مصارف أميركا تتأهب للركود...تحذيرات متصاعدة من تأجج الحرب التجارية

04 يونيو 2019
الصورة
التوترات ترفع تكاليف الشركات وتخفض استثماراتها (Getty)
+ الخط -

 

اصطفت البنوك الكبرى في وول ستريت، لتحذير المستثمرين من مخاطر الركود المتزايدة، بسبب الحرب التجارية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين، مشيرة إلى أنه ليس من المتوقع التوصل لاتفاق تجاري بين واشنطن وبكين، خلال قمة مجموعة العشرين المقرر عقدها نهاية يونيو/حزيران الجاري في مدينة أوساكا اليابانية.

وتوقع بنك "مورغان ستانلي" احتمال بدء ركود عالمي في غضون تسعة أشهر في حال فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوما جمركية بنسبة 25 في المائة على صادرات صينية إضافية بقيمة 300 مليار دولار، ورد بكين على ذلك بإجراءات انتقامية.

وقال تشيتان أهيا، كبير الاقتصاديين لدى مورغان ستانلي، في مذكرة للبنك، وفق وكالة بلومبيرغ الأميركية، الإثنين إن النزاع التجاري قد يستمر لفترة أطول.

وحذر كذلك بنك "جيه بي مورغان تشيس آند كو" من ارتفاع مخاطر حدوث ركود في النصف الثاني من العام الجاري إلى 40 في المائة من 25 بالمائة منذ شهر مضى.

كما قلص بنك "غولدمان ساكس غروب" توقعاته للنمو الأميركي في النصف الثاني من العام بحوالي 0.5 في المائة إلى 2 بالمائة، مشيرا إلى أنه يرى احتمالا أكبر لخفض أسعار الفائدة من الاحتياطي الفيدرالي.

ومثل هذه التحذيرات قد تحدد مسار أسواق المال العالمية التي تشهد اضطرابات بالأساس بفعل التصعيد المتبادل بين الصين والولايات المتحدة خلال الأيام الأخيرة. وقال بروس كاسمان كبير الاقتصاديين في بنك جيه بي مورغان: "يبدو أن النمو العالمي الآن سينخفض ​​لبقية هذا العام".

وبدأت الولايات المتحدة في تحصيل رسوم جمركية تبلغ 25 في المائة على سلع صينية كثيرة وصلت إلى الموانئ الأميركية، صباح السبت الماضي، في إطار تضييقات على سلع بقيمة 200 مليار دولار سنوياً، لترد الصين ببدء تحصيل رسوم أعلى أيضا على معظم السلع الواردة في قائمة مستهدفة تشمل بضائع أميركية قيمتها 60 مليار دولار.

وتشمل زيادة التعريفة الجمركية الأميركية مجموعة كبيرة من السلع الاستهلاكية والمكونات الوسيطة من الصين، بما في ذلك خوادم الإنترنت والأثاث والمكانس الكهربائية ومنتجات الإضاءة.

ولم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة والصين، مقتصرة على الجبهة التجارية، وإنما تمتد إلى العمق، لتطاول ركائز الاقتصاد في أكبر اقتصادين في العالم، ما ينذر بإطالة أمد الصراع، الذي لن يكون سهلاً في ظل الصمود الذي تبديه بكين في مواجهة الضغوط المتزايدة من قبل إدارة ترامب.

فقد كشفت وكالة أنباء الصين الجديدة "شينخوا" نهاية مايو/أيار الماضي، أن "الحكومة الأميركية قدمت على طاولة المفاوضات عدداً من المطالب المتغطرسة للصين من بينها الحدّ من نموّ المشروعات المملوكة للدولة".

ولم يكتف ترامب بفرض رسوم جمركية على جميع المنتجات الصينية، بل تم فرض حظر على أنشطة شركة هواوي، عملاق صناعة الاتصالات الصينية، ولوّح بمزيد من الشروط على بكين.

وصعدت الصين لهجتها في حربها التجارية، محملة واشنطن مسؤولية فشل المفاوضات، بدون أن تشير إلى أي مخرج من الأزمة في وقت قريب. وووسعت بكين من دائرة المواجهة لتشمل بجانب فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المائة على سلع أميركية بقيمة 60 مليار دولار، وضع "لائحة سوداء" لشركات أجنبية، والتهديد بحظر تصدير المعادن النادرة.

ويم الأحد الماضي، قال وانغ شوين، نائب وزير التجارة الصيني، في مؤتمر صحافي في بكين، إن الولايات المتحدة تبالغ في تقدير العجز التجاري بين البلدين، وإنه يجب عدم إلقاء اللوم على الصين في فقد البعض وظائفهم في القطاع الصناعي بالولايات المتحدة.

وأضاف وانغ، أن عجز الولايات المتحدة في السلع والخدمات مع الصين يقترب بشكل فعلي من 150 مليار دولار وليس كما قال المسؤولون الأميركيون إنه 410 مليارات دولار، مشيراً إلى ضرورة عدم ضم تجارة التجميع الصينية مع أميركا في حسابات العجز التجاري.

وتتأهب الأسواق العالمية لتداعيات التصعيد بين أكبر اقتصادين في العالم. ونصح بنك مورغان ستاني عملاءه بأنه في حال استمرار النزاع، فإن تكاليف الإنتاج ستزيد وسيقل الإنفاق الرأسمالي ويتراجع الطلب.

ولا تلوح في الأفق بوادر للتهدئة، رغم تعويل المستثمرين على قمة مجموعة العشرين في اليابان نهاية الشهر الجاري، والتي يُنظر إليها على أنها فرصة محتملة للجانبين لإبرام اتفاق، حيث يتوقع مراقبون حضور الرئيسين الأميركي والصيني شي جين بينغ.

وقال محللون في بنكي "جيه بي مورغان" و"مورغان ستانلي" لفضائية "سي إن بي سي" إنه من غير المتوقع التوصل لاتفاق، مشيرين إلى أن الخطاب من كلا الجانبين ساء في الأسابيع الأخيرة لدرجة تجعل من غير المحتمل أن تكون هناك صفقة على المدى القصير على الأقل.

وأضاف المحللون أن تكلفة الحرب التجارية يمكن أن تشعر بها الدولتان قريباً، إذا تحولت التوترات التجارية إلى الأسوأ، متوقعين لجوء بكين وواشنطن إلى تعديل سياساتهما النقدية كرد فعل.

وأصدرت الصين، يوم الأحد الماضي، "كتابا أبيض" قالت فيه إن "الحرب التجارية لم تعد إلى أميركا عظمتها"، مشيرة إلى أن الأسعار وكلفة الإنتاج ارتفعت في الولايات المتحدة منذ رفع الرسوم الجمركية على السلع الصينية، كما تراجعت الصادرات الأميركية إلى الصين وبات النمو العالمي مهدداً.

وقال تشو شياو مينغ ، المسؤول السابق في وزارة التجارة الصينية لوكالة بلومبيرغ: "أشار الكتاب الأبيض إلى أن الأزمة التجارية بين الصين والولايات المتحدة ستطول، لا نتوقع من الصين أن تأخذ المبادرة لاستئناف المحادثات قبل أن تقدم واشنطن تنازلات".

ورأى مركز الأبحاث في كابيتال إيكونوميكس، أن قوة الاقتصاد الأميركي في الربع الأول من العام الجاري سمحت لترامب باتخاذ موقف متعنت في المفاوضات التجارية "لكن أحدث البيانات الصادرة تشير إلى تباطؤ حاد، وهو ما يضعف موقفه التفاوضي في قمة مجموعة العشرين".

وأكد بول أشوارث، كبير الاقتصاديين في المركز في تقرير له، أن العديد من البيانات الصادرة الأسبوع الماضي "تشير بما لا يدع مجالاً للشك إلى اقتراب الركود".

ويتزايد القلق عالميا من اتساع نطاق الحرب التجارية وتعدد جبهاتها. وصعّد ترامب هجومه على المكسيك، حيث قرر، يوم الخميس الماضي "فرض رسوم جمركية نسبتها 5 بالمائة على كل البضائع الآتية من المكسيك اعتباراً من 10 يونيو/حزيران" ما لم تتّخذ الحكومة المكسيكية إجراءات إضافية لوقف تدفّق المهاجرين غير المسجّلين إلى الولايات المتحدة عبر الحدود المكسيكية.

وتسبب قرار ترامب المفاجئ في صدمة جديدة بالأسواق العالمية المضطربة أصلا، بسبب مخاوف الحرب التجارية مع الصن.

وذكرت صحيفة نيويورك تايمز، أنّ خطوة ترامب التي كان وراءها متشدّدون بشأن الهجرة، لقيت معارضة من وزير الخزانة ستيفن منوتشين والممثل التجاري روبرت لايتهايزر وصهر ترامب جاريد كوشنر. إلا أنّ ميك مولفاني كبير موظفي البيت الأبيض قال إنّ ترامب "جادّ للغاية" بشأن فرض الرسوم الجمركية.

وصرح مولفاني لشبكة فوكس نيوز "أتوقع تماماً أن يبدأ العمل بهذه الرسوم الجمركية على الأقلّ على مستوى 5 في المائة في 10 حزيران/يونيو"، مشيرا إلى أن مسؤولين مكسيكيين سيلتقون الممثل التجاري الأميركي في واشنطن هذا الأسبوع، لبحث ما يمكن أن يفعله المكسيكيون لتجنّب فرض الرسوم الجمركية.

ويتواجد وزير الخارجية المكسيكي مارسيلو إيبرارد في واشنطن، منذ يوم الجمعة الماضي، على رأس وفد، ومن المقرّر أن يلتقي الأربعاء نظيره الأميركي.

وبينما تراجعت الأسهم الأوروبية، وانخفضت أسعار النفط العالمية، ارتفعت أسعار الذهب، أمس الإثنين لأعلى مستوى في أكثر من شهرين، مع تصاعد التوترات التجارية. وزاد المعدن النفيس في المعاملات الفورية بنحو 0.5 بالمائة إلى 1311.24 دولارا للأوقية (الأونصة) بعد أن لامس أعلى مستوياته منذ 27 مارس/ آذار عند 1312.6 دولارا للأوقية.

المساهمون