرار الإسرائيلي بالذهاب إلى انتخابات مبكرة في إبريل/نيسان الماضي، ثم قيل إنها ستطرح في يونيو/ حزيران الحالي أي بعد شهر رمضان، وتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، والآن تم تأجيلها مرة أخرى ويتم الحديث عن طرحها بعد الانتخابات الإسرائيلية المبكرة الجديدة في سبتمبر/أيلول، وتشكيل الحكومة المتوقع بعدها بشهرين أي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وقد يتم تأجيلها إلى ما بعد الاستحقاق الرئاسي الأميركي في 2020، ومع دخول واشنطن أجواء الانتخابات - نهاية العام الجاري - ربما يتم التأجيل إلى أجل غير مسمى، ما يعني أن الصفقة نفسها باتت في مهب الريح وقد لا تبصر النور أبداً، أي أن ورشة البحرين كانت محاولة لملء الفراغ وحفظ ماء وجه الإدارة الأميركية والسعي لإطلاق الصفقة بشكل مستتر غير رسمي، أو الزعم أنها موجودة وجاهزة وستكون الورشة بمثابة إطلاق ولو اقتصاديا وغير رسمي لها.

لا بد من الإشارة والتأكيد هنا على موقف السلطة الفلسطينية والشارع الفلسطيني بشكل عام الرافض تماماً للصفقة. ما أدّى إلى خلق أجواء سياسية سلبية ضدها، ومنع آخرين مؤيدين من التعبير عن موقفهم، وبالتالى عرقلتها، وخلق علامات استفهام وتشكيك حولها، حتى أن وزير الخارجية الأميركية نفسه –مايك بومبيو - ذهب الى التقليل من فرص نجاحها وإمكانية تقبلها من الأطراف الفاعلة المعنية .

سياسياً أيضاً مارست واشنطن ضغطا كبيرا على الدول العربية للمشاركة في الورشة ولو على مستوى منخفض، وبعض الدول مثل مصر والأردن والمغرب قررت الحضور، بعد فترة من التردد والضبابية والغموض والخشية من ردود الفعل الشعبية الواسعة، التي ساهم في تشكيلها والتأثير عليها الموقف الفلسطيني القاطع ضدها.

تم التفكير في ورشة البحرين لتكون فى إطار سياسي بحت تحت سقف صفقة القرن حيث تجرى مناقشة التفاصيل، أو الشق الاقتصادي منها على أرضية سياسية واضحة، إلا أن الرفض الفلسطيني القاطع الموحّد لها، ثم الهجوم الإعلامي الواسع ضدها عبر السوشيال ميديا – من الجمهور الفلسطيني والعربي دفع إلى نزع الإطار السياسي عنها أو تخفيفه إلى حد كبير، لدرجة أن أحد عرابيها الثلاثة غيسون غرينبلات –المبعوث الأميركي إلى المنطقة- قال إنه لم تتم دعوة الحكومة الإسرائيلية إليها لأن السلطة الفلسطينية قاطعت ومع غياب طرفي الصراع تم إلغاء التمثيل السياسي والمشاركة ستكون مقتصرة فقط على مسؤولين اقتصاديين تكنوقراط ورجال أعمال.

في ما يتعلق بمضمون النقاش في البحرين تعبر العناوين مبدئياً عن فكرة السلام الاقتصادي تحت الشعار السياسي الخادع السلام من أجل الرخاء ، بينما هو فى الحقيقة الرخاء مقابل السلام، كما تقول السلطة الفلسطينية فعلاً. وأما العناوين والمحاورالتفصيلية الأخرى فهي خطرة وتتحدث عن نقاش تقارب عربي إسرائيلي يكرس التطبيع، مع تجاهل أي نقاش أو طرح سياسي يتعلق بأسس الصراع وقضاياه الصعبة، وعلى سبيل المثال لا الحصر فالمشاريع الـ 197 المقترحة على الفلسطينيين لا تشمل القدس أبداً -ما يعني تعبيراً عملياً عن الاعتراف بها كعاصمة موحّدة أبدية لإسرائيل- وإنما الضفة -من دون مناطق سي- وغزة ما يعني من جهة اخرى شرعنة الاحتلال الإسرائيلي لتلك المناطق وفتح الباب ولو نظرياً أمام ضمها فعلياً في المستقبل .

لافت جدا فى المشاريع المقترحة البالغة قيمتها 50 مليار دولار -نصفها تقريباً للفلسطينيين- توفير ميزانيات ضخمة للدول العربية الثلاث الأردن مصر ولبنان، مع رقم اكبر للأردن يقارب 10 مليارات والباقي مناصفة تقريباً بين مصر ولبنان، بالنسة للأولى المقابل واضح يتمثل بالموافقة على إقامة مشاريع فى سيناء لخدمة غزة وأهلها، ولبنان من أجل توطين اللاجئين وحل مشاكلهم وتحسين أوضاعهم، أما الأردن المتضرر الأكبر من الصفقة ومحاولة شطب قضيتي القدس واللاجئين عن جدول الأعمال فيفترض أن يتولى أيضاً توطين لاجئين لديه، مع امتصاص الآثار الجانبية السيئة والكارثية للصفقة ليس على الفلسطينيين بل على الأردنيين كذلك.

غير أن أخطر ما في ورشة البحرين وصفقة القرن غير المعلنة حتى الآن ليس فقط تغليب البعد الاقتصادي، وإنما إدامة الوضع الراهن السياسي بمعنى أن الصفقة - قد لا تبصر النور أبداً – وتكتفي بإقامة مشاريع لتحسين الوضع الاقتصادي، وفق الواقع الحالي في الضفة وغزة الخاضعتين للاحتلال وإن بدرجات متفاوتة حتى لو تم وصلهما بطريقة ما وفق ما هو متداول.

في هذا الصدد نشر معهد أبحاث الأمن القومي الاسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب الأحد الماضى، دراسة لافتة جداً أشار فيها الى أن التجارب التاريخية، تؤكد أن لا فرصة أبداً لنجاح الشق الاقتصادي دون السياسي، في أي خطة أو عملية لحل الصراع خاصة مع العناد والرفض الفلسطيني القاطع فى مواجهتها، أما صحيفة هآرتس فشككت –الأحد أيضاً- في كيفية توفير التمويل اللازم للمشاريع المطروحة والتي تمت مناقشتها في البحرين، وقالت إنه لا أحد مستعد لضخ مساعدات فى غياب الأفق والإطار السياسي، وإنه بغياب القيادة الفلسطينية ومعارضتها، لا جدوى أو فائدة من أي نقاش حول الجوانب الاقتصادية.

في كل الاحوال واذا ما افترضنا أن ورشة البحرين تندرج ضن توجه أميركي جدي لتمرير صفقة القرن، فهي لا تملك أي فرصة للنجاح لا سياسياً ولا اقتصادياً، وإذا ما كانت مجرد حجة أو ذريعة لتحميل الفلسطينيين المسؤولية عن الفشل والتخلي نهائياً عن طرح الصفقة، وبالتالي تغطية وتبرير أي سياسات إسرائيلية أحادية بما فيها ضم نصف الضفة، فهذه مغامرة خطرة ستفجر ليس فقط العملية المستمرة منذ أوسلو بما فيها بقاء السلطة نفسها، إنما المنطقة كلها وهذا يتعارض جوهرياً مع السياسة المقدسة لنتنياهو واليمين الإسرائيلي بالحفاظ على الوضع الراهن، المريح جداً للاحتلال الى أقصى مدى زمني ممكن، وحتى إلى الأبد تطبيقاً للنظرية المتطرفة القائلة إن الصراع غير قابل للحل، إنما للادارة بأقل ثمن ممكن سياسياً أمنيا وإقتصادياً.

المساهمون