معارك صبراتة الليبية: بوابة حفتر لابتزاز إيطاليا؟

02 أكتوبر 2017
الصورة
تُعتبر المدينة من أبرز مناطق تهريب المهاجرين(طه جواشي/فرانس برس)
+ الخط -
للأسبوع الثالث على التوالي، لا تزال الصدامات المسلحة على أشدها بين فصائل متناحرة في مدينة صبراتة غرب العاصمة الليبية طرابلس، وسط نزوح كبير للأهالي. وعلى الرغم من عدم اتضاح هوية المسلحين المتقاتلين بجلاء، إلا أن تبنّي قوات اللواء خليفة حفتر لأحد طرفي الصراع، أظهر دوراً له في الأحداث الجارية، خصوصاً مع الحديث عن مصالح يحاول تحقيقها عبر السيطرة على المدينة، التي تُعدّ من أبرز المناطق التي تنشط فيها عمليات تهريب المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا.


بداية المواجهات
كشفت الحصيلة الأولية للاشتباكات التي أعلنتها وزارة الصحة في حكومة الوفاق الوطني، يوم الجمعة الماضي، عن وصول عدد الضحايا إلى 26 قتيلاً و170 جريحاً. لكن ما هي أسباب اندلاع هذه المعارك التي بدأت في 17 سبتمبر/أيلول الماضي؟
أفادت المعلومات الأولية التي أعلنها المجلس البلدي في المدينة، بعد يومين من بدء المعارك، بأن "القتال بدأ عقب إطلاق النار على سيارة رفضت التوقف عند إحدى البوابات الأمنية لغرفة عمليات محاربة تنظيم داعش". ولفت في بيان إلى أن "القتال يدور بين ما يُعرف بغرفة عمليات محاربة تنظيم داعش، وبين كتيبة أنس الدباشي، على خلفية خلاف بين عناصرهما تصاعد إلى مواجهات مسلحة".

لكن سرعان ما أدى توالي الأحداث إلى ظهور معطيات جديدة، إذ برزت أنباء عن أن القتال في المدينة توسع ليشمل أطرافاً أخرى، وسط اتهامات من طرفي القتال باستعانتهما بأطراف من خارج المدينة. "غرفة محاربة داعش" اتهمت "كتيبة الدباشي" بالاستعانة بمرتزقة من المهاجرين غير النظاميين ومقاتلين من "سرايا الدفاع عن بنغازي"، قائلة إن أسباب استمرار قتالها لـ"كتيبة الدباشي" هو تورط الأخيرة في عمليات تهريب البشر والوقود، بالإضافة إلى استعانتها بمرتزقة ومقاتلين على صلة بالإرهاب.

بينما قالت "كتيبة الدباشي" إن الأولى جلبت مجموعات مسلحة تابعة للتيار المدخلي الموالي لحفتر بالإضافة لضمها ضباطاً ضمن الغرفة ينتمون للنظام السابق. وعلى الرغم من إعلان "كتيبة أنس الدباشي" انتمائها لوزارة دفاع حكومة الوفاق، إلا أن الأخيرة لم تعلن عن صحة هذه التبعية، مكتفية بالمطالبة، في بيان لها، بوقف القتال الدائر في المدينة، مؤكدة أنها "لم تُصدر تعليماتها لأي طرف لبدء هذا الاقتتال أو الخوض فيه".

وكانت وفود مصالحة وصلت إلى المدينة الأسبوع الماضي، قد توصّلت إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين، إلا أن القتال تجدد بشكل عنيف في المنطقة وسط اتهام كل طرف للآخر بخرق الاتفاق. وعن مجريات الأحداث حالياً، أكد رئيس المجلس العسكري للمدينة الطاهر الغرابلي، حياد المجلسين العسكري والبلدي للمدينة تجاه القتال الحالي، مضيفاً في حديث مع "العربي الجديد" أن "المعارك مستمرة بشكل عنيف وباستخدام أسلحة ثقيلة ومتوسطة في مختلف أرجاء مصراتة". وعن أسباب القتال، قال إنه يدور بين "فصائل متناحرة تبحث عن مصالحها وتسعى للسيطرة على المدينة لأغراضها الخاصة"، نافياً أن يكون القتال له علاقة بمساعي حفتر للسيطرة على المنطقة أو أن يكون قتالاً بين حفتر وحكومة الوفاق.


دور حفتر
لكن في إشارة إلى إمكانية وقوف حفتر وراء القتال في صبراتة، أعلن آمر غرفة عمليات قوات حفتر في المنطقة الغربية، العميد إدريس مادي، في بيان له، عن تبعية "غرفة محاربة داعش" لقوات حفتر، وقال إن "غرفة عمليات مكافحة تنظيم الدولة صبراتة تتبع للجيش الليبي، وتدعمها قوات مساندة من السلفية وتسيطر على جزء كبير من المدينة". لكن لم يصدر عن قيادة قوات حفتر في شرق البلاد أي تأكيد لهذه التصريحات حتى الآن.
من جهته، اعتبر مفتي ليبيا، الصادق الغرياني، أن "عملية الكرامة انتقلت الآن إلى المنطقة الغربية واختارت مدينة صبراتة منطلقاً لها" في إشارة إلى تورط قوات حفتر في القتال. ورأى الغرياني، خلال كلمته الأسبوعية في قناة "التناصح" الجمعة الماضي، "معركة صبراتة امتداداً لمعركة بنغازي"، مؤكدا أن مقاتلي "ما يُعرف بغرفة محاربة داعش تابعون لحفتر". وعزا الغرياني اختيار حفتر لصبراتة إلى أنها "ذات أهمية اقتصادية وفيها نفط لمساومة الغرب".


وتُعتبر هذه المدينة الساحلية الواقعة غرب طرابلس بنحو 70 كيلومتراً، من أبرز المناطق الناشطة في تهريب المهاجرين غير النظاميين، كما أنها اشتهرت بتهريب الوقود الليبي. وسبق أن سربت وسائل إعلام دولية، من بينها صحيفة "ذا صن" في الثالث من سبتمبر الماضي، أنباء عن اتفاق حكومة الوفاق مع "كتيبة أنس الدباشي" لإنهاء الاتجار بالبشر ووقف سيل المهاجرين غير النظاميين من سواحل غرب ليبيا باتجاه أوروبا وتحديداً إيطاليا. وأكدت الصحيفة أن "الدباشي قابل مسؤولين من حكومة الوفاق، في يوليو/تموز الماضي، لمناقشة سبل إنهاء أنشطة الاتجار بالبشر عند سواحل ليبيا، مقابل إسقاط التهم الجنائية الموجهة ضد قواته"، مشيرة إلى تلقي الدباشي مساعدات مالية قُدّرت بـ5 ملايين دولار وسيارات وقوارب لدعمه في مهمته الجديدة. وأشارت وسائل إعلام محلية ودولية إلى أن الجانب الإيطالي هو من دفع حكومة الوفاق لعقد هذا الاتفاق.

وأفاد مصدر تابع للمجلس البلدي للمدينة، لـ"العربي الجديد"، بأن "غرفة محاربة داعش" تمكّنت من السيطرة على أجزاء واسعة من المدينة مقابل انحسار سيطرة "كتيبة أنس الدباشي" على مناطق نفوذها، لا سيما المنطقة الأثرية. وأكد المصدر تبعية "غرفة محاربة داعش" لقوات حفتر، مشيراً إلى أن "هذا الفصيل المسلح المكوّن من مقاتلين من المدينة، يحارب تحت مسمى محاربة الإرهاب، وهو الشعار نفسه الذي يرفعه حفتر في حروبه للسيطرة على المنطقة لتحقيق أهداف استراتيجية وسياسية أكثر منها عسكرية".

وأوضح أن "صبراتة مهمة بدرجة كبيرة لإيطاليا كونها مصدر الهجرة غير النظامية المزعجة لها وكونها المدينة المطلة والمشرفة على أكبر مصالحها في البلاد وهو مجمّع مليتا للغاز، الذي تريد روما حمايته بالتحالف مع أي فصيل مسلح مهما كان انتماؤه". وكشف أن "حفتر أراد بهذه الحرب ابتزاز إيطاليا من خلال تهديدها بسيول الهجرة غير النظامية وتهديد مصالحها في مليتا إذا لم تدعمه وتؤيد وجوده العسكري في البلاد بدلاً من دعم حكومة الوفاق في طرابلس".
وتوقّع أن "ينجح حفتر في الوصول إلى هدفه، فطائراته المنطلقة من قاعدة الوطية (قاعدة جوية تابعة لحفتر جنوب صبراتة) بدأت في التحليق بشكل كثيف بعد ساعات من انتهاء زيارته إلى روما"، مشيراً إلى إمكانية اتفاق حفتر مع إيطاليا وسماح الأخيرة له بالسيطرة على المنطقة. وقال "لم يُكشف عن نتائج زيارة حفتر، لكن الواضح أنها لصالحه، فتحليق الطائرات إشارة إلى موافقة روما على استخدامها في القتال للقضاء على خصوم حفتر في المنطقة وسيطرته عليها".


مخاوف على المدنيين
أفاد المتحدث باسم الهلال الأحمر في صبراتة أحمد العلاقي، بأن أعداد النازحين في المدينة وصلت إلى أكثر من ألف أسرة. وأوضح في تصريحات صحافية يوم الخميس الماضي، أن "الأسر النازحة جرى توزيعها على المدن المجاورة لصبراتة"، واصفاً الأوضاع داخل مستشفيات صبراتة بـ"الكارثية" لكونها تقع في منطقة الاشتباكات مما دفع الهلال الأحمر إلى نقل الإصابات إلى مستشفيات المناطق المجاورة. وكانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا قد دعت الخميس الماضي إلى وقف الأعمال القتالية في صبراتة بشكل فوري وضمان حماية المدنيين وفقاً للقانون الإنساني الدولي، بحسب تغريدة على حسابها في موقع "تويتر".

ولم تتوقف الأضرار الناجمة عن القتال عند هذا الحد، إذ لحقت بشكل كبير بالمنطقة الأثرية التي تُعد من أهم مناطق الموروث الثقافي العالمي المصنفة ضمن التراث العالمي لدى منظمة اليونيسكو، والتي كانت تتخذ "كتيبة أنس الدباشي" مقرات داخلها. وعلى الرغم من عدم صدور أي توضيح رسمي عن حالة المنطقة الأثرية التي يعود عمرها إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة، إلا أن اتحاد بلديات التراث العالمي الليبية، طالب في بيان الثلاثاء الماضي، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونيسكو" بحماية آثار صبراتة من مخاطر الاشتباكات المسلحة التي تشهدها المدينة، مؤكداً أنها أضرت بالمسرح الروماني الواقع ضمن دائرة المعارك والمصنف ضمن التراث العالمي.