مسروقات "المتحف البريطاني": رعاية الماضي وتدمير المستقبل

13 يناير 2019
الصورة
(جدارية لـ "آشور بانيبال" في المتحف البريطاني)

رغم الاحتجاجات التي رافقت افتتاحه في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، سيظلّ المعرض الذي يحمل عنوان "أنا آشور بانيبال: ملك آشور، ملك العالم"، المُقام في "المتحف البريطاني" بلندن تحت رعاية شركة النفط البريطانية "بريتيش بتروليوم"، قائماً حتى الرابع والعشرين من شباط/فبراير المقبل.

اتّخذ الاحتجاج، الذي نظّمته جماعة تطلق على نفسها اسم "بشركة النفط البريطانية أو من دونها"، شقَّين اثنَين: أوّلهما يتمثّل في الاعتراض على رعاية شركة نفطية معرضاً فنّياً تحت غطاء دعمها للفنون، وثانيهما هو الكشف عن مسروقات المرحلة الاستعمارية التي ملأت قاعات المتحف بما نهبه المستعمِر البريطاني من آلاف الآثار والتحف والأعمال الفنية من عدد من البلدان، كان العراق أحدها.

ويُمكن إدراج حملة الاحتجاج هذه ضمن موجةٍ متنامية في بريطانيا وبلدان أوروبية عدّة تنتقد رعاية شركات النفط للفنون والثقافات، وأيضاً ضمن موجة متنامية تُطالب بـ إعادة الكنوز الفنية التي نهبها الاستعمار إلى بلدانها الأصلية.

بدأت الحملة قبل يومين من افتتاح المعرض؛ ففي صباح السادس من تشرين الثاني/نوفمبر، شكّل المحتجون ما يُشبه "لجنة استقبال" واحتجاج مدني عراقية أمام "المتحف البريطاني". وقد اختير التوقيت ليُرافق عرضاً خاصّاً دُعي إليه صحافيون وشخصيات بارزة، فوقف المحتجون، أثناء ذلك، ليتحدّثوا إلى الصحافيّين وزوّار المتحف وحتى موظّفيه، مطالبين بوضع حدٍّ لرعاية شركة النفط معارضَ "المتحف البريطاني".

بالنسبة إلى المحتجّين، لا يُمكن إغفال الدور الاستعماري الذي تؤدّيه شركات النفط الغربية؛ ففي تبريرهم لمطالبهم تلك، ذكّروا بأن شركة النفط البريطانية تحديداً، وحسب ما أكّدته وثائق حكومية كُشف عنها عام 2011، دعت "باستماتةٍ" إلى دخول العراق قبل غزوه في 2003، مستندةً في ذلك إلى توقُّعات أشارت إلى احتواء البلد مخزوناً نفطياً هائلاً. هكذا، جعلت الشركة البريطانية مصالحها مركزيةً في خطط الغزو، مما جعلها متواطئةً على شنّ حربٍ أدّت إلى قتل مئات الآلاف من العراقيين وإصابة وتشريد الملايين منهم، ناهيك عن دورها في تدمير البيئة باستخراج النفط الأحفوري في أكثر من مكان.

ولفتت منشورات وزّعها المحتجّون إلى أن صناعة النفط هناك تُدرّ على الشركات الأجنبية بلايين الدولارات، غير أنّ غالبية العراقيّين لا تنال من تلك الأرباح الهائلة سوى الفتات، كما يعتبر هؤلاء أن "المتحف البريطاني"، ومن خلال قبوله برعاية الشركة النفطية رعايةَ المعرض، إنّما يُساهم في "تبييض ممارساتها السوداء في العراق، وإظهارها كجهةٍ خيرية تهدف إلى الحفاظ على التراث العراقي".

ورفع المحتجّون لافتةً ساخرة، حملت شعار الشركة، بعنوان: "آشور: رسالة من شركة النفط البريطانية"، جاء فيها: "يُسعدنا أن نرعى تحف العراق الأثرية، فنحن مثل آشور بانيبال، نرغب في فعل كلّ ما يُمكن للسيطرة على ثروة المنطقة ومواردها... لقد استطعنا وضع مصالحنا في قلب الغزو البريطاني للعراق عام 2003. واليوم، تُدرّ حقول نفطنا هناك المزيد من الأرباح، بينما يملأ العراقيون الشوارع محتجّين على الافتقار للخدمات الأساسية. إننا نؤمن أن إمبراطوريتنا ستدوم إلى الأبد، أو على الأقل إلى أن يصل تغيُّر المناخ بسبب خطط استخراجنا للنفط إلى مستويات كارثية بالفعل".

من إحدى الوقفات الاحتجاجيةوبالإضافة إلى هذا "البيان"، رفع المحتجّون لافتات تحمل تحت شعار الشركة وعبارات مثل: "شركة النفط البريطانية: تصنع منك تاريخاً"، و"شركة النفط البريطانية: رعاية الماضي وتدمير المستقبل".

وبعد هذه الوقفة الاحتجاجية، أقدم المحتجّون على نقلة نوعية، فجمعوا، في الثامن من كانون الثاني/ديسمبر الماضي، حشداً ضمَّ ما يقارب مائتي شخص، ثمّ انضم إليهم مئات آخرون، وقام هذا الحشد بجولة غير رسمية على قاعات ومعروضات المتحف، ليضيف إلى الاحتجاج على رعاية النفط للفنون والثقافات، تسليطَ الضوء على معروضاته المنهوبة، والمطالبة بإعادتها إلى بلدانها الأصلية.

افتتح هذه الجولة مواطنٌ من سكّان أستراليا الأصليين يُدعى رودني كيلي، وقف بجوار خزانةٍ تضمُّ درعاً قال إن الكابتن البريطاني كوك سرقه بالقوّة من أحد أجداده عام 1770، وأوضح أهمية هذا الدرع كدليل على العنف الذي رافق أوّل اتصال بين البريطانيين وسكان أستراليا الأصليين. ثمّ انتقلت الجولة إلى المعرض الآشوري، وعنه تحدثت مواطنة عراقية تُدعى شهلاء عن الغضب الذي يشعر به كثير من العراقيّين عند وقوفهم على الكيفية التي تُستخدَم بها الأعمال الفنية المسروقة من بلدهم في تعزيز مكانة الشركة التي تواطأت على غزو العراق.

أمّا الوقفة الثالثة للجولة، فكانت أمام تمثالٍ شهير من تماثيل جزيرة الفصح، تحدّثت فيها مجموعة فنّانين من جزر المحيط الهادي، وقرأت رسالة مفتوحة، اتّسمت بقوّة عاطفتها، تُطالب المتحف بإعادة العاديات التي نُهبت خلال فترة الاستعمار، وتضم ما يقارب ألفين وثلاثمائة عملٍ فني وثقافي يحتفظ بها المتحف، إلى أصحابها الأصليّين.

ونُظّمت الوقفة الرابعة أمام تماثيل البارثينون، مَجمع المعابد اليونانية المقام على هضبة الأكروبولوس في أثينا؛ حيث شرح أحد أعضاء لجنةٍ بريطانية تُطالب بتجميع هذه التماثيل وإعادتها إلى اليونان، مجريات عملية سرقتها في أوائل القرن التاسع عشر على يد وكيل للورد البريطاني إليجن، مُطالباً بإعادتها إلى المتحف الجديد الذي سيُفتَتح قريباً فوق الهضبة، لتملأ الفجوات التي خلّفتها سرقتها وشحنها إلى بريطانيا، ومن ثم بيعها لـ"المتحف البريطاني".

ولم يصدُر ردّ فعل من شركة "بريتيش بتروليوم" حول الاحتجاجات التي رافقت معرض "أنا آشور بانيبال" حين طلبت وسائل إعلامية تعليقاً منها، واكتفى بعض موظّفي "المتحف البريطاني"، حين سُئلوا عن رأيهم في الاحتجاجات ورعاية الشركة النفطية المعرض، بالقول إنه من غير المسموح لهم مناقشة الموضوع، وإنهم مسرورون لأنهم يعيشون في بلدٍ يُمكن أن يحتج فيه الناس بهذا الشكل، بينما رفض أحد مسؤولي المتحف الإجابة عن أسئلة الصحافيّين، متذرّعاً بارتباطه بـ"اجتماع مهمّ".


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فن ونفط
ليست الاحتجاجاتُ الأخيرةُ ضدّ "المتحف البريطاني" و"بريتيش بتروليوم" الأولى من نوعها في البلاد؛ إذ تشهد بريطانيا معركةً قائمةً منذ فترةٍ حول رعاية شركات النفط أنشطةَ المؤسّسات الثقافية. وبسبب تزايد ضغوط الأصوات التي تُعارض هذه "الرعاية"، أعلنت الشركة النفطية عام 2016 توقّفها عن رعاية أنشطة "صالة تيت" في لندن، و"مهرجان أدنبرة الدولي" في اسكتلندا. فهل ستستجيب هذه المرّة أيضاً؟

دلالات