مستقبل السلطة الفلسطينية

12 سبتمبر 2019
الصورة
نتنياهو يعتزم ضم غور الأردن وشمال البحر الميت (Getty)



من الواضح أن تهميش السلطة الوطنية الفلسطينية قد قطع أشواطاً منذ إعلان ما سميت صفقة القرن، ومنذ رفض الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، وكذلك رفض حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، تلك المبادرة. 
تأزمت الأمور، خصوصا عندما قاطع الرئيس عباس المحادثات السلمية بوساطة أميركية، حيث أكد أن نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى مدينة القدس، واعتراف الرئاسة الأميركية بمدينة القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، قد أغاظ الجانب الفلسطيني، ودفعه إلى التصريح بأن الإدارة الأميركية الراهنة لم تعد وسيطاً عادلاً كما يجب أن تكون.

وجاء الرد الأميركي على دفعات متسارعة، تمثلت في إغلاق مكاتب بعثة المنظمة والسلطة الفلسطينية في الولايات المتحدة، وإغلاق القنصلية الأميركية في القدس، وقطع المساعدات الأميركية عن السلطة الفلسطينية، ومن ثم قطع المساعدات الأميركية عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وسعي الولايات المتحدة إلى إقناع الدول الحليفة لها بإيقاف تلك المساعدات أسوةً بها.

وكانت إسرائيل قد قرّرت أن ما تجمعه من ضرائب مباشرة وغير مباشرة لصالح الفلسطينيين لا يعطَى بكامله للسلطة الوطنية الفلسطينية، بل تُحسم منه الأموال التي تقوم السلطة بدفعها لأسَر الشهداء والأسرى، على أساس أن دفع السلطة هذه الأموال يندرج تحت مُسمى "دعم الإرهاب" ضد إسرائيل.

ولم يبق خيار أمام السلطة، والحالة هذه، إلا أن ترفض استلام مستحقاتها منقوصة، وذلك لأن القبول بها اعتراف بأن ما قام به الشهداء والأسرى لم يكن مقاومة مشروعة ضد دولة محتلة لأرض فلسطين، بل كان عملاً إرهابياً.

ووفق هذه المعطيات، خسرت السلطة الفلسطينية جزءاً كبيراً من إيراداتها. وتحملت في المقابل أعباء جديدة حيال وكالة "أونروا". وقد تصل فاتورة هذه الإجراءات الإسرائيلية والأميركية إلى أكثر من 1.5 مليار إلى 2.0 مليار دولار.

وهكذا اضطرت السلطة الفلسطينية إلى إعادة تكييف نفسها مع هذا الواقع الضاغط عليها، فقد اضطرت إلى تأجيل دفع المستحقات عليها للعاملين لديها وللمزودين لها باللوازم والخدمات.

وكذلك، وجدت أن قدرتها على دفع الرواتب والمستحقات لأهل غزة قد تقلصت، ما وتّر العلاقات مع حركة حماس التي تتولى إدارة الأمور في قطاع غزة الواقعة تحت حصار بحري وبري وجوي ظالم.

ولو ترجمنا كل هذه الالتزامات وتكاليفها والتأزم الذي تسببه في العلاقات بين حركتي فتح وحماس، وبين المواطنين والسلطة الفلسطينية، وحركة المدفوعات داخل أوصال الاقتصاد الفلسطيني، فإن الكلفة الفعلية على الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة سوف تتجاوز ثلاثة مليارات دولار سنوياً.

وقد سعت السلطة الفلسطينية، بالتعاون مع مملكة الأردن، إلى البحث عن موارد لإبقاء خدمات وكالة "أونروا" التعليمية والصحية قائمة. والوكالة تتحمل عبئاً واضحاً في التربية والتعليم والصحة في كل من الأردن وفلسطين ولبنان.

ولكن الأردن وفلسطين هما اللذان يتحمّلان العبء الأكبر، حيث إن في كل منهما أكثر من 2.2 مليون لاجئ فلسطيني، يعتمدون، في قدر مهم في معاشهم، على خدمات وكالة غوث اللاجئين، وعلى آلاف الوظائف التي توفرها للفلسطينيين.
وإذا عجزت السلطة الفلسطينية، بعد فترة، بسبب رفضها "صفقة القرن" عن أن تقوم بواجبها الأساسي تجاه المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وظهر عجزها في إقناع متبرعين بسداد العجز الناتج عن توقيف الدعم الأميركي لوكالة "أونروا"، فإن شرعية السلطة الفلسطينية تصبح موضع شك وتساؤل من القابعين تحت الاحتلال.

ولذلك يبدأ المواطن بإثارة أسئلة كثيرة بشأن جدوى السلطة الفلسطينية، وهم يرون أنها تحولت إلى كيانٍ ينسق مع الدولة المحتلة، ويخفّف عنها من أعباء تحمل مسؤوليتها تجاه المواطن الفلسطيني القابع تحت سلطة الاحتلال.

ولو تأملنا في واقع الاقتصاد الفلسطيني في ظل عجز الموازنة الكبير للسلطة، فإن مصادر الدخل التي تتوفر لهذا المواطن لا تأتي من السلطة، بل هو الذي يُموّلها، فهو يعمل في إسرائيل، أو في مصانع تنتِج لإسرائيل أو تبيع منتجاتها عبر وسطاء إسرائيليين، أو أنهم يتلقون حوالات من أبنائهم العاملين في الخارج، مثل دول الخليج والأردن ولبنان والمهجر.

لذلك، على السلطة الفلسطينية نفسها أن تطرح السؤال: لماذا أبقى أحمي المحتل الإسرائيلي، وأنسّق معه، طالما أن الوضع لن يكون أسوأ إذا ما حلّت السلطة، بقيادة الرئيس محمود عباس، نفسها، وأغلقت مؤسساتها، وقامت بالعودة إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وتحميل إسرائيل العبء الأمني والاقتصادي والسياسي حيال الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة؟

أما "صفقة القرن" فأرى أنها قد استوفت أغراضها، وليس من استمرار وجودها فائدة لإسرائيل أو الولايات المتحدة. واحتماليات قيام دولة فلسطينية بالمقاس الفلسطيني صارت أمراً شبه مستحيل في المدى المنظور.

ولذلك يصبح بديل حل منظمة التحرير الفلسطينية وفكفكة مؤسساتها يبدو البديل الأكثر منطقية وجدوى. وإذا لم تُقدِم السلطة على ذلك، سوف تزداد الشكوك في دوافعها حدة، ما يثير عليها الشعب الفلسطيني. إنها لا شك حالة محزنة، تدمي القلوب كيفما نظرت إليها.
تعليق: