معرض للكبار فقط عن الفتيات والقطط

08 يوليو 2020

كنت ولا زلت، وربما سأظل، في كل زيارة إلى متحف المتروبوليتان، أشهر متاحف نيويورك وأحد أهم متاحف العالم، أدرك استحالة تنفيذ الخطة التي أعدها قبل الزيارة بمساعدة موقعه الإلكتروني، لأنني في كل مرة أفاجأ بأن موعد إغلاق المتحف قد داهمني قبل أن أزور أغلب ما كنت أخطط لزيارته، وأنني انشغلت عن الجمال الذي خططت لرؤيته سلفاً، بجمال آخر مباغت اكتشفته خلال تجوالي في أروقة ذلك المتحف البديع الذي تحتاج إلى عمر بأكمله دون مبالغة للإحاطة بكل ما فيه من جمال أبدعه البشر خلال مراحل الحضارة الإنسانية المتوالية.

في هذه الزيارة التي سأحدثك عنها، لم يكن ذلك المعرض ضمن أولوياتي، لأن جهلي التشكيلي الذي لا أخجل من الاعتراف به، لم يجعل اسم صاحبه المكون من كلمة واحدة (Balthus) يعني لي شيئاً، أما اسم المعرض: (بالتوس ـ فتيات وقطط) فقد ذكرني في البداية بالممثل الجميل عادل أدهم وجملته الشهيرة "إيه يا قُطّة"، خاصة أن اللوحة التي وضعت على واجهة المتحف للإعلان عنه كانت تظهر مراهقة تجلس على كرسي حاسرة الفخذين وإلى جوارها تجلس قطتها، لذلك قررت أن أستغل وقتي في زيارة أجنحة أخرى كان ضيق الوقت قد اضطرني للمرور بها سريعاً، إلا أنني فوجئت خلال عبوري إلى جوار باب القاعة التي تستضيف المعرض بزحام شديد، جعلني أتوقف قليلاً أمام القاعة لقراءة التعريف بالمعرض المكتوب على بابها، ليلفت انتباهي إلى جوار التعريف وجود لافتة تحذر من أن دخول المعرض قد لا يكون مناسباً للجميع، وأن على ذوي المشاعر المرهفة أن يحذروا من وجود لوحات قد لا يكون عرضها مناسبا للكل.

جعلتني اللافتة أتأكد من ظني السابق بوجود صلة للمعرض بتعبير عادل أدهم الشهير عن "القطط"، بل وتذكرت فيلماً لبنانياً بعنوان (قطط شارع الحمراء) يعود إلى فترة السبعينات، كنا نتبادله في عصر ما قبل الإنترنت بوصفه فيلما شديد الجرأة، قبل أن تظهر فيما بعد كليبات غنائية يعتبر ذلك الفيلم إلى جوارها عملاً محتشماً، لكنني اكتشفت فيما بعد أن ظني الذي بعثته اللافتة كان إثماً، لأن التحذير الذي تضمنته اللافتة كان يتضمن عبارة كتبت بين قوسين بخط أصغر، تقول إن المعرض يحتوي على لوحات قد لا تبدو مناسبة لمن يواجهون مشكلة مع "البيدوفيليا" أو الانجذاب الجنسي تجاه الأطفال، وبالطبع لا يمكن أن تجد تحذيراً يكتب على لافتة كهذه إلا في مجتمع قطع شوطاً في التعاطي مع جريمة كهذه يعاني منها بقوة، لكن عقلاءه يعرفون أن طرح المشاكل علانية أفضل من تجاهلها، وأجدى من رفع شعار "نحن مجتمع متدين بطبعه وخلوق ولا يوجد لدينا أناس لديهم انحرافات جنسية أبدا".

الصورة
من أعمال بالتوس

 

المعرض الذي ضم عدداً من أعمال الرسام الفرنسي من أصل بولوني بالتازار كلوسوفسكي والشهير باسم بالتوس، والذي حضرته في عام 2015 كان الأول لذلك الفنان في الولايات المتحدة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وضم عدة أقسام من بينها قسم يضم 35 لوحة رسمها بالتوس من منتصف الثلاثينات وحتى منتصف الخمسينات، أغلبها بورتريهات رسمها لجارته الصغيرة في باريس تيريز بلانكارد البالغة من العمر 12 عاماً، تظهر في بعضها بمفردها، وفي بعضها الآخر مع قطتها، وفي البعض الآخر مع شقيقيها، كما يتضمن المعرض لوحات رسمها خلال فترة الخمسينات لقريبته المراهقة البالغة من العمر 15 عاما والتي كانت الموديل المفضل بالنسبة له فريدريكي تيسون، بالإضافة إلى اسكتشات مرسومة بالحبر أنجزها وهو في الحادية عشرة من عمره وأظهر فيها موهبته المبكرة في رسم قطه (ماتيسو)، وقد كان الفنان محظوظاً حين صدرت هذه اللوحات في كتاب عام 1921 بمقدمة كتبها الشاعر الألماني الشهير راينر ماريا ريلكه الذي ارتبط بعلاقة عاطفية بوالدة بالتوس لفترة وكان سببا في رعاية موهبة بالتوس وتوجيهها، لكن ولع بالتوس بالقطط لم يتوقف عند مرحلة البدايات، بل ظل باقياً معه حتى نهاية مشواره الفني، حتى أنه أطلق على البورتريه الوحيد الذي رسمه لنفسه اسم (ملك القطط).

الصورة
بالتوس وعلاقة وثيقة بالقطط استمرت طيلة عمره

 

كان للوحات بالتوس في رسم الفتيات القاصرات تاريخ من إثارة المشاكل حين تم عرضها في باريس لأول مرة في منتصف ثلاثينات القرن الماضي، حيث تم اتهامه باستغلال القاصرات والتغرير بهن، بل وتم اتهامه بالتورط في علاقات جنسية معهن، وهو ما نفته القاصرات اللواتي رسمهن بشدة.

لم يؤثر الهجوم الشرس على بالتوس الذي دافع عن نفسه ببسالة، متهماً من يقولون إن لوحاته مثيرة للغرائز أن المشكلة في عينهم وخيالهم الذي ينظرون به إلى لوحاته، معتبراً أن اختياره رسم القاصرات وراءه وجهة نظر فنية بحتة، لأنه يفضل رسم الفتاة المراهقة على رسم المرأة الناضجة، لأن جمال المراهقة يثير اهتمامه أكثر كإنسان، ويجعله يفكر بالمستقبل وبما سيصير إليه هذا الجمال، أما جسد المرأة المكتملة فاكتماله يجعله يفقد سره وغموضه، وهو أمر لا يغريه كفنان أبدا. وبالطبع كل هذه المعلومات وغيرها، حرصت إدارة المتروبوليتان على توفيرها في الكتالوجات والمواد الفيلمية واللوحات التعريفية، كما يحدث في كل المعارض، ليتمكن الزائر من الحصول على صورة متكاملة عن الفنان الذي يعرض المعرض لوحاته، ويعرف الكثير عن البيئة التي نشأت فيها إبداعاته.

الصورة
ملك القطط بريشته

 

في مواجهة الحملات الضارية التي تم شنها عليه بعد عرض لوحاته عن المراهقات، وجد بالتوس الذي كان وقتها في السادسة والعشرين من عمره نقاداً كثيرين يدافعون عنه كان على رأسهم الناقد والفنان السريالي الشهير أندريه بريتون، لم يتوقف بالتوس كثيراً عند الهجوم الذي تم شنه عليه، واستمر في هوايته في رسم المراهقات، ومع أن المعرض الذي شاهدته لم يتضمن نماذج لباقي أعماله الفنية، إلا أنني قرأت بعد زيارة المعرض تقريراً نشرته صحيفة "الحياة" اللندنية للأستاذ أنطوان جوكي الذي أحب متابعة ما يكتبه عن الأدب والفنون، يقول إن بالتوس الذي توفي عام 2001 عن 93 عاماً، اشتهر بلوحاته عن المراهقات لكنها لم تكن كل ما تخصص فيه، فقد صمم ديكورا وأزياء لمسرحيات عديدة ورسم بورتريهات مهمة ومشاهد من الحياة اليومية في المدن الفرنسية والريف الفرنسي.

وهو ما جعلني أستغرب لماذا لم تقم إدارة المتروبوليتان بضم نماذج لتلك الأعمال إلى المعرض لكي تقدم صورة متكاملة لإنتاج ذلك الفنان المبهر، خاصة أن لوحات المعرض لم يكن بينها من مقتنيات المتروبوليتان سوى أربع لوحات فقط، أما باقي اللوحات فقد تمت استعارتها من متاحف ومجموعات فنية خاصة في فرنسا وسويسرا وانجلترا وأستراليا وأميركا، وكان يسهل أن تتم استعارة لوحات أخرى تكشف جوانب فنية لذلك الرسام المبهر، بدلاً من التركيز على تلك الأعمال التي جلبت له اتهامات باستغلال القاصرات، ظلت حاضرة طيلة حياته وألقت بظلالها على المعرض، بدليل حرص إدارة المتروبوليتان على اختيار عنوان فرعي للمعرض (لوحات واستفزازات)، بالإضافة إلى وضعها لذلك التحذير الذي كان له فضل أن يجذب إنساناً سيئ الظن إلى مشاهدة المعرض، الذي اتضح أنه لا علاقة به بعادل أدهم ولا بقطط شارع الحمراء، والذي أضاف إلى قائمة الفنانين الذين سأحرص على متابعة أعمالهم فناناً مدهش الموهبة اسمه بالتوس.