مقاتلو "داعش" الغربيون وأسرهم... تخبّط رسمي وجدل حقوقي

مقاتلو "داعش" الغربيون وأسرهم... تخبّط رسمي وجدل حقوقي

18 فبراير 2018
الصورة
يشكل مقاتلو "داعش" الأجانب معضلة لدولهم (تويتر)
+ الخط -

أعاد الجدل الذي شهدته الاجتماعات الرسمية بين وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي "ناتو"، في بروكسل، الأسبوع الماضي، حول مواطني الدول الأوروبية الذين انخرطوا في القتال إلى جانب تنظيم "داعش" الإرهابي، تسليط الضوء على هذه الظاهرة، إذ يبدو أن بعض الدول "غير مبالية" بمصير هؤلاء المقاتلين.

مقترح وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، لحل معضلة الأسرى في سجون مليشيات قوات سورية الديمقراطية (قسد) والتحالف الدولي داخل سورية، تمثّل في أن "تستعيدهم دولهم".

ويتجاوز الأمر مقاتلي "داعش" إلى أسرهم "في معسكرات لجوء في شمالي سورية"، على ما يؤكد التلفزيون السويدي حول "نساء وأطفال من السويد يعيشون في معسكرات لاجئين مغلقة".

نقاش وجود أوروبيين مقاتلين في سورية ليس جديدا، لكن يبدو أن إثارة الموضوع على هذا المستوى الرفيع يعيد الجدل الحقوقي حول ما يجب فعله. فمن ناحيتها، تكرر لندن أنها غير مهتمة بمصير مواطنيها المعتقلين، وآخر التصريحات البريطانية في هذا المجال تتعلق باعتقال مواطنين اثنين قبل نحو 10 أيام، من ضمن مجموعة توصف بـ"مجموعة البيتلز"، وهم أشخاص انتشروا في العراق وسورية وظهروا في أفلام دعائية بلكنة إنكليزية أثناء قطع رؤوس رهائن "داعش"، فلندن واضحة في أنها لا تريد عودتهم. وسبق أن أثارت تصريحات بريطانية عن ضرورة التخلص من هؤلاء المحاربين جدلاً حقوقياً.

من جانبها، تعلن منظمة "هيومان رايتس ووتش"، في تعليق على المطالب بمحاكمة محلية للمعتقلين من صفوف داعش (في مناطق أسرهم)، بأن "محاكم الشمال السوري حاليا ليست قادرة على تأمين الإجراءات الأساسية". المنظمة الحقوقية رأت، يوم 13 فبراير، على لسان نديم حوري في بيروت، أن "القبض على اثنين من المتهمين (من داعش) يجب أن يطلق نقاشا دوليا حول محاكمات عادلة لجرائم فظيعة ارتكبت من قبل تنظيم داعش". ولم تخف المنظمة رغبتها في نقل المعتقلين إلى دول تضمن "محاكمات عادلة".

وكان الآلاف، حسب التقديرات الغربية، غادورا دولهم، على مدى سنوات (منذ 2013)، للقتال في كل من العراق وسورية، وتطلق وسائل الإعلام الأوروبية عليهم "المقاتلون الأجانب"، وبعضهم عاش مع الأزواج والأطفال.

القضية الأخيرة، فيما يتعلق بالأسر المدنية، تشغل بال مجتمعات أوروبية، كالمجتمع السويدي الذي فوجئ مؤخرا بكشف نديم حوري، في حديثه مع التلفزيون السويدي، عن وجود "نساء وأطفال سويديين في معسكرت اللجوء المغلقة".

ووفقا لحوري، المدير الإقليمي لهيومان رايتس ووتش، فيما يتعلق بقضايا الإرهاب ومكافحته، فإن "ما يربو على 800 أسرة من أسر مقاتلي داعش الغربيين، يعيشون في 4 معسكرات مختلفة، على نفس القدر الذي يعيشه اللاجئون والنازحون، باستثناء أنه لا يحق لهم الخروج خارج أسوار المعسكرات".

وفي استوكهولم "لا يبدو اهتمام الاستخبارات والخارجية كبيرا فيما يتعلق بهؤلاء"، بحسب تلفزيون السويد "اس في تي نيوز"، إذ يكتفي جهاز الاستخبارات بالقول "لا معلومات لدينا حول هؤلاء".

رهائن تفاوض سياسي

ولا يقتصر وجود أسر مقاتلي "داعش" على السويديين فقط، إذ تذكر "هيومان رايتس ووتش" أن "40 جنسية ينحدر منها أطفال ونساء المقاتلين، من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وحتى السويد". ويضيف نديم حوري بأن "التحقيق مع النساء يتم على يد قيادة القوات الكردية، وأحيانا على يد محققين أميركيين".


كثيرون هم الأطفال الذين وُلدوا في سورية لآباء من دول غربية، وتلك مشكلة أخرى تعيشها نساء مقاتلي التنظيم. وتعتبر المليشيا الكردية في شمال سورية أن "الطريقة المثلى للتعامل مع هؤلاء أن تستعيدهم دولهم"، وفقا لما صرحت به القيادية الكردية، نسرين عبد الله، في زيارة لاستوكهولم، عقب بدء عملية "غصن الزيتون" التركية في عفرين. ورأت عبد الله أنه "لا يمكن إطلاق سراحهم ليذهبوا أحرارا، فذلك تهديد عالمي يستهدفنا جميعا".

وعلى عكس رأي المنظمات الحقوقية المحلية في بعض الدول الغربية، خصوصا بالنسبة لأسر المقاتلين وأطفالهم، والمطالبة بضمانات لحياتهم ولإعادة تأهيلهم في مجتمعاتهم الغربية، تبدو اللامبالاة الأمنية والحكومية بشأن هؤلاء، مشجعة لنسرين عبد الله للتصريح في استوكهولم
بأنه "يجب التفاوض معنا على مصيرهم"، سواء فيما يتعلق بالمقاتلين المعتقلين أو الأسر المحتجزة في معسكرات لجوء مغلقة. وترى عبد الله بوضوح "أسرى الحرب لهم حقوق معينة، لكننا نرى أن ذلك لا ينطبق على مقاتلي داعش".

أستاذ القانون العام بجامعة استوكهولم، مارك كلامبرغ، غير معجب بتفسيرات نسرين عبد الله "فكل المواطنين السويديين لهم الحق في العودة، وإن كانت السويد قانونيا غير ملزمة بجلبهم رسميا، ويبدو أن هذه القضية تحولت إلى سياسية".

ويجادل كلامبيرغ حول "تحوّل القضية إلى مسألة سياسية، يجب ضمان محاكمات شفافة وعادلة بعيدا عن عقلية الانتقام" كتعقيب على قول الأكراد إنهم "مستعدون للإفصاح عن الأعداد بعد أن تدخل استوكهولم في مفاوضات رسمية معنا". وهو أمر ينظر إليه حقوقيون محليون على أنه "استغلال لمسألة حقوقية أساسية لكسب ما يشبه اعترافا بطلب التفاوض للإفصاح عن أوضاع أسر وأطفال يجدون أنفسهم رهائن واقع لم يختاروه".

ويرى كلامبرغ أنه "هناك حد أدنى من المتطلبات الأساسية التي يجب توفيرها بعيدا عن التعذيب، وبموجب اتفاقية جنيف". ومن هذه الحقوق الأساسية التي يشير إليها أستاذ القانون "حق التواصل مع الأهل ومع الصليب الأحمر". ويوضح أنه "لمصلحة السويد السياسية أن يعود هؤلاء إلى محاكم عادلة". لكن المشكلة التي تواجه السويد، وغيرها من الدول في الشمال، أن قوانينها لا تسمح بتجريم العائدين من "داعش" على ما اقترفوه، ما يعني أن "السويديين الذين يعودون يمكن أن يصبحوا أحرارا، وهو أمر يشكل معضلة سياسية للحكومة السويدية"، بحسب كلامبرغ. ويفهم هذا الرجل إصرار الأكراد على رفض اعتبار المعتقلين "أسرى حرب"، لأنه في هذه الحالة "ما أن تنتهي الحرب فعليك إطلاقهم بدون محاكمة لمشاركتهم في الحرب، لذا هم يعتبرونهم إرهابيين، وأنت في حرب أهلية في سورية يصعب أن ترى سياسة اعتقال واضحة".

وتجدر الإشارة إلى أن وزارة الخارجية السويدية ترفض الدخول في مفاوضات مع حزب "واي بي جي YPG" الكردي، باعتباره فرعا لحزب "بي كي كي" (حزب العمال) الكردي، باعتباره حزبا إرهابيا.

ومن بين نحو 300 مقاتل يحملون الجنسية السويدية عاد 140 شخصا، فيما قتل نحو 50 منهم، ويقضي آخرون أحكاما بالسجن بتهم الإرهاب، في اليونان والدنمارك وفرنسا والمغرب وأميركا، وينتظر آخرون محاكمتهم  في بروكسل وباريس.​