مشروع "مواجهة سياسات أميركا": مناكفات طهران وواشنطن باقية

مشروع "مواجهة سياسات أميركا": مناكفات طهران وواشنطن باقية

19 يوليو 2017
الصورة
أمام مقر السفارة الأميركية السابق في طهران (Getty)
+ الخط -
مرّ عامان على توصل إيران لاتفاقها النووي مع السداسية الدولية، شابهما كثير من المشادات بين طهران وواشنطن التي فرضت بدورها عقوبات جديدة على إيران أكثر من مرة، وهو ما يثير حفيظة كثيرين في الداخل الإيراني. وقد استدعى الأمر أن يطرح نواب في البرلمان الإيراني مشروعاً جديداً تحت عنوان "مواجهة السياسات الأميركية" والتي يصفها نصّ المشروع بـ"الإرهابية".

 تأخر طرح المشروع الذي كان من المفترض أن يخرج إلى العلن ويعرض على التصويت منذ بداية يوليو/تموز الحالي، وهو الذي يأتي أساساً للرد على العقوبات الجديدة التي وافق عليها مجلس الشيوخ الأميركي الشهر الماضي، والتي تستهدف منظومة البلاد الصاروخية والشركات والأفراد المرتبطين بها، فضلاً عن الحرس الثوري الإيراني المتهم بدعم الإرهاب في الإقليم. وهي ليست المرة الأولى التي تطرح فيها الولايات المتحدة عقوبات من هذا القبيل، عقب التوصل للاتفاق النووي، لكن البرلمان الذي أقرّ، في وقت سابق، قانوناً يلزم الحكومة الإيرانية بالرد على أي انتهاكات ويسمح للنواب بالإشراف على سير عملية تطبيق الاتفاق، يعطي لهؤلاء صلاحية دستورية لمناقشة المشروع الجديد والمرتبط أساساً بما يراه بعض النواب خرقاً للاتفاق النووي.

وبعد أن طاولت عملية صك المشروع الجديد، صوت 112 نائباً من أصل 230 نائباً حضروا الجلسة، التي عقدت، أمس الثلاثاء، بالموافقة على إعطاء صفة "فوري وعاجل" لمشروع "مواجهة السياسات الأميركية"، وهو ما يسّرع من عملية صكه رسمياً ويضعه في أولوية المشاريع البرلمانية الحالية.

وأشاد رئيس مجلس الشورى الإسلامي، علي لاريجاني، بنسبة التصويت التي رأى أنها استثنائية وتدل على وجود إرادة حقيقية لمواجهة السياسات المعادية لبلاده، داعياً الولايات المتحدة لإدراك الرسالة الإيرانية والتي مفادها، أن البرلمان سيكون بالمرصاد لتحصيل حقوق الإيرانيين.
 
مواد مشروع "مواجهة سياسات أميركا"

هذا المشروع يشمل 26 مادة وثمانية أقسام، وجاء في مقدمته أن إيران ترى ضرورة في حفظ أمنها القومي والمساهمة في تحقيق أمن واستقرار المنطقة، وتطرح هذا المشروع لمواجهة السياسات الإرهابية والمتهورة لأميركا، ولدعم قواتها المسلحة وعلى رأسها الحرس الثوري، بحسب ما ورد فيه.

ويفرض المشروع، بحسب ما ورد فيه، على وزارتي الدفاع والاستخبارات، فضلاً عن الجيش، والحرس الثوري وفيلق القدس، تقديم تقرير بعد ستة أشهر من صك القرار، ومن ثم مرة سنوياً حول السياسات الأميركية وتدخلها في شؤون المنطقة ودعم الإرهاب وإثارة التفرقة وطريقة تعاطي إيران معها، مع تقديم تفاصيل حول المتعاونين إقليمياً مع واشنطن وتحركاتها الاستخباراتية والعسكرية، فضلاً عن رصد الخسائر البشرية والمادية في البلدان التي تتعرض لهجمات من أطراف مدعومة من أميركا، مثل سورية، فلسطين، السعودية، البحرين، العراق واليمن.

ويفرض المشروع، بحسب مواده، عقوبات على المتعاونين مع الأجهزة الأمنية والعسكرية الأميركية ومن يدعمون الإرهاب وتنظيماته. وتشمل هذه التنظيمات من وجهة منظر معدي المشروع جماعة مجاهدي خلق المعارضة، أو من يدعم إرهاب الصهاينة في فلسطين ولبنان، فضلاً عن منتهكي حقوق الإنسان، والمتورطين في قضايا التعذيب والجرائم في العراق وأفغانستان، وغيرها من القضايا المرتبطة بالتمييز العنصري أو محاربة المسلمين.

وهذه العقوبات تمنع إصدار تأشيرات لدخول إيران لمن هم على صلة بكل ما سبق وتوقف وتجمد أموالهم. كما يفرض المشروع على وزارة الخارجية متابعة كل قرارات العقوبات الأميركية الجديدة وتقديم ردودها عليها للبرلمان. كما يؤكد ضرورة التزام الحكومة بقانون إشراف البرلمان على الاتفاق، والرد عملياً على أي انتهاكات تمسه.  

ويرفع هذا المشروع من الموازنة الحكومية المخصصة للقوات المسلحة لتطوير المنظومة الصاروخية، إذ يوجب تخصيص مبلغ 300 مليون دولار بما يزيد من قوة الردع ويساهم بدعم الحرس الثوري وتأدية دور في تحقيق استقرار الإقليم. كما يلزم الحكومة بتخصيص مبلغ مماثل لفيلق القدس التابع للحرس، والذي يقوده الجنرال قاسم سليماني، بهدف الحرب على الإرهاب في المنطقة.

ويبدو واضحاً من النص الإصرار على ضرورة تطوير المنظومة الدفاعية الصاروخية، وهي التي تتسبب بشكل رئيس بفرض مزيد من العقوبات على إيران بعد توصلها للاتفاق، فضلاً عن الإصرار على أداء ذات الدور الإقليمي تحت عنوان مكافحة الإرهاب.

كما لا يخلو مشروع القانون من بُعد اقتصادي، إذ يلزم الحكومة الإيرانية بتطوير علاقاتها مع الدول التي تدفع ثمن السياسات الأميركية، فضلاً عن الدول التي تسعى لتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع إيران بحسب الاتفاق. كما يفرض على وزارة الاقتصاد تجهيز برنامج واضح ودقيق بعد ثلاثة أشهر فقط من صك القانون يعطي تفاصيل حول كيفية وآليات التعاطي مع العقوبات الأميركية وتحصين الاقتصاد المحلي ضدها، ويلزمها تطوير علاقاتها مع الشركات الأجنبية التي لا تشملها هذه القرارات.

وفي الفقرة الأخيرة من المشروع المطروح، يتحدث النواب عن ضرورة حماية الإيرانيين المقيمين في الخارج، ممن تعرضوا للمساءلة القانونية أو شملتهم العقوبات الأميركية وضرورة متابعة ملفاتهم، وتحصيل حقوقهم وهي المهمة التي تقع على عاتق الخارجية بالتعاون مع المؤسسات المعنية.

ويعطي المشروع صلاحيات لوزارة الاستخبارات ولفيلق القدس بمتابعة ورصد تحركات التنظيمات المدعومة من أميركا، من خلال استمرار المشاورات مع الحلفاء في الإقليم، ويلزم الخارجية بمتابعة تنفيذ المشروع وتقديم تقريرها المتعلق به مرة كل ستة أشهر للجنة الأمن القومي والسياسات الخارجية.

دفاع إيراني عن المشروع

ودافع عدد من النواب عن المشروع بإعطائه أبعاداً تتجاوز النووي، وهو ما يوسع الدائرة تماماً كما فعل الكونغرس الأميركي في وقت سابق، حين فرض عقوبات بررها بتطوير طهران لمنظومتها الصاروخية وبدعمها للإرهاب وانتهاكها لحقوق الإنسان.

وقال عضو لجنة الأمن القومي، رئيس جبهة المستقلين البرلمانية، كاظم جلالي، بحسب وكالة مهر الإيرانية، إن المنطقة تتعرض لأخطار عديدة بفعل سياسات قوى عدة على رأسها الولايات المتحدة، وهو ما يستدعي أن يتخذ البرلمان إجراءات احترازية للوقوف بوجه أميركا وعقوبات الكونغرس، على حد تعبيره. 

واعتبر جلالي أن واشنطن لم تتخل عن سياساتها غير العقلانية رغم التوصل للاتفاق النووي، ولا تزال تفرض عقوباتها على إيران، ودافع عن الحرس الثوري ودوره في الإقليم. الأمر نفسه فعله نواب آخرون خلال الجلسة نفسها، خصوصاً أن الحرس نفسه ومؤسساته مستهدفة في العقوبات الأخيرة التي أعلن عنها مجلس الشيوخ الأميركي وستنتقل إلى مراحل دستورية أخرى لصكها في أميركا.

ورغم التصويت بالأغلبية وتأييد كثر للمشروع الاحترازي لكن كان لبعض النواب الأكثر تشدداً مآخذ عدة. وفي السياق، قال النائب، حسين علي حاجي دليغاني، إن المشروع جيد، لكن كان يجب أن يُصاغ بطريقة محكمة أكثر، معتبراً أنه لا يمنح للبرلمان صلاحيات تنفيذية واسعة للرد من طرفه مباشرة على القرارات الأميركية.

وانتقد دليغاني، في تصريحاته، السياسات الحكومية الإيرانية التي تصّر على جني ثمار الاتفاق النووي بالتوقيع على صفقات مع شركات أجنبية. وكان دليغاني من أشرس منتقدي صفقة النفط الموقعة أخيراً مع شركة توتال الفرنسية، واعتبر أن هذه الشركة مدعومة من الولايات المتحدة التي نهبت ستة مليار دولار من الأموال الإيرانية على حد تعبيره. ودعا لأن يشمل هذا المشروع الشركات الأميركية ما يمنع التعاطي معها، فضلاً عن تأكيده على أنه كان من الضروري أن يشمل بنوداً صريحة لـ"دعم محور المقاومة".

هذه المآخذ قد تدل على أن المشروع لن يفتح الباب عريضاً نحو نواب البرلمان للتصرف بحرية من دون الرجوع والاتفاق مع الحكومة الإيرانية التي تتبنى خطاباً معتدلاً منفتحاً نحو الخارج، لكنه يعطي بشكل أو بآخر بعداً يدل على أن المشادات الإيرانية الأميركية ستبقى مستمرة في ملفات أبعد من النووي، كما تؤشر على أن السياسة الإيرانية في تلك الملفات، والتي تشمل قضايا إقليمية وأخرى عسكرية ستبقى على حالها.

من جهته، رأى المحلل السياسي للشؤون الإيرانية، حسن هاني زاده، أن المشروع البرلماني استراتيجي ويرمي لإيصال رسالة مفادها أن إيران لن ترضخ لسياسة العقوبات والتهديد، فضلاً عن تأكيدها، أن البرلمان كان ولا يزال يراقب تطبيق الاتفاق النووي عن كثب، ويريد استمراره وتقيّد كل الأطراف بتنفيذه بما فيها الولايات المتحدة.

وأضاف هاني زاده، في حديث مع "العربي الجديد"، أن بعضهم في طهران يرون أن واشنطن خرقت الاتفاق بفرض عقوبات جديدة وهو ما يستدعي اتخاذ خطوات عملية علها تقلل من الاستفزازات الأميركية وإن لم تكن ترتبط بالنووي. واعتبر أن الخطوة تؤكد، أن العداء سيبقى مستمراً وأن السياسة العامة لإيران مقابل أميركا لن تتغير.

وتأتي هذه التطورات بعد إعلان الإدارة الأميركية عن موافقة رئيسها دونالد ترامب على استمرار تطبيق الاتفاق النووي، وهو من هدد بتمزيقه مرات عدة. لكنها أكدت كذلك على أنها ستشدد من إجراءاتها بما يضمن التزام طهران بالبنود، وذكرت أنها ستفرض مزيداً من العقوبات على إيران بسبب سياساتها. كما تزامن مع تصريحات لوزير الخارجية محمد جواد ظريف من نيويورك، والذي أكد بدوره أن الخيارات الإيرانية مفتوحة للرد على أميركا والخروج من الاتفاق يبقى واحداً منها.

المساهمون