مفكرة المترجم: مع أحمد الصُمعي

مفكرة المترجم: مع أحمد الصُمعي

28 ديسمبر 2019
الصورة
أحمد الصُمعي (العربي الجديد)
+ الخط -

تقف هذه الزاوية مع مترجمين عرب في مشاغلهم الترجمية وأحوال الترجمة إلى اللغة العربية اليوم. "ينبغي إنهاء الفوضى التي تشهدها الترجمة في العالم العربي: ترجمة دون حقوق، ترجمة عن ترجمة، غياب ثقافة شاملة وجديّة في نقل النص" يقول المترجم التونسي.


■ كيف بدأت حكايتك مع الترجمة؟

- كان ذلك في أواسط الثمانينات حين عرض عليّ "المركز الثقافي الإيطالي" ترجمة كتاب إلى العربيّة فاقترحت عليه مجموعة من الحكايات الشعبيّة الإيطاليّة كان قد نقلها إيطالو كالفينو من مختلف اللهجات الجهويّة في إيطاليا. بعد هذه التجربة الأولى ترجمتُ لدار التركي للنشر رواية "اسم الوردة" لـ أمبرتو إيكو التي فتحت الباب لترجمات أخرى لإيكو هي: "جزيرة اليوم السابق"، و"مقبرة براغ" و"العدد صفر"، وغيره من الكتّاب الإيطاليين.


■ ما هي آخر الترجمات التي نشرتها، وماذا تترجم الآن؟

- آخر ما ترجمتُ في الأدب كان الرواية الأخيرة التي نشرها أمبرتو إيكو في حياته؛ "العدد صفر"، وكتاب في تاريخ المسلمين بإيطاليا الجنوبية بعنوان "مستوطنة لوشيرة الإسلامية" للمؤرّخ الإيطالي بيترو إيجيدي، وصدرت الترجمة العربية لدى "دار مدار الإسلامي" في آذار/ مارس 2019. حاليا أعدّ صدور ترجمة "من الشجرة إلى المتاهة" لـ إيكو، وأنهي ترجمة الجزء الثالث من "حوليات الإسلام" (ليوني كايتاني).


■ ما هي، برأيك، أبرز العقبات في وجه المترجم العربي؟

- بالنسبة للغة الإيطالية الإشكال الكبير هو قلّة أو انعدام المعاجم الجيّدة إيطالية/عربيّة، والتوزيع في السوق العربية، وإشكاليّة المصطلح العلمي الذي يحتاج إلى توافق بين مختلف المدارس، إضافة إلى عمليّات القرصنة والانتحال وغياب قواعد وأخلاقيّات تنظّم القطاع.


■ هناك قول بأن المترجم العربي لا يعترف بدور المحرِّر، هل ثمة من يحرّر ترجماتك بعد الانتهاء منها؟

- هناك دائماً من يُراجع اللغة العربيّة وهو شرط يضعه الناشر ولا أرى مانعاً في ذلك ولكنّ التصويبات تصل إلي على حدة وأقحمها في النصّ إن رأيتُ أنّها لا تمسّ بصحّة الترجمة وباختيارات المؤلف الأسلوبيّة. لا يُحرّر أحد ترجماتي ولكنّني أقبل نصائح من يقرأ لي وأصوّب إذا رأيتُ في التصويب إضافة لجودة النصّ.


■ كيف هي علاقتك مع الناشر، ولا سيما في مسألة اختيار العناوين المترجمة؟

- علاقتي مع الناشر مبنية غالباً على الحوار، حتّى عند اختيار العناوين إن دُعيت إلى اقتراح عنوان. في أغلب الأحيان يتّصل بي الناشر عندما يكون لديه كتاب يريد ترجمته ومن جهتي أقبل أو لا أقبل حسب الشروط المضمّنة في العقد وحسب شغفي بالنصّ لأنّه لا شيء أصعب من التعايش زمناً مع كتاب لا تجد في قراءته متعة.


■ هل هناك اعتبارات سياسية لاختيارك للأعمال التي تترجمها، وإلى أي درجة تتوقف عند الطرح السياسي للمادة المترجمة أو لمواقف الكاتب السياسية؟

- أغلبُ ترجماتي ذات طابع أدبي (رواية أو قصّة أو شعر) أو تاريخي، فلسفي، أنثربولوجي، لم أواجه فيها إشكاليّات ذات طابع سياسي. السياسة موجودة دائماً، خاصّة في سرد التاريخ، ولكنّني أعتبر أنّه على المترجم أن يقوم بعمله لكي يتمكّن أهل الاختصاص من الردّ.


■ كيف هي علاقتك مع الكاتب الذي تترجم له؟

- في فرصتيْن فقط كانت لي علاقة مباشرة مع المؤلّف: جيوزيبي بونافيري، الذي ترجمتُ له بطلب خاصّ منه روايته "خياط الشارع الطويل"، ونيكولو أمّانيتي الذي ترجمتُ له "إنّي لا أخاف". مع الأوّل تكوّنت بيننا صداقة متينة. لم يتدخّلا بتاتاً في عمليّة الترجمة لعدم معرفتهما باللغة العربيّة. لم تُتح لي الفرصة لأقابل شخصيّاً إيكو ولم أناقش معه مسائل الترجمة. عملتُ بقوله في مسألة التأويل إنّه من الأفضل للمؤلّف أن يموت بعد تأليف كتابه حتّى لا يعرقل مسار التأويل.


■ كثيراً ما يكون المترجم العربي كاتباً، صاحب إنتاج أو صاحب أسلوب في ترجمته، كيف هي العلاقة بين الكاتب والمترجم في داخلك؟

- أنا لستُ كاتباً. لا تنقصني الرغبة بل الجرأة. طالما رغبتُ في الكتابة نثراً، وجاءت الترجمة الأدبيّة لتشبع هذه الرغبة لأنّ ترجمة رواية أو قصّة تعني في الغالب خلقها من جديد.


■ كيف تنظر إلى جوائز الترجمة العربية على قلّتها؟

- بعض اللغات مثل الإيطالية لم تنل حظها. أغلب الجوائز هي للترجمات من الفرنسيّة والإنكليزية، كما أنّ المرشّح للجائزة يجب أن يتمّ اقتراحه في الغالب من طرف مؤسّسة أو دار نشر. والجوائز لا تهتمّ بترجمة الروايات حتّى وإن كانت ناجحة، بل بالكتاب العلمي. وحتّى هنا تتدخّل السياسة كثيراً، فإن غضب أحد على بلد ما يُقصى مترجموه.


■ الترجمة عربياً في الغالب مشاريع مترجمين أفراد، كيف تنظر إلى مشاريع الترجمة المؤسساتية وما الذي ينقصها برأيك؟

- المشروع الفردي قد يبقى في الدرج، ولا يجد ناشراً مهتمّاً. ضمان نشر الكتاب مرتبط إمّا بدار نشر أو بمؤسّسة. مشكلة الترجمة المؤسّساتية هي اختيار العناوين بحسب الأشخاص وليس بحسب الفائدة من ترجمة ذلك الكتاب، الذي غالباً ما يبقى في المخازن. المؤسّسات لا تملك استراتيجية تسويق لأنّها في الغالب تنتمي إلى جهاز حكومي لا يهتمّ بالتجارة مثلما تفعل دور النشر.


■ ما هي المبادئ أو القواعد التي تسير وفقها كمترجم، وهل لك عادات معينة في الترجمة؟

- القاعدة التي أعتمد عليها هي الترجمة دائماً انطلاقاً من النصّ الأصلي، واحترام قواعد اللغتيْن، بحيث أن النصّ العربي يجب أن يظهر كما لو كُتب أصلاً بالعربيّة، وإيلاء الأهميّة للمعنى وليس للكلمة في حدّ ذاتها. عادتي في الترجمة أن أقرأ النصّ الأصلي من أوّله إلى آخره وأن أفهمه فهماً كاملاً مستعيناً بقراءات تصبّ في نفس الاختصاص: تاريخ، فلسفة، أنثربولوجيا... أقرأها في اللغة التي سأترجم إليها أي العربية. بالنسبة إلى الأدب أعتني كثيراً بالأسلوب وبالصور البلاغية.


■ كتاب أو نص ندمت على ترجمته ولماذا؟

- لم أندم أبداً على ترجمة كتاب. أسفتُ لمصير بعض الترجمات التي لم تُسعف بتوزيع أو بتسويق جيّد، وبقيت مغمورة. أنا آسف على أنّ بعض ما ترجمته لم يقرأه إلا القليل.

■ ما الذي تتمناه للترجمة إلى اللغة العربية وما هو حلمك كمترجم؟

- ما أتمّناه للترجمة العربيّة هو أن تُحترم فيها قواعد الترجمة وأخلاقيّاتها. يجب إنهاء الفوضى التي يشهدها مجال الترجمة: ترجمة دون حقوق، ترجمة عن ترجمة عن ترجمة، غياب ثقافة شاملة وجديّة في نقل النص. العالم العربي بأجمعه يترجم في السنة أقلّ ما يترجمه بلد واحد أوروبي في شهر. ليست لدينا مدارس ترجمة جديرة بهذا الاسم، وحتى في برامجنا المدرسيّة والجامعيّة تكاد تكون غير موجودة أو غير مُعتبرة. حلمي كمترجم أن أواصل ترجمة الأدب الإيطالي لأنّ العالم العربي لا يعرفه إلا قليلا، وأن أشرك آخرين في تجربتي.


بطاقة

مترجم تونسي وأستاذ الأدب الإيطالي في "جامعة" منوبة في تونس العاصمة. نقل مجموعة من أعمال السيميولوجي والروائي الإيطالي أومبرتو إيكو (1932 - 2015) مثل "اسم الوردة" (1991)، و"جزيرة اليوم السابق" (2000)، و"مقبرة براغ" (2014)، و"العدد صفر" (2017)، وخارج الرواية ترجم له "السيميائية وفلسفة اللغة" (2005)، و"أن نقول الشيء نفسه تقريباً" (2012). ومن ترجماته الأخرى: "أنا لا أخاف" لـ نيكولا أمانيتي.

المساهمون