معلّمو سيناء... الحواجز العسكرية تعيق العملية التعليمية

14 ديسمبر 2019
الصورة
هنا يدرس بعض التلاميذ (خالد دسوقي/ فرانس برس)
+ الخط -

ما يتعرّض له المعلمون في محافظة سيناء يكادُ يعيق العملية التعليمية. هؤلاء يقضون ساعات عند الحواجز العسكرية، ما يحرم التلاميذ من ساعات تعليمية يومياً، فيما تُسجَّل مساعٍ للحد من هذه المشكلة.

تستمرّ معاناة عشرات المعلمين المصريين العاملين في مدارس مدن محافظة شمال سيناء (شرق البلاد)، نتيجة الإجراءات الأمنية المشددة التي تفرضها قوات الأمن المصرية عند كافة الحواجز العسكرية المنتشرة في أنحاء المحافظة، ما يعيق العملية التعليمية بشكل حقيقي، بل يؤدي إلى تعطيلها بحسب المعلمين، من دون أدنى اهتمام من الجهات الحكومية والأمنية. أمر يُفاقم مشاكل المعلمين والتلاميذ، ويحول دون استكمال العام الدراسي بالشكل المطلوب، لتضاف هذه الأزمة إلى الأزمات العديدة التي تؤثر على قطاع التعليم في سيناء منذ الانقلاب العسكري صيف عام 2013.

ويقول أحد المعلمين الذي يقطن في مدينة العريش، ويعمل في مدرسة في مدينة الشيخ زويد، إن المعلمين الذين يتوجهون إلى مدينتي رفح والشيخ زويد وأطراف مدينة العريش يعانون بسبب عدم القدرة على التحرك من وإلى المدارس يومياً، على الرغم من أن الحافلات التي تنقلهم باتت معروفة لدى قوات الأمن المصرية المنتشرة عند الحواجز. إلا أن العسكريين يضيقون على المعلمين، علماً أنه لم تسجل أي حادثة على مدار السنوات الماضية تستدعي اهتماماً أمنياً بتحركات المدرسين، على الرغم من الظروف الأمنية السيئة التي قد تعرضهم للأذى خلال تنقلاتهم.

يضيف المعلّم الذي فضّل عدم الكشف عن هويته أنّ المعلمين يعمدون إلى الانطلاق باكراً من مناطق سكنهم باتجاه المدارس، إلا أنهم يصطدمون بالحواجز العسكرية وإجراءاتها المملة، منها حواجز الريسة وجرادة والجورة والخروبة وغيرها من الحواجز المنتشرة على طول الطريق، وتعمد إلى التفتيش الدقيق في كل مرة على الرغم من قرب الحواجز من بعضها البعض، وبالتالي إمكانية التواصل في ما بينها، وتسهيل مرور الحافلات. من جهة أخرى، تعمد القوى الأمنية عند مداخل القرى التي تتواجد فيها المدارس إلى إذلال المعلمين والتدقيق في هوياتهم، وإبقائهم في حالة انتظار ساعات طويلة، لينتهي الدوام المدرسي من دون أن يتمكن المعلمون من الوصول إلى مدارسهم في بعض الأحيان. ويبدو أن الحواجز تعتمد إجراءات أمنية متشددة، وقد يستمر التفتيش أكثر من ثلاث ساعات، في حين أن الوصول إلى المدارس لا يجب أن يستغرق أكثر من ساعة.




وكتبت المعلمة مريم حسن التي تعمل في مدرسة إعدادية في قرية الجورة جنوب مدينة الشيخ زويد، على صفحتها على "فيسبوك" تفاصيل رحلة التنقل من بيتها إلى المدرسة، قائلة: "يبدأ يومي الدراسي والاستعداد له من بعد صلاة الفجر. كنا على الطريق في انتظار الحافلة في تمام الساعة السادسة والنصف صباحاً، وجاءت بعد فترة انتظار قرابة الربع ساعة، وبدأ القلق يساورنا من ألا نستطيع العبور إلى الشيخ زويد مبكراً، على الرغم من خروجنا المبكر، وقبل شروق الشمس. وصلنا إلى الحدود، عفواً المعبر، أقصد حاجز الريسة في تمام الساعة السابعة. وبعد تفتيش سريع، انطلقنا صوب مدينة الشيخ زويد، وكنا ندعو الله ألا يعطلنا شيء كالعادة. لكن هيهات لدولة حريصة على العلم والمعلمين والمتعلمين ألا يكون لها بصمة تجعلنا نكره اليوم الذي قررنا فيه ان نكون معلمين، فقد توقفنا في قرية الخروبة ساعتين وأكثر لا لشيء إلا لعقابنا لأننا نصر على هذا المشوار المرهق نفسياً".

تضيف حسن: "بعدما رضي عنا سيادته، انطلقنا على أمل ألا يعوقنا معوق آخر. الحمد لله، وصلنا إلى الإدارة قرابة العاشرة صباحاً، وكنت قلقة من ألا نستقل الميكروباص الذي خصص لنا لدخول قرية الجورة، فوجدته في إنتظارنا، ووجدت مديري المرحلتين في إنتظارنا وعيونهما لا تحيد عن طريق الحافلات القادمة من العريش لينطلق الجميع. وبعد طول انتظار، حضر من حضر وتأخر البقية فانطلقنا لنحاول اللحاق ولو بساعة قبل خروج التلاميذ من المدرسة. وقفنا نحو نصف ساعة في انتظار الإذن بالدخول للجورة. وبعد مداولات وتحقق من هوياتنا، انطلقنا مع بعض التوقفات البسيطة هنا وهناك، ووصلنا عند آذان الظهر. انطلقت مسرعة إلى داخل الفصل، على الرغم من شعوري بدوار شديد بسبب السفر الطويل. ويتجمع تلاميذ المرحلة الإعدادية الثلاث في فصل واحد. كنت أسابق الزمن حتى أعطي كل مرحلة جزءاً يسيراً مما سمح به الوقت. على الرغم من تعبي، إلا أن شغفهم وفرحهم بنا أنساني تعبي وما عانيته للوصول إليهم. وفي تمام الواحدة وعشر دقائق تقريباً، غادرنا وعدنا إلى الطريق والتوقيفات. وفي النهاية، وصلت إلى بيتي عند أذان العصر، وأكاد لا أرى أمامي من التعب. قضيت ثماني ساعات خلال رحلتي إلى العمل، ولم أتواجد مع تلاميذي إلا ساعة. من المسؤول عن هذا الهدر لطاقاتنا ورغبتنا في تعليم أبناء الوطن؟".

خارج المدرسة (خالد دسوقي/ فرانس برس) 

ويشار إلى أن عشرات التلاميذ في سيناء لقوا حتفهم على يد الجيش المصري، وبعضهم على يد تنظيم ولاية سيناء الموالي لتنظيم داعش الإرهابي، في حين أن جزءا من هؤلاء التلاميذ تعرضوا للقتل أو الإصابة خلال رحلة ذهابهم وعودتهم من المدارس، على يد قوات الأمن المنتشرة في الكمائن المحيطة بكافة قرى وأحياء مدن رفح والشيخ زويد والعريش، دون إجراء أي تحقيق في مقتلهم أو إصابتهم، ما دفع العسكريين لارتكاب المزيد من الانتهاكات بحقهم، وجعل رحلة التعليم محفوفة بالمخاطر على صعيد المعلمين والتلاميذ.

تعقيباً على ذلك، يقول أحد المسؤولين في وزارة التربية والتعليم في شمال سيناء لـ "العربي الجديد": "الوزارة خاطبت الجهات الأمنية بمعرفة محافظة شمال سيناء، بهدف التخفيف من معاناة المعلمين التي يتعرضون لها بشكل يومي، نتيجة الإجراءات الأمنية المتخذة عند الحواجز العسكرية المنتشرة على الطريق. وأدّت هذه المناشدات إلى التخفيف نسبياً من المعاناة على الطريق. لكن في بعض الأوقات، تشهد الحواجز نشاطاً أمنياً كبيراً، نتيجة الظروف الأمنية التي لا تخفى على أحد. وعلى الرغم من ذلك، تسعى إلى إنهاء معاناة المعلمين في سيناء بشكل تام خلال المرحلة المقبلة"، مضيفاً أن معلمي سيناء يؤكدون رغبتهم في أداء رسالتهم السامية، وتجاوز كل المعوقات التي تقف حائلاً دون إتمام ذلك، منها صعوبة التحرك من وإلى المدارس الواقعة في نطاق مدن رفح والشيخ زويد والعريش.




يضيف المسؤول الحكومي أنّ معاناة المدرسين على الطريق تضاف إلى سلسلة أزمات يشهدها قطاع التعليم في سيناء، منها الهدم الكلي أو الجزئي لعشرات المدارس في المحافظة، في إطار عمليات الجيش المصري، خصوصاً في مدينة رفح التي أزيلت الغالبية العظمى من مدارسها، وكذلك مدينة الشيخ زويد، وأطراف مدينة العريش، عدا عن المدارس التي تحولت إلى ثكنات عسكرية خلال السنوات الماضية، إضافة إلى عدم قدرة عشرات التلاميذ على الوصول إلى مدارسهم نتيجة إغلاق الطرقات في مناطق واسعة من مدن المحافظة، وعدم توفر المواصلات، إضافة إلى ضعف المنظومة التعليمية في كافة أركانها في المحافظة نتيجة المعوقات الكثيرة. ويبيّن أنه على الرغم من كل ما سبق، إلا أن أهالي سيناء يظهرون اهتماماً بالغاً بالعملية التعليمية، ويسعون إلى إنجاحها من خلال المبادرات الشخصية والجماعية لدعم العملية التعليمية، سواء من خلال مساعدة المدرسين أو ترميم المدارس أو فتحها في بعض المنازل كقرى مدينة الشيخ زويد.

والتضييق على المعلمين يتطلب اهتماماً أكبر من الحكومة المصرية ووزارة التربية والتعليم، بحسب ما يؤكد مسؤول حكومي رفض الكشف عن اسمه، من أجل عودة العملية التعليمية إلى طبيعتها في سيناء خلال المرحلة المقبلة، ومكافأة أهالي سيناء على صمودهم وتضحياتهم التي تعود بالنفع على الجمهورية بأكملها. كما أن دعم التعليم في سيناء يعد جزءاً من معركة الدولة للقضاء على الإرهاب.

دلالات