مصر.. سياسة الباب الدوار والحل البعيد

14 يوليو 2019
الصورة
حدث جدال كبير أخيراً في مصر بعد القرار المفاجئ بحبس الزميلين، زياد العليمي وحسام مؤنس، وشخصيات ونشطاء معروفين كثيرين، وكان قبل ذلك حبس مجموعة أخرى، أحدهم شقيقي مصطفى ماهر، بالتزامن مع حملة من الإفراجات والعفو الرئاسي، فيما أطلق عليه بعضهم سياسة الباب الدوار التي يتم فيها إطلاق سراح محتجزين مع حبس آخرين.
كانت هناك حالة تعجب كبيرة، فليس لمعظم المتهمين الذين حُبسوا أخيراً علاقة ببعضهم البعض، ومنهم من هو محسوب على جماعة الإخوان المسلمين، ومنهم أيضاً من له مواقف واضحة وصارمة أو متشدّدة ضد جماعة، فما الغرض من وضع خصوم سياسيين في قضية واحدة، واتهامهم بتلك التهم العجيبة، ما الذي جمع الشامي مع المغربي، كما يقال؟
نتعجب عندما نسمع تلك التهم في البداية. عادة تدور حول فكرة قلب نظام الحكم ودعم جماعة إرهابية. ولكن هناك هذه المرة قصة هزلية عن تعاون وتنسيق مع الإخوان المسلمين لتنفيذ مؤامرة ما، وقصص نشرتها صفحات ووسائل إعلام تابعة للأجهزة الأمنية، عن مؤامرات اقتصادية كبرى، وتعاون بين جماعة الإخوان والتيار المدني لضرب الاقتصاد المصري! المضحك المبكي، هذه المرة، أن مخترع تلك القصة الخيالية يعلم جيداً استحالة حدوث التعاون بين الأسماء المذكورة على أرض الواقع.
ولكن لماذا العجب؟ ألم يتم حبس شقيقي والزميل، هيثم محمدين، قبل شهر ونصف الشهر، بتهم لا علاقة لها بالواقع. قصة عجيبة اخترعها ضابط ما للتخويف من تظاهراتٍ محتملة لم يعلن
 عنها أحد. وقبل ذلك تم حبس زملاء آخرين من أصحاب الفكر الإصلاحي، مثل وليد شوقي والمحامي سيد البنا وغيرهما، إنها صناعة الخوف، فهناك ضابط في مكان ما لن يحصل على مكافآت وترقيات من رؤسائه ما لم يُثبت أنه يعمل بجد، وعدد القضايا وخطورة التهم المعلنة هو المقياس، صناعة الخوف وتسويقه واختلاق الأزمة من العدم هي الوسائل التي تجعل ذلك الضابط ينال استحسان مديره، وذلك المدير آمناً في موقعه، وذلك الحاكم مستقراً على عرشه.
العجيب فعلاً أنه لا يوجد تهديد حقيقي اليوم، فلمَ كل هذا الهلع، فالمنافس الرئيسي للسلطة الحاكمة في مصر مشتتٌ بين السجن والمنفى وعدة جبهات منقسمة، كما تم حبس وتدمير حياة عديدين من رموز وقادة الحركات الشبابية التي كان لها الدور الرئيسي في قيام ثورة يناير 2011، وتم إبطال مفعول تلك المجموعات وحبس مئات وآلاف مؤيديها، كما أن الانتخابات الرئاسية تتم بمنتهى السلاسة، بعد ضربات استباقية عديدة لضمان عدم وجود تهديد أو منافس حقيقي، والدستور تم تعديله أخيراً بدون مقاومة تذكر، وهناك للأسف قطاعات شبابية ضخمة، فقدت الأمل، وأصابها الإحباط، ولم تعد تهتم بالشأن العام، فلماذا كل هذا الهلع؟
أما المجموعة التي تم القبض عليها أخيراً، وتُعرف باسم تحالف الأمل، فلم تكن تخطط لقلب نظام الحكم، ولم تشكل تهديداً للنظام الحالي، ولم تطرح نفسها بديلاً له، ولم تخطط للتظاهر اعتراضاً على أمرٍ ما، ولا المطالبة بشيء ما، بل كان بها أفرادٌ يسعون إلى تحالف انتخابي، يشارك من خلال الدستور والقانون، أي أن هذه المجموعة تعترف بشرعية نظام الحكم، وتسعى إلى الإصلاح والتغيير من خلاله. والعجيب أيضاً أن الأسماء، ذات الانتماءين، الناصري واليساري، المعروفة في تلك الحبسة، مثل حسام مؤنس وهشام فؤاد وزياد العليمي، هم أبعد ما يكون عن مجرد التفكير في التعاون مع جماعة الإخوان المسلمين. وهناك مواقف كثيرة كان فيها تنافر شديد ورفض لسياسات الجماعة وفكرها، فكيف يُعقل أن يكون الاتهام الرئيسي هو التخطيط والتنسيق مع جماعة الإخوان المسلمين.
كل من شارك في ثورة يناير ليس آمناً، والصمت والعزوف عن العمل السياسي لا يعدان ضماناً، فالحساب يتم بناء على الماضي. قد يكون الحبس بناء على استنتاج خاطئ، أو بناء على خوف أمني غير مبرّر، أو بعد مقابلة مع صديق قديم تم رصدها، أو تقرير من جواسيس مزروعين، أو بناء على "تشات" خاص به بعض الفضفضة، أو بعد رصد رسالةٍ من معارضين مقيمين في تركيا، يحاولون التحريض على شيء غير مدروس، فجمعوا اليمين واليسار في مجموعة بريدية واحدة، ليتم القبض عليهم بعد ذلك، بدون أن يعلموا محتوى الرسائل البريدية المرسلة إليهم.
كتبت قبل فترة عن مشهد كئيب في فيلم خيال علمي مرعب. كائنات فضائية تحتجز مجموعات 
كبيرة من البشر في أقفاص حديد، لينزل لسان أو ذراع كل فترة، ليسحب أحد البشر من وسط المجموعة، ليتم رفعه وامتصاصه وقوداً أو مصدر طاقة، ثم يتم لفظ بقاياه، ولا يستطيع باقي البشر فعل شيء، إلا الصراخ والبكاء والمحاولات العبثية لإنقاذ المخطوف، ثم الانتظار كلٌّ في دوره ليواجهوا المصير نفسه.
أصبح هذا أشبه بحالنا كثيراً، عجز شديد مع تزايد وتواصل حملات الاعتقال والحبس، خلافات عميقة لا تزال حائلاً أمام أي محاولةٍ للتفكير في حل، سلطة تخدعنا وتحاول إسكات الخارج عن طريق إجراءات صورية، وعن طريق سياسة الباب الدوار، إخلاء سبيل عشرة أفراد مع حبس عشرات في اليوم التالي.
وبشكل عام، لا تصب تلك الإجراءات الأمنية/ القمعية في صالح الوطن، بل هي تُبقي الغضب مشتعلاً في القلوب، مهما زاد القمع، إنها ترسل رسالة واضحة إلى الجميع إنه لا أمل في أي إصلاح، أو حتى تحسين لما نعانيه. ما يحدث من تخبط اقتصادي وقمع سياسي لا يصبان إلا في صالح الجماعات العنيفة والراديكالية، يمنحهم قُبلة الحياة، ليقولوا للشباب المحبط نحن الحل، فلا سبيل للإصلاح من خلال الوسائل الباردة والبطيئة.
وللأسف الشديد، لا يعي مَن في الحكم ذلك، بل تحرّكهم شهوة الانتقام وجنون العظمة والغرور، ناسين أن الدنيا سريعة التغير، والاستقرار الهش القائم على التخويف ينهار سريعاً مع أي حادثٍ مفاجئ غير متوقع، فمنذ ثلاثين عاماً لم تكن أكثر العقول خيالاً تتوقع ذلك الانهيار المفاجئ للاتحاد السوفياتي، على الرغم من كل ما كان يحمله من مصادر قوة وتجبّر، ولكنها كانت أيضاً هي أسباب الانهيار المفاجئ والتفكك نفسها.
تعليق: